التحالف العسكري المتنامي بين إسرائيل وقبرص الرومية.. كيف يستهدف دماء العرب؟

"في العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، كان لقبرص الرومية دور متقدم"
تصل المسافة بين قطاع غزة وقبرص الرومية إلى قرابة 380 كلم، كمسار بحري؛ إذ تلعب الجزيرة دورا مؤثرا في مؤامرات الكيان الإسرائيلي وحلفائه الغربيين ضد القطاع المحاصر.
وفي 27 يناير/ كانون الثاني 2025، قال وزير دفاع قبرص الرومية فاسيليس بالماس: إن "إسرائيل دولة جارة أقرب إلينا من اليونان، ولها أولوية في استخدام قواعدنا العسكرية".
وأضاف بالماس في مقابلة صحفية: "قد يكون اليونانيون أشقاءنا، لكن إسرائيل جارتنا، الإسرائيليون قريبون جدا منا، يمكنهم الوصول إلى قبرص في غضون ثلاث دقائق".
وقبل هذه التصريحات، نشرت وسائل إعلام محلية قبرصية وإسرائيلية، أن إدارة قبرص الرومية، تخطط للسماح لعناصر من جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "موساد"، بالتمركز في مطاري باف ولارنكا لأغراض أمنية.
وأوضحت أنه بالفعل أجرت فرق من الموساد، وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شاباك) عمليات تفتيش في مطار لارنكا والمناطق المحيطة به.
بما في ذلك السواحل القريبة من غزة، باستخدام كاميرات مزودة بعدسات مكبرة ومعدات خاصة، وبمرافقة الشرطة القبرصية الرومية.
لكن هناك تطورات أكثر تتعلق بتطوير قواعد عسكرية داخل الجزيرة، سوف تستخدمها بعض الدول لأغراض أمنية، على رأسها إسرائيل.
فما هذه القواعد؟ وما الخطط الإسرائيلية المتعلقة باستخدام قبرص الرومية كنقطة ارتكاز إقليمية في حربها ضد غزة؟
وتنقسم جزيرة قبرص إلى شطرين؛ الأول رومي، والآخر تركي.
قاعدة بافوس
وأعلن وزير دفاع قبرص الرومية، أن بلاده ستمنح أولوية لتل أبيب في استخدام قاعدة بافوس الجوية المقرر تجديدها من قبل الولايات المتحدة وقاعدة ماري البحرية التي هي قيد الإنشاء.
وذكر أن القواعد المذكورة ستكون متاحة أيضا للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر والأردن ودول صديقة أخرى.
كما أشار إلى أن الأنظمة التي سيتم تركيبها في القاعدة الجوية الموسعة في بافوس ستشكل مظلة دفاع جوي تغطي قبرص بأكملها.
وتقع قاعدة "بافوس" المعروفة أيضا بـ"أندرياس باباندريو" على بعد 10 كيلومترات شمال مطار بافوس الدولي في قبرص، وتعد القاعدة الرئيسة لسلاح الجو القبرصي الرومي وأكبر قواعده.
كما تعد القاعدة مقر الوحدة القتالية 55، وهي عبارة عن مجموعة عملياتية مستقلة، تابعة لقيادة القوات الجوية القبرصية، وهي تشبه المجموعات النموذجية لحلف شمال الأطلسي (ناتو).
حيث تتطلب مهامها دوام الجاهزية على أعلى مستويات الكفاءة للعمل في جميع الظروف والأوقات، وهي أيضا الوحدة المسؤولة عن تشغيل 5 أسراب عسكرية.
كذلك تشكل "بافوس" مركزا اعتياديا للمناورات والتدريبات العسكرية المشتركة، التي تقوم بها قبرص اليونانية مع دول عديدة مثل اليونان وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا ومصر.
وعقب عملية طوفان الأقصى، التي شنتها المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ضد فرقة غزة بالجيش الإسرائيلي، بدأت طائرات فرنسية وألمانية وهولندية وأميركية باستخدام قاعدة "بافوس" مركزا لعملياتها في شرق المتوسط، لأغراض لوجستية واستخباراتية.
وهو ما يعزز مدى الأهمية الإستراتيجية المتزايدة للقاعدة في المنطقة، وتركيز إسرائيل عليها في تعزيز التعاون العسكري مع قبرص الرومية، ضد غزة.

دورها في الحرب
وفي العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، كان لقبرص الرومية دور متقدم، وهو ما أشار إليه الأمين العام الراحل لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في يونيو/ حزيران 2024.
وقال نصر الله في خطاب قبل ثلاثة أشهر من اغتياله بغارة إسرائيلية: إن "فتح المطارات والقواعد القبرصية للعدو الإسرائيلي لاستهداف لبنان يعني أن الحكومة القبرصية أصبحت جزءا من الحرب، وستتعاطى معها المقاومة على أنها جزء من الحرب".
وحتى من قبل الحرب، فقد انخرطت قبرص الرومية في علاقات عسكرية وثيقة مع تل أبيب، فمنذ عام 2014، يجري جيش الاحتلال الإسرائيلي مناورات عسكرية منتظمة في الجزيرة.
ووصل الأمر إلى أن بعض هذه التدريبات تقتصر على عناصر من الجيش الإسرائيلي فقط، دون مشاركة الجيش القبرصي؛ بمعنى أن البلاد مجرد مضيفة لهذه التدريبات، وهو وضع تختص به إسرائيل قبرص والولايات المتحدة.
وأبعد من ذلك أن هدف تلك المناورات هو أنها تحمل رسائل عدائية لا يمكن تجاهلها لغزة ولأطراف إقليمية أخرى.
مثلما كان الحال في مناورة "عربات النار" التي أقيمت في يونيو 2022، وقام جيش الاحتلال خلالها بمحاكاة هجوم بري على معاقل حزب الله اللبناني.
حتى خلال العدوان على غزة، أجرى سلاح الجو الإسرائيلي في أبريل/نيسان 2024، تدريبات مكثفة في قبرص الرومية، بغرض محاكاة توجيه ضربة للأراضي الإيرانية، وتنفيذ هجمات بعيدة المدى على المفاعلات النووية هناك.

لماذا قبرص الرومية؟
وساعد إسرائيل على اختصاص قبرص الرومية بالتحالفات العسكرية والاستخباراتية، تمتعها بموقع إستراتيجي متوسط بين الشرق والغرب.
تحديدا قربها من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كالأراضي المحتلة ومصر ولبنان وسوريا، وأيضا تركيا وإيران.
هذا أيضا ما جعل الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، على تثبيت وجود عسكري لها على أراضي الجزيرة، لما يتيحه موقعها من إمكانية الوصول السريع إلى الأهداف.
فمثلا احتفظت بريطانيا بعد استقلال قبرص عنها عام 1960 "بمناطق سيادية" خاضعة لسيطرتها بشكل كامل.
وذلك بموجب اتفاقية لندن عام 1959، وتغطي هذه المناطق مساحة تبلغ 256 كيلومترا مربعا، بما يعادل نحو 3 بالمئة من مساحة الجزيرة.
حيث تضم منطقتين منفصلتين في جنوبي البلاد، هما قاعدتا "ديكيليا" و"أكروتيري" العسكريتان؛ إحداهما في شرق الجزيرة، والأخرى في الغرب.
وكلتا القاعدتين تضم مطارا عسكريا كبيرا، ومحطة استخبارات خاصة بجمع المعلومات.
كذلك تمتلك واشنطن أربعة مواقع للتجسس، منها: مركز اعتراض الاتصالات في آغيوس نيكولاوس في ديكيليا، والذي يعتقد أنه يعترض المكالمات والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وهناك مركز تنصت آخر يجمع المعلومات الاستخبارية الإلكترونية السرية.
يذكر أن القوات البريطانية والأميركية التي دعمت العدوان الإسرائيلي على غزة بالأسلحة والمعلومات الاستخبارية، استخدمت قاعدتي أكروتيري وديكيليا.
وكانت أميركا تنقل أسلحة إلى إسرائيل من مختلف أنحاء أوروبا عبر قاعدة أكروتيري القبرصية.

دعم مخططات التهجير
ولم تكتف قبرص الرومية بدعم الاحتلال عسكريا واستخباراتيا، بل كان لها دور بارز ومحوري في دعم خطط تهجير الفلسطينيين من غزة تحديدا.
وهو ما برز من خلال مقترح رئيس قبرص الرومية نيكوس خريستودوليدس، الذي أعلن في مؤتمر للمساعدات الإنسانية عقد في العاصمة الفرنسية باريس، يوم 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 العزم على إقامة ممر بحري لنقل المساعدات بحرا إلى غزة من جزيرة قبرص.
الممر المائي الذي اقترحه الرئيس القبرصي سيمرر المساعدات من ميناء لارنكا بقبرص الرومية إلى غزة مباشرة، وليس عبر معبر رفح المصري أو من كيان الاحتلال.
وفي 19 ديسمبر 2023، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين موافقة حكومته المبدئية على المقترح القبرصي.
وفي اليوم التالي مباشرة، قام كوهين بزيارة دبلوماسية سريعة إلى لارنكا، التقى خلالها نظيره القبرصي "كونستانتينوس كومبوس"، وتفقد معه مركز التنسيق متعدد الأغراض "زينون" وميناء لارنكا المتوقع أن يعمل كنقطة انطلاق للممر البحري من قبرص إلى قطاع غزة.
وقال كوهين خلال تلك الزيارة: "إن إنشاء ممر بحري إلى غزة، سيساعد على فك الارتباط الاقتصادي لإسرائيل عن قطاع غزة، ولن نسمح بالعودة إلى الواقع الذي سبق الهجوم القاتل (طوفان الأقصى) يوم 7 أكتوبر".
وأعلنت وزارة خارجية الكيان بيانا عن تلك الزيارة، قالت فيه "إنه في الأسابيع الأخيرة، عمل موظفو وزارة الخارجية وفرق من إسرائيل مع زملائهم من قبرص (الرومية) ودول أخرى على تعزيز إنشاء الممر البحري، الذي من شأنه أن يسمح بإجراء فحص أمني مبكر في قبرص (الرومية)، والنقل المباشر للمساعدات والسلع الإنسانية إلى قطاع غزة، دون الحاجة للمرور عبر إسرائيل".
لكن في 1 يناير 2024، رفض مجلس الوزراء الفلسطيني فكرة الممر المائي بين إسرائيل وقبرص.
وأعلن مجلس الوزراء في بيان "أن هذا الممر ينطوي على مخاطر تفرضها المخططات الإسرائيلية، بما يتعلق بتسيير هذا الممر بين قبرص وغزة، والذي ترمي من ورائه إسرائيل لتهجير أبناء شعبنا من القطاع".
وطالب مجلس الوزراء بإدخال المساعدات عبر المعابر الحدودية، وليس عبر ممرات يصفها بأنها تحمل "لافتة إنسانية"، بهدف تجنب تمرير مخططات تختبئ وراء تلك العبارة، والتي قد تكون متسقة مع أهداف مزعومة تتعلق بحرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.