"على مشارف الانهيار".. متى ينتهي الصراع في إقليم تيغراي الإثيوبي؟
.jpg)
مع تصاعد الصراع الإثيوبي بين قوات حكومة أديس أبابا ومتمردي جبهة "تحرير شعب تيغراي"، تتعقد الأوضاع الإنسانية في الإقليم الذي تقول عنه الأمم المتحدة إنه "على مشارف الانهيار".
فمنذ إعلان الحكومة الإثيوبية في 28 يونيو/حزيران 2021 وقف إطلاق النار من طرف واحد واستجابتها للمطالب الدولية بوقف هجومها المستمر منذ 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 على الإقليم، لم توقف القوات المتمردة هجماتها ضد القوات الحكومية.
وفي اليوم التالي لوقف إطلاق النار واصلت القوات المتمردة هجماتها معلنة استعادة السيطرة على عاصمة الإقليم ميكيلي، وشنت بعدها بأسبوعين هجوما جديدا قائلة إنها باتت تسيطر على مدينة ألاماتا كبرى مدن المنطقة.
عنف وقتل
ومع تواصل الهجمات من القوات المتمردة، أعلنت أديس أبابا في 11 أغسطس/آب 2021 على لسان رئيس وزرائها آبي أحمد إلغاء قرار وقف إطلاق النار من جانبها في إقليم تيغراي، والدعوة إلى نفير عام واسع النطاق للتصدي لما وصفه رئيس الوزراء بـ"إرهاب الجبهة".
وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول 2021، قالت "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" التي كانت تحكم البلاد لمدة 30 عاما حتى 2018، إنها تواجه هجوما بريا على الإقليم تشنه القوات الحكومية.
وأوضح المتحدث باسم الجبهة، جيتاتشو ريدا، في بيان، أن الهجوم الذي تشنه القوات الحكومية تسانده فيه قوات خاصة من إقليم أمهرة الواقع في شمال البلاد، وتستخدم فيه المدافع الثقيلة والطائرات المقاتلة والمسيرة والدبابات والصواريخ.
وفي حين لم تنف المتحدثة باسم رئيس الوزراء، بيلين سيوم، قيام القوات الحكومية بالهجوم، أكدت أنها ستستمر في مواجهة "عمليات التدمير والعنف والقتل" التي تمارسها "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في أمهرة ومناطق أخرى.
ومما يزيد الأمور تعقيدا، إعلان الأمم المتحدة في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2021 تعليق رحلاتها الجوية إلى تيغراي لمدة أسبوعين، بسبب القتال والغارات الجوية التي تنفذها الحكومة على الإقليم.
وأفادت مصادر طبية وإغاثية بأن القرار جاء في أعقاب غارات نفذها الجيش الإثيوبي في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2021 على ميكيلي، بالتزامن مع رحلة جوية أممية.
#إثيوبيا:
— أخبار الأمم المتحدة (@UNNewsArabic) October 23, 2021
عقب اضطرار طائرة إنسانية العودة أدراجها بسبب الضربات الجوية في #ميكيلي، @UNReliefChief
⏪يدعو الأطراف لتوخي الحرص وتجنيب المدنيين وموظفي الإغاثة الأذى
⏪ويؤكد أن الأمم المتحدة لم تتلق أي تحذير مسبق بالهجمات على ميكيلي!@UNOCHA_ar
-للتفاصيل��https://t.co/85U9os6bov
وفي وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول 2021، أكدت الأمم المتحدة أن القتال الأخير في الإقليم "أدى إلى مجاعة باتت تؤثر على أكثر من 400 ألف شخص".
كما حذر أعضاء مجلس الأمن في 20 أغسطس/آب 2021 من أن "ما يصل إلى 33 ألف طفل في تيغراي يعانون من سوء حاد في التغذية، وسط مخاوف من تصاعد عدد الأشخاص الذين باتوا على شفا المجاعة إلى 1.8 مليون شخص؛ نتيجة استمرار الصراع".
أزمة متدهورة
وقال الباحث البريطاني في القضايا الإنسانية والخبير في القرن الإفريقي، أليكس دي وول، إن "البيانات والخرائط التي قدمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوشا)، تظهر أزمة إنسانية متدهورة بشكل مطرد".
وأضاف دي وول، في مقال نشره موقع "بي بي سي" البريطاني في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2021: "بلغت ذروة هذه الأزمة في تقدير وجود 400 ألف شخص في المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي للأمن الغذائي -وهي تعني كارثة المجاعة- وهناك أكثر من 20 بالمئة من الأطفال النازحين يعانون من سوء التغذية الحاد في أغسطس/آب".
وأشار دي وول إلى "دراسة استقصائية حديثة نشرتها الأمم المتحدة في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2021 تقول إن 79 بالمئة من الأمهات الحوامل والمرضعات كن في حالة تشبه ظروف المجاعة، وهي حالة نادرا ما يتم ملاحظتها في العصر الحديث، وأنه يمكن مقارنتها بمجاعة 2011 الصومالية التي أودت بحياة أكثر من 250 ألف شخص".
واعتبر أن "السيناريو الأسوأ قد تحقق في تيغراي، حيث تصاعدت الحرب ولم يعد هناك سوى القليل من المساعدات الإنسانية التي تقدر بأقل من 10 بالمئة من الاحتياجات، إلى جانب إغلاق شبه كامل للاقتصاد مع إغلاق البنوك وحظر الإمدادات الأساسية".
كما تكررت خلال الشهور الأخيرة، تحذيرات العديد من منظمات الإغاثة الدولية العاملة في إثيوبيا، من مجاعة تهدد الملايين في الإقليم؛ بسبب قرب نفاد الإمدادات الغذائية.

مديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، سامانثا باور، أشارت إلى وصول 7 بالمئة فقط من المساعدات الغذائية المطلوبة إلى إقليم تيغراي الذي يبلغ عدد سكانه نحو 6 ملايين نسمة.
وقالت باور عبر بيان في 19 أغسطس/آب 2021 إن "الوكالة الأميركية وغيرها من منظمات المساعدة قد استنفدت مخزون المواد الغذائية لديها في تيغراي بعد تسعة أشهر من الحرب".
واتهمت باور الحكومة الإثيوبية بـ"عرقلة المساعدات الإنسانية والعاملين في المجال، بما في ذلك تعطيل القوافل البرية والنقل الجوي".
وحذرت الوكالة مما وصفته بـ"أسوأ أزمة جوع في العالم منذ عقود"، حيث يواجه قرابة 900 ألف شخص في تيغراي "هذه الظروف المأساوية".
دعوات تهدئة
مع تصاعد الأزمة الإنسانية، تزايدت المطالبات الدولية بإنهاء الصراع في تيغراي والضغط على الحكومة الإثيوبية والقوات المتمردة من أجل الانخراط في عملية تفاوضية تنهي هذا الصراع.
ووسط هذه الضغوط، هددت واشنطن عبر وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض بفرض عقوبات على الأطراف المتصارعة، وهو ما اعتبره البعض أن الولايات المتحدة "تساوي بين المعتدي والمعتدى عليه".
وفي 30 سبتمبر/أيلول 2021، قالت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض جين ساكي إن "واشنطن لن تتردد في فرض عقوبات على أطراف الصراع في حال عرقلوا وصول المساعدات الإنسانية أو ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان أو أطالوا الصراع".
وأضافت ساكي "يجب أن نرى خطوات ذات مغزى في غضون أسابيع، لبدء النقاش من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار عن طريق التفاوض، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق"
الكاتب الصحفي الأوغندي المتخصص في الشأن الإفريقي، كونغو آدم، اعتبر أن الولايات المتحدة "لم تقدر الجهود التي تبذلها الحكومة الإثيوبية لحل الوضع في تيغراي بعد إدانتها الفظائع التي ارتكبتها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي".
وقال آدم في مقال بمدونته الخاصة على الإنترنت في 19 سبتمبر/أيلول 2021، إن ذلك كان واضحا في التهديدات الأميركية الأخيرة بفرض عقوبات وهو ما أثار الشكوك حول دوافعها في الأمور المتعلقة بإثيوبيا".
وأوضح أن التهديدات التي ساقتها الخارجية الأميركية "لم تكن موجهة ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإنما ضد الحكومة الإثيوبية".
وقال آدم: "إذا كان هناك أي حكومة غربية تسعى إلى تعزيز السلام في شمال إثيوبيا، فعليها إعادة تنظيم سياستها الخارجية لتلائم هذا الواقع، وإلا فإن ذلك لا يمثل انتهاكا للسيادة الإثيوبية فحسب، بل يبدأ في الظهور على أنه طفرة أخرى في الاستعمار الجديد".
فيما رجح أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة "فريجي أمستردام"، محمد جرمه، ألا تسفر العقوبات الغربية عن "نتيجة إيجابية في استعادة السلام".
وتوقع عبر مقال نشره بمجلة "ذي كونفيرسيشن" الجنوب إفريقية في 23 سبتمبر /أيلول 2021 أن "يتم استخدام هذه العقوبات من كلا الجانبين لحشد قاعدة دعم لهما".
كما قلل جرمه من قيمة تلك العقوبات، قائلا "حتى لو تمكنت الولايات المتحدة من تأمين وقف لإطلاق النار من خلالها فإنه يكاد يكون محكوما عليه بالفشل، لأنه لا يمكن أن يولد الاقتناع والثقة بين الأطراف المتحاربة".

الطريق للسلام
ويواجه آبي أحمد بداية مثيرة لفترة رئاسته الثانية للحكومة التي بدأت بأدائه اليمين الدستورية في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
أهم هذه الملفات التي تواجه رئيس الوزراء، الصراع المستمر في إقليم تيغراي وما يثيره من مخاوف بشأن مستقبل ووحدة الدولة واستقرارها.
أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة فريجي أمستردام، محمد جرمه، يرى أن "هذه الحرب كانت مليئة بالحسابات الخاطئة والأخطاء الإستراتيجية منذ بدايتها".
واعتبر جرمه أن جبهة التحرير "ارتكبت خطأ فادحا باعتقادها أنها ستكسب اليد العليا على الجيش الإثيوبي من خلال الهجوم الذي شنته قبل عام على القيادة الشمالية، الفرع الأكثر تجهيزا في الجيش الوطني، ما أدى إلى استفزاز وإدانة وطنية ورد فعل أقوى من الحكومة".
واعتبر أيضا أن الحكومة الفيدرالية "ارتكبت هي الأخرى خطأ آخر من خلال سوء التقدير، واعتقادها بأن الهجوم المضاد سيكون وجيزا وباستهانة آبي أحمد بقوة خصمه والطبيعة غير المتوقعة للحرب".
وأشار إلى أن "أخطاء الجانبين أدت إلى نتائج مأساوية، وأن الناس البسطاء هم من يدفعون الثمن الباهظ ويواجهون الإعدام غير القانوني والاغتصاب والتهجير والمستقبل الغامض".
وفي تعليقه على إعلان الحكومة وقف إطلاق النار من جانب واحد وسحب قواتها من العاصمة الإقليمية واستغلال قوات الجبهة الفرصة لتوسيع الصراع ليشمل منطقتي عفار وأمهرة -وهما منطقتان تشتركان في الحدود مع تيغراي-، اعتبر جرمه أن "هذا يدل على أن هدف الجبهة هو خنق الاقتصاد، وأن هدفها النهائي هو تغيير النظام في أديس أبابا".
وأضاف: "من ناحية أخرى، موقف الحكومة المركزية هو هزيمة الجبهة إلى الأبد، ومن الناحية العملية، هذا أمر معقد للغاية لأن العدو هو كيان متأصل، داخل شعب تيغراي وله حاضنة شعبية، وهو ما يعني أن الحكومة ستكون في مواجهة شعب التيغراي".
ويرى جرمه أن إطالة أمد الحرب "يزيد الخسائر البشرية والعبء الاقتصادي"، مشددا على وجوب أن تحتوي جهود السلام على شقين، الأول على المستوى السياسي، بأن تلعب كل من جنوب إفريقيا ورواندا وغانا دورا في ضمان وقف إطلاق النار، والانخراط في حوارات تفضي إلى تهدئة الأوضاع في تيغراي.
وأوضح أن هذه الدول "من المرجح أن تلعب دور الوسيط الذي لا يتضمن إدخال مصالحهم السياسية الخاصة، ولديهم فهم أفضل للفروق الثقافية والسياسية للصراع مقارنة بنظرائهم الغربيين".
الثاني، حسب جرمة، على المستوى الشعبي، وفيه طالب بدور للزعماء الشعبيين والدينيين والمنظمات المدنية وتمكينهم من العمل على تحسين العلاقات بين الناس، وألا يقتصر ذلك على مناطق تيغراي وعفار وأمهرة.
المصادر
- Following the Tigray conflict, the rocky road to peace in Ethiopia
- Tigray war antagonists are reluctant to talk peace: why and what’s next
- إثيوبيا.. المجاعة تهدد الملايين في إقليم تيغراي
- الصراع في تيغراي: الأمم المتحدة تحذّر من مجاعة تطال 400 ألف إنسان
- Viewpoint: Why Ethiopia's Tigray region is starving, but no famine declared
- إثيوبيا: جبهة تحرير تيغراي تعلن سيطرتها على عاصمة الإقليم وطرد القوات الحكومية
- إثيوبيا: قوات تيغراي تشن هجوما جديدا وتسيطر على كبرى مدن المنطقة
- جبهة تحرير تيغراي تعلن شن الجيش الإثيوبي هجوما بريا ضدها
- Tigray Conflict: Has Biden Fallen Victim to TPLF Propaganda or is Laying Ground for Violation of Ethiopia’s Sovereignty?
- إثيوبيا: غريفيث يدعو الأطراف لتوخي الحرص وتجنيب المدنيين وموظفي الإغاثة الأذى

















