تدريس الإمارات "الهولوكوست".. نتيجة للتطبيع أم اعتراف بـ"المظلومية"؟

قسم الترجمة | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

سلطت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية الضوء على الاهتمام الإماراتي بـ"الهولوكوست" اليهودي، في الوقت الذي تتعرض فيه ذكرى "المحارق اليهودية" للنسيان لدى الأجيال الإسرائيلية الشابة، وفق وصفها.

وحذر المقال الذي كتبه رئيس لجنة الحفاظ على التراث الأميركي في الخارج، بول باكر، من أن الحديث العابر عن الهولوكوست، في الوقت الذي يُتحدث فيه عن عمليات القتل الجماعي الأخرى باستفاضة، سيقلل من أهمية المحرقة في النهاية.

و"الهولوكوست" مصطلح استُخدم لوصف حملات حكومة ألمانيا النازية وبعض حلفائها إبان الحرب العالمية الثانية (1939-1945) بغرض اضطهاد وتصفية اليهود، وتعد إسرائيل التشكيك في وقوع المحرقة أو في عدد ضحاياها نوعا من "معاداة السامية".

"خطر النسيان"

وبعد أكثر من 77 عاما على "وقوع المحرقة"، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة وبالتحديد في 2005، إحياء ذكرى "الهولوكوست" في 27 يناير/كانون الثاني من كل عام.

وذكر المقال الذي نشرته "جيروزاليم بوست" أنه "إذا تجاهلنا المحرقة المتفردة في قسوتها، والفظاعة غير المسبوقة التي كانت عليها، فسوف ننساها".

وأكدت الصحيفة أن خطر نسيان الهولوكوست بات أكبر من أي وقت مضى، مُرجعة ذلك إلى سببين رئيسين.

السبب الأول هو أن عدد الأحياء الناجين من الهولوكوست يتناقص عاما بعد عام، فاليوم، هناك ما يقدر بنحو 400 ألف من الناجين، أما بحلول عام 2030، فسينخفض هذا الرقم بنسبة 75 بالمئة.

وبمجرد رحيل الناجين من الهولوكوست ستضيع قصصهم التي عاشوها بمرور الوقت، ما يعني أن جزءا مهما من هذه الذاكرة سيختفي إلى غير رجعة، يضيف المقال.

ووفقا للأرقام الرسمية الإسرائيلية للعام 2022، فإن هناك نحو 161 ألف ناج من الهولوكوست ما زالوا على قيد الحياة، ويعيشون في "إسرائيل".

أما السبب الثاني – الذي يعد الأخطر - فهو أن هناك حملات نشطة، تهدف لإنكار حدوث الهولوكوست من الأساس أو للتقليل من مكانتها التاريخية.

وخلال السنوات الأخيرة، وجدت هذه "الأكاذيب"– وفق زعم الصحيفة الإسرائيلية- دعما أكبر من أي وقت مضى.

إذ بدأ أناس عاديون (غير مؤدلجين) يتحدثون عن أن غرف الغاز لم تُستخدم أبدا ضد اليهود، وأن الحل النهائي الذي كانت تنوي ألمانيا تنفيذه هو ترحيلهم، وليس قتلهم، وفق الصحيفة.

وأورد المقال أن هذه المزاعم تزداد قوة، في نفس الوقت الذي ينحسر فيه ذكر الهولوكوست.

وأشار إلى أن ذلك هو السبب الذي جعل الأمم المتحدة تطالب الدول الأعضاء، في قرارها الخاص بذكرى المحرقة، برفض "أي إنكار للهولوكوست كحدث تاريخي، سواء كليا أو جزئيا".

وبين المقال أن الاضطرار لإدراج مثل هذه العبارة في وثيقة الأمم المتحدة تؤكد انتشار الكراهية تجاه اليهود، واستفحال المخاطر المتمثلة في تشويه ذكرى الهولوكوست أو إضعافها.

تعليم الهولوكوست

وأشارت الصحيفة العبرسة إلى أن "هذا العام، لدينا على الأقل بعض الأسباب الباعثة على الأمل". 

وأردفت: "فقبل أسابيع قليلة، أعلنت الإمارات أنها ستبدأ تدريس تعليم الهولوكوست لطلاب المدارس الابتدائية والثانوية، ما يجعلها أول دولة عربية تفعل ذلك".

ففي 5 يناير 2023، أعلنت سفارة الإمارات في الولايات المتحدة أنها ستدرج دراسات الهولوكوست في المناهج الدراسية بمدارسها، وترى أن دراستها "ضرورية للبشرية".

وشددت السفارة على تصريح علي النعيمي -أحد الوسطاء الإماراتيين لاتفاقات التطبيع- الذي أوردته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، والذي أكد فيه أن "إحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست أمر بالغ الأهمية".

وادعى المسؤول الإماراتي أن الاعتراف بما أسماه "أهوال الهولوكوست" أمر حيوي في منطقة "يعيش فيها اليهود منذ قرون".

وتابع: "يجب تشجيع الشخصيات العامة على مناقشة الهولوكوست وحماية القيم الإنسانية المشتركة مع ترك الخلافات السياسية جانبا".

وأشار النعيمي إلى أن الإمارات شكّلت لجنة قررت إدراج تاريخ الهولوكوست في المناهج الدراسية خلال العام الدراسي (خريف 2021).

وأضاف أن "الإمارات خططت لعقد مؤتمرات تمنح الناجين من المحرقة مجالا لكي يشاركوا تجاربهم مع العرب".

وأردف أنه في أعقاب اتفاقات التطبيع انخرط الشباب الإماراتي مع الإسرائيليين في مبادرتهم الخاصة باستخدامهم منصات التواصل الاجتماعي.

وبين أن هذه التفاعلات تخطت نطاق العلاقات عبر الإنترنت لتتجسد في الواقع المُعاش، مما دفع الزوار الإسرائيليين إلى القدوم إلى الإمارات.

ويرى كثيرون أن المشروع هو نتيجة لاتفاقيات أبراهام التي وقعتها عدة دول قبل عامين لتطبيع العلاقات مع إسرائيل ولاقت رفضا شعبيا عربيا واسعا.

ولم تكن الإمارات الدولة الوحيدة التي طبعت مع كيان الاحتلال، بل كان معها كذلك دول مثل البحرين والمغرب والسودان، ومن قبلهم مصر والأردن.

سابقة تاريخية

وفي عملية صياغة المنهج الجديد، تشاورت وزارة التعليم الإماراتية مع معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي (IMPACT-se)، ومركز ياد فاشيم الإسرائيلي لإحياء ذكرى الهولوكوست والتعليم.

وفي معرض تفاعله مع الأمر، قال حساب "إسرائيل بالعربية"، التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية: "يعد هذا القرار سابقة تاريخية، إذ إنها أول دولة عربية تقوم بهذه الخطوة ويقف قرارها بوجه منكري وقوع الهولوكوست".

وبدوره، قال أليكس بيترفروند زعيم الجالية اليهودية الذي يعيش في الإمارات العربية المتحدة منذ 2014، إنه "فخور" بالتغيير المخطط له مِن قِبل الحكومة الإماراتية.

وفي عام 2021، افتُتح أول معرض لإحياء ذكرى الهولوكوست بالمنطقة في دبي، بعد أشهر معدودة من اتفاقات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، بوساطة أميركية، أواخر 2020.

وذكرت جيروزاليم بوست أن "جهود الإمارات في هذا السياق تستحق الإشادة والدعم من كل دول العالم".

"فللمرة الأولى في دولة عربية، سيتعرف الشباب على ما حدث في المحرقة، وسيعرفون تاريخا أخفي عنهم لأجيال، وهذه بذور جديدة للذاكرة التاريخية، تستحق الرعاية والتكريم"، حسب الصحيفة.

وبينت الصحيفة أن تصرفات الإمارات بمثابة تحد مهم للعالم أجمع، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي يجهل نصف سكانها الهولوكوست.

ففي استطلاع رأي أجراه مركز "بيو" الأميركي للأبحاث، فإن أكثر من نصف الأميركيين لا يعرفون عدد اليهود الذين قتلوا في الهولوكوست.

وأضاف المقال أن "الأكثر رعبا من ذلك كله أنه في أول مسح شمل 50 دولة بين جيل الألفية، اتضح أن 20 بالمئة من عينة الشباب المستهدفة يعتقدون أن اليهود هم من تسببوا في الهولوكوست".

وخاطبت الصحيفة اليهود قائلة: "الواجب علينا فعله حيال هذا الجهل المخزي بالتاريخ هو أن نعيد تكريس أنفسنا للعمل التثقيفي بشأن الهولوكوست، على المستويين المؤسسي والفردي".

وحثت اليهود للعمل على استدراك الخطر الذي يهدد الهولوكوست، قائلة: "يجب ألا تنتظر ليبدأ هذا الجهد من أعلى هرم السلطة، بل اذهب اليوم إلى شخص ما على مائدة العشاء واسأله عما إذا كان يعرف اسم أحد معسكرات الاعتقال النازية".

وختمت بالقول: "إذا لم يتمكن من الإجابة عن هذا السؤال، فأخبره بقصة الهولوكوست بأفضل طريقة ممكنة وبطريقة مناسبة له، واستخدم أسماء المعسكرات، واشرح له الطموحات النازية البغيضة لإبادة شعب بأكمله"، حسب زعم الصحيفة.