تأسيس ثالث أم جماهيرية شعبية.. إلى أين يقود قيس سعيد تونس بعد الانقلاب؟
.jpg)
بعد استيلاء الرئيس التونسي قيس سعيد على السلطة في 25 يوليو/تموز 2021، وجمعه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تحت يده، بتعطيل عمل البرلمان، وتجاوز العمل بدستور 2014، بدأ الحديث عن نهاية "الجمهورية الثانية" والاستعداد لتأسيس "جمهورية ثالثة" بنظام سياسي جديد.
هذا النظام الذي يبشر به المحيطون بالرئيس التونسي ليس له أي معالم، سوى تلك التي تحدث عنها قيس سعيد في حملته قبيل انتخابات 2019، وهو النظام الذي يوصف لدى معارضيه بـ"الجماهيرية الشعبية"، تشبيها بنظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
معارضة متأخرة
في عهد الاستبداد (1987-2011)، لم يذكر عن سعيد مشاركته في أي نشاط سياسي، حيث كان يكتفي الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بتقديم محاضراته العلمية في القانون الدستوري، إلا أن ثورة الشعب في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، حررت سعيدا وغيره من الأكاديميين من مربع الخوف الذي كان يطبقه النظام.
تحول سعيد بعدها إلى واحد من نجوم نشرات الأخبار، يؤخذ برأيه ويحلل ويناقش في كل المراحل التي شهدتها البلاد بعد فرار الرئيس الراحل زين العابدين بن علي عام 2011.
حينها بدأ سعيد وعدد من الشخصيات التي تقاطع معها بالإعلان عن معارضته للمسار الذي اختاره أغلب التونسيين عبر أحزابهم ومنظماتهم الممثلة في "هيئة الإصلاح السياسي وحماية الثورة" برئاسة أستاذ القانون الدستوري عياض بن عاشور.
هذا المسار تمثل في تنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، المكلف بصياغة دستور جديد للبلاد وإدارة المرحلة الانتقالية إلى حين إرساء نظام سياسي جديد يقطع مع سلطة الفرد الواحد والحزب الواحد، ويحمي مكتسبات الثورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
نظرية ثالثة
لم تكن تفصل البلاد حينها عن موعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سوى أيام، ألقى أستاذ القانون الدستوري سعيد كلمة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2011 ضمن فعاليات حملة لمقاطعة الانتخابات.
تلك الانتخابات اعتبرها في مداخلته التفافا على الثورة و”سطوا على الإرادة الشعبية” نفذته الأحزاب السياسية بعد تجاهلها المطالب التي تم تقديمها إلى الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي بخصوص تنظيم استفتاء شعبي حول آلية الاقتراع.
سعيد كان يقود في تلك الفترة حملة تطالب بانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي على الأفراد وليس على القائمات كما وقع في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011.
هذا الخطاب الذي دام 16 دقيقة، تضمن في جزء منه ملامح المشروع السياسي لسعيد القائم على إنشاء مجالس محلية في المعتمديات (المناطق) ومن ثم تصعيد الأعضاء المنتخبين إلى المجالس الجهوية وأخيرا إلى البرلمان.
ضاع صوت سعيد وسط ضجيج الانتخابات وتلاشى مشروعه وسط صراعات الاستقطاب الثنائي بين الإسلاميين والعلمانيين وبين مناصري الثورة والثورة المضادة طيلة السنوات الثلاث اللاحقة، ليخرج مرة أخرى قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 2014، ويكون وفيا لموقفه الأول حول إفلاس منظومة الأحزاب وعقم آلية الاقتراع الراهنة.
ودعا سعيد الناخبين مرة أخرى إلى المقاطعة واستكمال المسار الثوري خارج المنظومة السياسية القائمة وآلياتها.

"من تحزب خان"
بقي الرئيس التونسي الحالي محتفظا بموقف رافض لكل أشكال التنظيم الحزبي، بلغ به في بعض الأحيان تخوين قادتها، وتحميلهم مسؤولية كل الأزمات التي تعيشها البلاد.
ففي واحد من حواراته الصحفية القليلة، مع صحيفة "الشارع المغاربي" في 12 يونيو/حزيران 2019 ، وخلال إجابته عن سؤال حول مستقبل الأحزاب في تونس، قال سعيد: "الأحزاب ماذا تعني؟ جاءت في وقت معين من تاريخ البشرية… بلغت أوجها في القرنين 19 و20 ثم صارت بعد الثورة التي وصلت على مستوى وسائل التواصل والتكنولوجيات الحديثة أحزابا على هامش الدنيا في حالة احتضار، ربما يطول الاحتضار، لكن بالتأكيد بعد سنوات قليلة سينتهي دورها".
وأضاف "سأتعامل معها بمقتضى القانون، لو كانت الأحزاب قادرة حقيقة وفاعلة لقادت هي الانفجار الثوري الذي عاشته تونس ودول أخرى كفرنسا وبلجيكا وهولندا ولكانت هي التي قادت الحراك الشعبي، نحن دخلنا مرحلة جديدة من التاريخ".
هذا الموقف السلبي من الأحزاب يعتمد عليه معارضو سعيد بمقارنة رؤيته وأفكاره بأفكار الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي التي دونها في "الكتاب الأخضر" والذي كان عبارة على دستور للجماهيرية الليبية منذ العام 1976.
وورد في الفصل الأول من الكتاب الأخضر: "الحزب هو الدكتاتورية العصرية.. هو أداة الحكم الديكتاتورية الحديثة.. إذ إن الحزب هو حكم جزء للكل.. وهو آخر الأدوات الدكتاتورية حتى الآن, وبما أن الحزب ليس فردا، فهو يضفي ديمقراطية مظهرية بما يقيمه من مجالس ولجان ودعاية بواسطة أعضائه. فالحزب ليس أداة ديمقراطية على الإطلاق، لأنه يتكون إما من ذوي المصالح الواحدة، أو الرؤية الواحدة، أو الثقافة الواحدة، أو المكان الواحد، أو العقيدة الواحدة. ".
لجان شعبية
موقف سعيد من الأحزاب لا يقل سوءا من موقفه من البرلمانات ومن النظام السياسي الذي اختاره المجلس الوطني التأسيسي بتقسيم صلاحيات السلطة التنفيذية بين رئيسي الجمهورية والحكومة تفاديا لأي شكل من أشكال العودة إلى الاستبداد وحكم الفرد، أو استحواذ أي طرف سياسي على كل مقاليد السلطة.
هذا الموقف يشترك فيه الرئيس التونسي مع نظريات الكتاب الأخضر، حيث ينص في فصله الأول كما دونه معمر القذافي أن " المجلس النيابي تمثيل خادع للشعب ، والنظم النيابية حل تلفيقي لمشكل الديمقراطية. المجلس النيابي يقوم أساسا نيابة عن الشعب ، وهذا الأساس ذاته غير ديمقراطي؛ لأن الديمقراطية تعني سلطة الشعب لا سلطة نائبه عنه" .
قيس سعيد نفسه يرى أن البرلمان التونسي خطر جاثم وداهم على الدولة التونسية، وهي مصطلحات أصبحت دارجة في خطاباته منذ يوم 25 يوليو/تموز 2021 ، وقبلها اعتاد الرئيس التونسي في أكثر من مناسبة على مهاجمة البرلمان والبرلمانيين، بتأكيده على أن الشعب قادر على سحب الوكالة "ممن خان الأمانة والوكالة".
وفي رؤيته للنظام الجديد الذي يبشر به، يرى الرئيس التونسي أن انتخابات واحدة فقط تقام في البلاد، يختار فيها المواطنون ممثلا عنهم في عمادتهم (محلية) يتم تجميعهم في مجالس يشبهها معارضوه بالمؤتمرات الشعبية أو اللجان الشعبية، تمارس "سلطة الشعب" بشكل مباشر .
في 4 مارس/آذار 2020، خاطب الرئيس التونسي عددا من الشباب المتجمهر في مدينة بنقردان الحدودية مع ليبيا، من الذين رفعوا لافتات وشعارات تطالب بالتشغيل والتنمية في منطقتهم المهمشة منذ عقود والتي شهدت انتفاضة شعبية عارمة في العام 2010.
حيث أكد سعيد على وجوب أن يستعيد الشعب السلطة بحيث يكون حل المشاكل نابعا منه، وطالب الشباب من العاطلين عن العمل وغيرهم في مختلف معتمديات بن قردان ببلورة مطالب وتقديم مشاريع نابعة من المحلي حتى تكون التشريعات فيما بعد ملائمة لمطالبهم وتستجيب لانتظاراتهم بدل انتظار مشاريع مسقطة من المركز.
واعتبر أن القضايا والإشكاليات المطروحة لا تحل على مستوى الفرد أو الجهة أو في قطاع دون غيره، بل لا بد أن تحل على المستوى الوطني و بآليات جديدة.

تطبيق صعب
قيس سعيد يرفض النظام البرلماني المعدل، وبكل بساطة كل ما نتج عن المجلس الوطني التأسيسي، ويفضل عليه النظام الرئاسي الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة وشبه مطلقة، في شكل مشابه لما عليه البلاد اليوم بعد إقرار الإجراءات الاستثنائية وحيازته على صلاحيات رئيس الحكومة.
الرئيس التونسي لا يخفي حنينه إلى دستور الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي تم سنه في العام 1959 وأسقطته صورة الشعب التونسي عام 2011، وهو ما كشف عنه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي في حوار تلفزي يوم 20 يونيو/حزيران المنقضي.

وفي الأيام الأخيرة جاهر سعيد بأن دستور 2014 يعج بالأقفال، ووصفه بـ"غير المناسب" و"غير الملائم"، معتبرا أن الوقت حان للتفكير بدستور جديد، أو بمعنى آخر: "بجمهورية ثالثة"، ترد الاعتبار لنظام متمحور حول مؤسسة الرئاسة، كما كان الحال في الأولى، أي زمن بورقيبة وبن علي.
هذا المقترح بدأ يروج من قبل المساندين لرئيس الجمهورية الذين دعوه في أكثر من مناسبة إلى تعطيل العمل بالدستور والانطلاق في إعداد دستور جديد يتم عرضه على استفتاء شعبي في أقرب وقت ممكن.
في المقابل، يرى الباحث والمحلل السياسي التونسي سمير حمدي أن "نظام المجالس الذي يبشر به سعيد منذ سنوات لا يمكن أن يتحقق، لا في تونس ولا في غيرها، وحتى ولو اعتبرنا أن تشبيهه بنظام القذافي من باب السخرية الذي قد يعود إلى التشابه الكامن بينه وبين فكرة التمثيل المباشر للشعب في مؤتمرات شعبية محلية نص عليها الكتاب الأخضر الذي سنه القذافي".
وأكد حمدي في حديث مع "الاستقلال" أنه "من الصعب تمرير نظام كهذا في تونس، فهو يحتاج درجة عالية من الدربة (الحنكة) السياسية للجمهور، ويكفي أن نعلم أن سويسرا ذات النظام الذي يتبنى الحكم المحلي المباشر بدأ تجربته من القرن 18 وهو مستمر إلى الآن في حالة فريدة في العالم".
وأكد المحلل السياسي أن "في تونس مازال الجمهور لم يتخلص من ذهنية الحكم المطلق الذي عاشته البلاد منذ قرون في فترة النظام الملكي قبل الاستقلال أو النظام الجمهوري الاستبدادي في مرحلة بورقيبة ثم بعد 1987 في فترة حكم الرئيس الراحل بن علي، كما أن التجربة الديمقراطية تعثرت وأفرزت حكومات لم تنجح في تلبية تطلعات الشعب".
من جهة أخرى، يقف الجميع من مؤيدي ومعارضي سعيد أمام حالة الغموض التي يتحرك فيها دون توقع أي من نواياه أو حتى التنبؤ بطريقة تفكيره، في ظل حالة من العزلة برفضه لقاء جميع أطياف الطبقة السياسية ومنظمات المجتمع المدني، واكتفائه بإلقاء خطب طويلة شبيهة بالمحاضرات الأكاديمية أمام كل من يلتقيه دون أن يستمع لأحد.
المصادر
- آن الأوان لمراجعة الشرعية.. هل يمهد قيس سعيد لتغيير نظام الحكم في تونس؟
- تزامنا مع دعوات للفوضى.. لماذا أثار رئيس تونس غضب البرلمان؟
- سعيّد ينتقد "البرلمان المجمد".. ويؤكد "خطورته على الدولة"
- “الشارع المغاربي” تنشر حوار قيس سعيد كاملا
- موقع ألماني: قيس سعيّد ينوي تغيير نظام الحكم و أفكاره تشبه نظام "اللجان الشعبية" للراحل معمر القذافي!


















