"صراع بارد" بين الوزارة والنقابة.. من يتحمل مسؤولية توتر أوضاع التعليم بتونس؟

تونس- الاستقلال | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

في أزمة تنذر بمزيد من توتر الأوضاع مع بداية السنة الدراسية القادمة، يعيش قطاع التعليم بتونس على وقع صراع بين نقابة التعليم الابتدائي ووزارة التربية، اندلعت بسبب تدهور أجور المدرسين وتصاعدت في ظل غياب الإرادة السياسية اللازمة لمعالجة القضية.

وفي 6 يوليو/تموز 2023، أعلن وزير التربية محمد علي البوغديري إعفاء أزيد من 150 مدير مدرسة من مناصبهم، على خلفية رفضهم معالجة الاختبارات وحجبهم نتائجها. ومع تواصل الأزمة، ارتفع عدد المديرين المعفيين لاحقا إلى 350، مع إعفاء آلاف المدرسين.

وندد الوزير، في تصريح لإذاعة "موزاييك إف إم" المحلية، بتصرفات بعض المديرين الذين رفضوا معالجة درجات التلاميذ من قبل المعلمات والمعلمين، معتبرا أن حجبها لا يمكن أن يكون أداة للضغط من أجل تحقيق المطالب.

وفي اختتام كل عام دراسي، تمنح المدارس التلاميذ نتائج اختباراتهم والمعدلات التي حصلوا عليها لكن هذه العملية تعثرت هذا العام بعد "حجب" مُدرسين مديرين لهذه النتائج في محاولة للضغط على الحكومة للاستجابة لمطالب نقابية.

ورأى الوزير، أن مديري المدارس الذين جرى إعفاؤهم "أخلوا بالواجب، ما يستوجب حسب القوانين قطع العلاقة المهنية، لا فقط إيقاف الراتب أو الإحالة على مجلس التأديب".

وكشف الوزير، الذي سبق له أن كان قياديا في نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل، أن عدد المديرين الذين جرى إعفاؤهم "قابل للارتفاع"، حيث تعمل اللجان التابعة لوزارة التربية في المركز الوطني لتكنولوجيا التربية على تحديدهم.

وفي رده على قرار وزير التربية، رأى نبيل الهواشي الكاتب العام للجامعة العامة للتعليم الأساسي التابعة لنقابة الاتحاد العام التونسي للشغل، أن قرار إعفاء مديري المدارس "استهداف للعمل النقابي ومحاولة للإساءة للمعلمين وإظهارهم بمظهر المتمردين والخارجين عن القانون".

وفي 7 يوليو 2023، قال الهواشي، في ندوة صحفية بالعاصمة تونس: "نحن دعاة حوار، ومقاربتنا هي حل الأزمة بتحقيق الحد الأدنى من المكتسبات التي ينتظرها المدرسون".

وأضاف أن "توقف المفاوضات بين الوزارة والنقابة لا يمكن أن يؤدي إلا إلى تصادم قد يستمر إلى بداية السنة الدراسية القادمة"، مشددا على "التشبث بمطالب المعلمين المشروعة".

شحنة انتقامية

تتمثل مطالب النقابة في تحسين الوضعية المادية للمعلمين بزيادة أجورهم بما يتناسب مع تراجع القدرة الشرائية وغلاء الأسعار، مع إيجاد صيغة لتسوية وضعهم المهني.

في المقابل، تقول وزارة التربية إنها غير قادرة على تلبية المطالب ذات التبعات المالية، وخصوصا في ظل أزمة اقتصادية كبيرة تقف الحكومة عاجزة أمامها.

وعقب صدور القرار، توالت ردود الفعل خاصة من الطرف النقابي الذي قال إن الخطوة المفاجئة ستؤدي إلى مزيد من التصعيد وتوتير الأوضاع خاصة في الموسم الدراسي المقبل.

المسؤولة بالجامعة العامة للتعليم الأساسي آمال الرضواني، عدّت قرار وزارة التربية "شحنة انتقامية" كبيرة ضد الأطر التعليمية.

وفي 7 يوليو 2023، سجلت الرضواني، في تصريح لإذاعة "شمس" المحلية، أن "قرار وزارة التربية تصعيدي لا يخدم المنظومة التربوية ولا يحل الإشكاليات، بل يزيد من درجة توتر الأوضاع".

وبعد أن شددت على أن "الحق النقابي منصوص عليه في الدستور ولا يمكن ضربه"، أشارت إلى أن "قرار الإعفاء كان غير متوقع ومفاجئا"، داعية إلى "ضرورة العودة إلى طاولة الحوار والتفاوض لحل الإشكالات".

من جهته، أكد عضو الجامعة العامة للتعليم الأساسي إقبال العزابي، أن وزير التربية أراد ربح الوقت وترحيل المعركة مع النقابة إلى بداية السنة الدراسية القادمة حتى يلتقط أنفاسه. 

وقال العزابي، في تصريح لإذاعة "إي أف أم" المحلية في 7 يوليو 2023، إن المعركة مع وزارة التربية لم تحسم بعد والنقابة حازمة في خطواتها النضالية وستلجأ إلى التصعيد "وما زال لديها الميدان".

ويرى أن وزير التربية يريد أن ينفذ"مجزرة" في قطاع التعليم حيث إن المديرين الذين جرى عزلهم يشكلون دفعة أولى وهناك دفعة أخرى.

وبالفعل، أعلنت وزارة التربية عن ارتفاع عدد المديرين الذين جرى إعفاؤهم من مهامهم إلى 350 مدير مدرسة ابتدائية إضافة إلى حجز أجرة شهر لـ17 ألف معلم تمسك بحجب الأعداد عن الإدارة.

وفي 10 يوليو 2023، كشفت وزارة التربية في بلاغ لها، أن ارتفاع عدد المديرين المعفيين يأتي بعد تدقيق الوزارة في عملية تسليم الأعداد وعقد مجالس الأقسام وبعد عمليات الفرز المتواصلة والمحيّنة الخاصة بالمديرين والمعلمين الذي واصلوا حجب النتائج.

"قرارات ظالمة"

وانقسمت آراء المتتبعين للأزمة القائمة بين نقابة التعليم ووزارة التربية في تونس، بين من يرى أنها تهم مطالب مشروعة للمدرسين، وبين من يرى أنها تعكس صراعا بالوكالة بين الاتحاد العام التونسي للشغل ورئاسة الجمهورية.

المتحدث الرسمي باسم الاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري، قال إن "الاتحاد يرى أن تحركات المعلمين تندرج ضمن نضالات مشروعة للقطاع انطلقت منذ سبتمبر/أيلول 2022".

وفي 12 يوليو 2023، وصف الطاهري، في كلمة أدلى بها خلال اجتماع الهيئة الإدارية للاتحاد المنعقدة في محافظة نابل (شرق)، قرار إعفاء 350 مديرا وانقطاع أجور العديد من المعلمين "بالمظلمة"، واعتبرها  غير قانونية وغير مسبوقة".

من جهته، أكد الباحث في العلوم السياسية وتاريخ الاقتصاد أيمن البوغانمي، أن التطور المشهود في هذه الأزمة هو أن "الوزارة استطاعت أن تربح الوقت حتى تجاوزت قضية الامتحانات ومن ثَمّة سلطت هذه العقوبات الزجرية على النقابات وهو ما خلق حالة من التوتر".

وأضاف البوغانمي، في حديث لـ"الاستقلال"، أنه لأول مرة تُخلق هذه الوضعية حيث نجد سلطة إشراف تستخدم "نوعا من الخبث" في تعاملها مع النقابة إلى هذا المستوى.

ورأى أن الإشكال يقوم على فكرة بسيطة وهي أن النقابات أصبحت ضعيفة منذ 25 يوليو، كما أن الاتحاد العام التونسي للشغل فقد الكثير من قدرته على التأثير بحكم تغير الوضع والانتكاسة الديمقراطية بتونس، وبالتالي استغلت الوزارة فترة العطلة والصيف لمعاقبة هؤلاء المعلمين. 

ومنذ 25 يوليو 2021 أو كما يُطلق عليه في تونس شهر "جويلية"، تعيش البلاد أزمة سياسية حادة، حين بدأ الرئيس التونسي قيس سعيد فرض إجراءات استثنائية عدتها المعارضة "انقلابا"، منها إقالة الحكومة وتعيين أخرى، وحلّ البرلمان ومجلس القضاء، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية.

ورأى البوغانمي، أن السؤال المطروح الآن هو: هل تملك نقابة المعلمين وخاصة المركزية النقابية (الاتحاد العام التونسي للشغل) ما يكفي من القوة كي ترد الفعل بنفس الطريقة؟

وأردف أن هذا الرد قد يدخل البلاد في مواجهة بين الحكومة/السلطة والنقابة بشكل مفتوح، مبينا أنه "حينما نتحدث عن الحكومة فنحن نتحدث عن رئيس الدولة كعنصر أساسي فيها لأنه ليس هناك في تونس الآن فصل بينهما".

وأفاد أنه لو استطاعت النقابة أن تحافظ على قدرتها على الفعل إلى حدود سبتمبر أو أكتوبر/تشرين الأول المقبلين فربما ستكون لها قدرة على التأثير وتحريك الشارع في الخريف والشتاء لأنه عادة ما يتحرك الشارع التونسي في هذا الوقت.   

ولفت إلى أن "اختيار العطلة والصيف من قبل الدولة لخوض هذه المواجهة يجعل حظوظ النقابة ضعيفا في المقاومة على الأقل في المدى القصير".

صراع بارد 

وفي تعليقه على ما تعكسه هذه الأزمة من صراع بين الرئيس التونسي والاتحاد العام للشغل، قال البوغانمي، إن الأخير حاول أن يجد لنفسه موقعا في المنظومة الجديدة وقدم كل الإشارات الإيجابية ابتداء من القبول بـ"25 جويلية"، مستدركا: "رئيس الجمهورية، يرفض هذه الشراكة". 

وشدد على أن "رئيس الجمهورية يصر على أن الاتحاد العام كغيره من مؤسسات الوساطة الاجتماعية (أحزاب، نقابات، مجتمع مدني) لا بد أن ينتفي وفقا لنظريته العجيبة القائلة إن "العالم تغير وإنه لا حاجة الآن لكل الوسائط".

وأشار إلى أن الاتحاد العام حاول أن يقدم مبادرة شراكة لكنه لم ينجح لأنه لم يجد الزخم الذي كان يعول عليه زمن الانتقال الديمقراطي، مضيفا أنه من الواضح أن اللعبة وقواعدها تغيرت.

وسجل البوغانمي، أن الاتحاد العام للشغل فقد تقريبا كل وسائل التأثير لديه بل إنه لا يحظى حتى بدعم عموم الناس في الشارع لأن هناك انقساما كبيرا حول دور النقابة منذ 2011.  

وخلص إلى أن كل هذه العناصر تؤكد أن هناك "صراعا باردا نسبيا" بين رئيس الجمهورية ونظامه والاتحاد العام للشغل، معتبرا أنه يبدو أن الأوراق القوية في هذا الصراع لا تزال حتى الآن في يد النظام.    

وأمام هذا الوضع، تظهر تخوفات الأسر التونسية من أن يُعمق الصراع الأزمة المتفاقمة في البلد ويهدد بعام دراسي صعب آخر، لذا ظهرت دعوات للحكومة بضرورة التوصل لحل توافقي ينهي هذه الأزمة.

الكاتب والباحث السياسي، بلحسن اليحياوي، قال "إننا إزاء أزمة كل الأطراف فيها محقة، فالأطراف النقابية ومن ورائهم المعلمون محقون في مطالبهم سواء كانت مادية أم مطالب أخرى، والكل يعلم طبيعة وصعوبة العمل الآن ضمن مؤسسات التربية والتعليم في تونس".

وفي المقابل، يضيف اليحياوي، في تصريح لقناة "الغذ" الفضائية، أن "الدولة محقة في موقفها، حيث يعلم الكل أن ثمة أزمة حقيقية في صلب ماليتها"، مردفا "وبالتالي يكون من الصعب جدا إيفاء الحكومة الآن بالتزاماتها تجاه الأطراف النقابية".

وفي 7 يوليو 2023، رأى اليحياوي أن "وزير التربية يتخذ موقفه المناسب على تقدير أنه يمثل الدولة والسلطة التونسية، وليس للأمر علاقة بأنه عندما تمكن من السلطة انقلب على أعقابه كما يُقال".

ولفت إلى أنه "من المناسب للدولة التونسية ووزير التربية وهذه الحكومة إيجاد حلول حقيقية مع الطرف النقابي".

ومقابل دعوة اليحياوي، الحكومة إلى إيجاد حلول حقيقية للأزمة، يرى الباحث في العلوم السياسية وتاريخ الاقتصاد أيمن البوغانمي، أن "حل هذه الأزمة غير موجود لأنها أعمق بكثير مما يظهر".

وعد أن أزمة التعليم في تونس أعمق من الصراع حول الأجور وظروف العمل، مضيفا أنه لا يمكن حلها إلا بإعادة النظر في المنظومة التعليمية بشكل براغماتي، واقعي وهادئ وعقلاني.

وتابع أنه لحد الآن لم تُعط تونس نفسها فرصة النقاش الهادئ والعقلاني حول منظومة التعليم، لتبقى هذه المنظومة رهينة صراعات قصيرة ولكنها حامية في حين أن المفروض أنها مسألة طويلة وباردة.

وقال البوغانمي، "نحن في تناقض حتى مع طبيعة المشكل، وهو ما يفسر الاستخدامات السياسية الدائمة لهذا الموضوع سواء في عهد الانتقال الديمقراطي أو الآن". 

وأشار إلى أنه في عهد الانتقال الديمقراطي كانت النقابة تستخدم هذه الورقة ضد الحكومات حينما كانت قوية، لكن السلطة أصبحت الآن هي الطرف القوي.   

وخلص إلى أن الاستخدامات السياسية لا تخدم المنظومة التعليمية، مشددًا على أنه إذا أرادت تونس أن تُحسن المنظومة التعليمية فعليها أن تعطي لنفسها فرصة التعامل معها بهدوء وعلى المدى المتوسط والطويل وليس القصير.