ضم نهائي.. ماذا يعني إلغاء محكمة الهند العليا الحكم الذاتي لكشمير؟

منذ عام واحد

12

طباعة

مشاركة

في 11 ديسمبر/كانون أول 2023، استغل الهندوس في حكومة الهند المتطرفة انشغال العالم بالعدوان الإسرائيلي على غزة، وأزمة الملاحة في البحر الأحمر، لإحكام قبضتهم على جامو وكشمير.

المحكمة العليا في الهند، صدقت على قرار حكومي يلغي الحكم شبه الذاتي لولاية جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة، ما يعني موافقتها بصورة نهائية على ضم الجزء الذي تحتله من الإقليم.

القرار معناه أن هذه المنطقة ذات الأغلبية المسلمة، والتي يُديرها الآن مسؤولون حكوميون هندوس، غير منتخبين، "فقدت علمها وقانونها الجنائي ودستورها"، وفق وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية 11 ديسمبر 2023.

الحزب الهندوسي الحاكم المتطرف (بهاراتيا جاناتا) كان قد استعد لقرار المحكمة، بالإغلاق الكامل لكشمير، وقطع الاتصالات عنها لمدة شهر، وزاد قوات الجيش والشرطة لاحتواء الاحتجاجات.

كما نفذ حملة اعتقالات جماعية، وسط مخاوف من جانب المسلمين، الذين يشكلون أغلبية كشمير، من عمليات قمع ومحو هوية أكبر وأوسع عقب الضم النهائي لولايتهم بقرار المحكمة العليا في الهند.

واستغل رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، والزعيم القومي الهندوسي المتطرف قرار المحكمة العليا، المؤيد لحكومته بإلغاء الحكم الذاتي في كشمير، بالتأكيد على أنه سيسعى إلى "بناء هند أقوى وأكثر اتحادا".

ما الجديد؟

ظلت قضية المادة 370 من الدستور الهندي، التي ضمنت الاستقلال الذاتي لكشمير، قضية ساخنة منذ استقلال البلاد، حيث كانت الحركة الهندوسية السياسية تطالب بإلغائها منذ 1947، بدعوى أنها حجر عثرة دون "اندماج" الكشميريين المسلمين في الهند.

وحانت اللحظة، حين أعلنت حكومة نيودلهي التي يقودها الحزب الهندوسي "بهاراتيا جاناتا" في 5 أغسطس/آب 2019، إلغاء وضع الحكم الذاتي لكشمير بمرسوم رئاسي.

لأن الدستور الهندي ينص في المادة 370 على منح كشمير حكما ذاتيا خاصا، فقد أعلن وزير الداخلية، أميت شاه، للبرلمان حينئذ، أن رئيس الوزراء وقع مرسوما يلغي هذه المادة من الدستور، ونص على أن الإجراء دخل حيز التنفيذ "فورا".

ونشرت وزارة العدل الهندية نسخة من نص المرسوم الرئاسي القاضي بإلغاء المادة 370 من الدستور، والتي تمنح سكان جامو وكشمير المسلمين منذ 1974، الحق في دستور خاص يكفل لهم عملية صنع القرار بشكل مستقل عن الحكومة المركزية.

وقع على وثيقة الانضمام إلى الهند مهراجا (حاكم) كشمير هاري سينغ في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1947.

ونصت على أن "إمارة جامو وكشمير بعد انضمامها ستتمتع باستقلال ذاتي، ولن تخضع للهند إلا في مجالات الدفاع والاتصالات والمالية".

ولإعطاء هذا التعهد شكله القانوني استحدثت الهند المادة 370 في الدستور التي قضت بأن ولاية جامو وكشمير ستتمتع بالاستقلال الذاتي، وسيكون لها علمها الخاص ومجلسها التشريعي ودستورها الخاص.

وعقب قرار الحكومة الهندية عام 2019 بضمها، اعترضت جماعات وأحزاب هندية وكشميرية، واصفين قرار الحكومة بإلغاء الحكم الذاتي في جامو وكشمير بأنه "غير دستوري"، وجرى تقديم نحو 20 التماسا إلى المحكمة العليا.

وفي سبتمبر/أيلول 2023، انتهت المحكمة من سماع المرافعات بشأن عدد كبير من الالتماسات التي تطعن في شرعية التشريع الذي أقرته حكومة مودي في 2019.

وأخيرا حدث ما أرادت الحكومة الهندوسية حين أيدت المحكمة العليا التشريع الذي أقره نظام "مودي" في 2019، بإلغاء الحكم الذاتي لمنطقة جامو وكشمير، وتجريدها من الوضع الخاص الذي كانت تتمتع به.

وقالت الهيئة الدستورية بالمحكمة العليا، بقيادة رئيسها دهانانجايا يشوانت تشاندراتشود: "نعد ممارسة السلطة الرئاسية (حكومة الهند) لإصدار أمر دستوري يلغي المادة 370 من الدستور صحيحة".

وتابع: "رفضنا احتفاظ جامو وكشمير بعنصر السيادة (التامة) أو السيادة الداخلية (حكم ذاتي) عند انضمامها إلى الاتحاد الهندي".

وأمرت المحكمة العليا أيضا بإجراء انتخابات في جامو وكشمير، مؤكدة وجوب أن تتم مساواتها بالولايات الهندية الأخرى "في أقرب وقت ممكن"، على أن ينظم الاقتراع في موعد أقصاه 30 سبتمبر 2024.

ويطلق اسم "جامو كشمير"، على الجزء الخاضع لسيطرة الهند من الإقليم المتنازع عليه مع باكستان، ويضم جماعات تكافح منذ 1989، ضد الاحتلال الهندي لمناطقها.

ويطالب سكان المنطقة بالاستقلال عن الهند، والانضمام إلى الجزء الذي تسيطر عليه باكستان من كشمير، منذ استقلال البلدين عن بريطانيا عام 1947، واقتسامهما الإقليم ذي الغالبية المسلمة.

وتقاتل مجموعات مقاومة كشميرية بعضها إسلامية منذ ثلاثة عقود الجنود الهنود المنتشرين في الشطر الذي تديره نيودلهي من كشمير، سعيا لدمج المنطقة مع باكستان أو الاستقلال.

وفي إطار الصراع على كشمير، خاضت باكستان والهند 3 حروب أعوام 1948 و1965 و1971، ما أسفر عن مقتل نحو 70 ألف شخص من الطرفين.

وهناك جزء ثالث من كشمير، هو إقليم "أقصاى تشين"، الذي يشكل نحو 15 بالمائة منها، ويقع تحت سيطرة الصين منذ 1962.

ضربة للمسلمين

علق رئيس وزراء كشمير الأسبق فاروق عبد الله على القرار قائلا إن "المحكمة قالت: ليذهب الإقليم إلى الجحيم".

ووصفه بأنه "هزيمة للدستور الهندي، وتنكر للوعود التي قدمتها الهند لشعب كشمير عند الانضمام وبعده".

وقال "عبد الله" إنه محبوس في بيته من قبل حكومة الهند، ولا يُسمح للإعلام بالوصول إليه، وفق وكالة الأناضول التركية 11 ديسمبر 2023.

لكن "فاروق عبد الله"، وهو نائب رئيس المؤتمر الوطني لجامو كشمير، قال، عبر تويتر، إنه "يشعر بخيبة أمل ولكن ليس بالإحباط"، مؤكدا أنه: "سيستمر النضال".

وتابع: "لقد استغرق حزب بهاراتيا جاناتا عقودًا لإلغاء الحكم الذاتي لكشمير، ونحن أيضًا مستعدون على المدى الطويل"، أي لاستعادة استقلال الإقليم.

Disappointed but not disheartened. The struggle will continue. It took the BJP decades to reach here. We are also prepared for the long haul. #WeShallOvercome #Article370

— Omar Abdullah (@OmarAbdullah) December 11, 2023

وقالت رئيسة الوزراء السابقة لكشمير "محبوبة مفتي"، عبر تويتر، إن "قرار المحكمة العليا، ليس أكثر من رأي سياسي، وبمثابة حكم بالإعدام على فكرة الهند ذاتها"، مؤكدة أن الحكم ليس نهاية الطريق.

The people of J&K are not going to lose hope or give up. Our fight for honour and dignity will continue regardless. This isn’t the end of the road for us. pic.twitter.com/liRgzK7AT7

— Mehbooba Mufti (@MehboobaMufti) December 11, 2023

كما نقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية عنها في 11 ديسمبر 2023 قولها: "لا يوجد شيء اسمه حكم نهائي، حتى لو كان من المحكمة العليا، هذه معركة سياسية مستمرة".

أيضا انتقد "فالي ناريمان"، الذي يعد على نطاق واسع الخبير الدستوري الأول في الهند، حكم المحكمة العليا بشأن كشمير، ووصف إلغاء المادة 370 من الدستور بأنه "خاطئ تمامًا، وسيئ قانونا".

"Supreme Court's Kashmir judgement [Art. 370] totally erroneous + bad in law": Fali Nariman, widely considered India’s foremost constitutional expert, tells Karan Thapar for @thewire_in
(Here is Nariman, Thapar and Devi, our colleague, taking a picture on the right) #ComingUp pic.twitter.com/7ZskdJqx3R

— Seema Chishti (@seemay) December 18, 2023

وقال الكاتب الهندي المسلم "ظفر الإسلام خان" في مقال بموقع "الجزيرة" 14 ديسمبر إن قرار المحكمة العليا ضربة للنظام الفيدرالي في الهند.

أكد أنه يعني أن أي حكومة مركزية تستطيع سحب صفة "ولاية" من أي منطقة في النظام الفيدرالي الهندي، وتحولها إلى منطقة تابعة للحكومة المركزية.

أوضح أن المادة 370 من الدستور الهندي، تنص على أنه لا يجوز للهند إلغاء الاستقلال الذاتي للولاية إلا بطلب من جمعيتها التأسيسية، وانتقلت هذه الصلاحية إلى الجمعية التشريعية بعد انتهاء مدة الجمعية التأسيسية.

لكن حكومة مودي لم تراعِ متطلبات الدستور، إذ لم يصدر قرار من جمعية ولاية كشمير التشريعية يطالب بإلغاء استقلال الولاية الذاتي، بل اكتفت بطلب من حاكم الولاية الذي تعيّنه الحكومة الهندية بنفسها أن يفعل ذلك.

أكد أن قرار المحكمة العليا لم يكن متوقعا، و"صدم" جميع الأطياف السياسية والحقوقيين في كشمير والهند.

ووصف "خان" قرار المحكمة العليا بأنه "هزيمة للدستور الهندي، وتنكر للوعود التي قدمتها الهند لشعب كشمير عند الانضمام وبعده".

لكنه أشار إلى أنه يعُرف عن القضاة أنهم لا يعارضون الحكومة المركزية في قضايا مهمة، أو التي لها توجه خاص بشأنها، بدليل قرار قضاة المحكمة العليا بإعطاء أرض المسجد البابري للهندوس عام 2019، رغم أن كل الأدلة لصالح المسلمين.

تداعيات خطيرة

فور صدور الحكم زادت عمليات التضييق الموجودة سابقا، على المسلمين، وتسريع تغيير الدوائر الانتخابية وإعطاء هندوس وسيخ مساكن وإقامة في كشمير لتغيير الطابع الديمغرافي.

وبشكل عام، سجنت السلطات الهندوسية غالبية الزعماء السياسيين الكشميريين، أو وضعتهم تحت الإقامة الجبرية في بيوتهم، ومنهم من أطلق سراحه بعد شهور طويلة.

وحرمت الهند مئات الآلاف من الكشميريين المسلمين من أراضيهم وبيوتهم بحجة أنها حكومية، كما منعت عن الإقليم خدمات الهاتف والإنترنت لشهور طويلة.

وتلاعبت الحكومة في عدد الدوائر الانتخابية لجامو (الهندوسية) وكشمير (المسلمة) لمنح الهندوس فرصة للحصول على منصب كبير وزراء الولاية عند انعقاد الانتخابات في الإقليم.

ولم تكتف الحكومة الهندية بهذا فقط، بل ألغت صفة "الولاية" لإقليم جامو وكشمير، وجعلتها منطقة تابعة مباشرة للحكومة المركزية.

كما قسمت الولاية إلى قسمين، أحدهما: جامو وكشمير، والآخر "لداخ". وأيضا طردت الهند مئات الموظفين المسلمين من وظائف حكومية، بحجة أن لهم ميولا إرهابية أو معادية.

أما على صعيد مكاسب الحزب الحاكم، رأت وكالة "أسوشيتد برس" في 11 ديسمبر أن حكم المحكمة العليا سيعزز فرص "مودي" وحزبه في الانتخابات التشريعية المقررة عام 2024.

أوضحت أن حزب بهاراتيا جاناتا يحاول الآن استغلال الحكم القضائي للظهور وكأنه نفذ "التعهد القومي الهندوسي" الذي طال أمده بإلغاء الحكم الذاتي للأغلبية المسلمة لتعزيز شعبيته.

وبدأت حكومة الهند المتطرفة عملية "هندسة"، أي تحويل كشمير المسلمة للهندوسية عبر عدة وسائل شيطانية، مبكرا منذ توليها السلطة عام 2013.

وزادت هذه الخطوات عقب قرارها إلغاء الحكم الذاتي للإقليم 2019، وسرعتها أكثر بعد حكم المحكمة العليا 2023.

ففي أغسطس 2021 بدأت الحكومة المتطرفة مبكرا إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في إقليم كشمير ذي الغالبية المسلمة، والخاضع للإدارة الهندية، بعد إلغاء الحكم الذاتي.

وتحدث تقرير لمجلة "فورين بوليسي" الأميركية 11 أغسطس 2021 عن سعي حزب بهاراتيا الحاكم لـ "إعادة الهندسة الديموغرافية لسكان كشمير".

وذلك عبر جلب "هندوس" من ولايات أخرى وتسكينهم في جامو وكشمير، بتصاريح رسمية، لمزاحمة المسلمين.

واستهدف برنامجها لترسيم الحدود تقسيم الدوائر الانتخابية لكشمير إلى عدة وحدات انتخابية جديدة بطريقة تعطي ثقلاً عددياً للمنطقة الجنوبية من "جامو".

إذ يوجد تركيز أكبر للناخبين الهندوس، مقابل تخصيص مقاعد أقل في البرلمان لمنطقة "كشمير" ذات الغالبية المسلمة.

وهذه التغيرات الديموغرافية، اقترنت بإعادة تشكيل خبيث للدوائر الانتخابية، "ستسمح بتنصيب رئيس وزراء هندوسي في كشمير"، بحسب "فورين بوليسي".

أيضا بدأت حكومة ناريندرا مودي المتطرفة في تطبيق مئات القوانين والسياسات الهندية الفيدرالية في كشمير.

كما مكنت القوات المسلحة الهندية من إعلان أي منطقة في كشمير على أنها "إستراتيجية"، وأنهت فترة 131 عاماً من سيادة الأردية بوصفها اللغة الرسمية الوحيدة في المنطقة.

وفي يناير/كانون ثان 2023 سلحت السلطات المحتلة القرويين الهندوس في جامو وبدأت بتدريبهم، وفق ما نشر موقع "أوت لوك إنديا" الهندي في العاشر من ذات الشهر.

وفي 30 أبريل/نيسان 2023، كشفت وكالة الأنباء الفرنسية أن قوات الاحتلال الهندية في كشمير، سلحت أكثر من 5 آلاف هندوسي في منطقتين بالإقليم.

كما نفذت السلطات الهندية في كشمير سلسلة من عمليات الهدم لمنازل المسلمين بالبلدوزر بصورة مفاجئة، بدعوى "استعادة" أراضي الدولة، رغم أنها ملك للمسلمين.

وكشفت صحيفة "الغارديان" 19 مارس/آذار 2023 أن "سياسة البلدوزر"، تأتي "ضمن خطة لتغيير التركيبة السكانية واستقدام هندوس بدل المسلمين".

وفي مقال نشرته بصحيفة "هندوستان تايمز" 15 ديسمبر 2023، قالت محبوبة مفتي: "بهذا الحكم (للمحكمة العليا) ستخلع الحكومة القفازات، ولن تخجل من الانتقام من تلك المناطق (المسلمة) التي يرفض أهلها أيديولوجيتها (الهندوسية) المثيرة للخلاف".

قالت: "لسنا متفاجئين من الحكم، لأنه استكمال لما يفعله (الحزب الهندوسي الحاكم)، والذي لم يتورع عن قمع المسلمين في كشمير، ويسجن السياسيين دون أي محاكمة".

أضافت: مع الضوء الأخضر من المحكمة، أصبحت السلطة مفوضة بالكامل، لقمع المعارضة بأي شكل من الأشكال، سواء كانت سياسية أو غير ذلك.وبينت أن الحكومة تستخدم ما يسمى بمعبد الديمقراطية، أي البرلمان، كسلاح لإسكات أي نوع من المساءلة.

الكلمات المفتاحية