أصدر أحكاما ولم ينفذها.. لماذا يمتنع المغرب عن تطبيق عقوبة الإعدام؟

سلمان الراشدي | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

تتصاعد المطالب بإلحاح شديد في المغرب هذه الأيام، لتفعيل وتنفيذ عقوبة الإعدام، بعد "فاجعة" اغتصاب وقتل طفل، أضحت قضية رأي عام، وسط معارضة شديدة من هيئات حقوقية مناهضة لتلك العقوبة.

وهزت قضية الطفل المغربي عدنان بوشوف (11 عاما) مواقع التواصل في المغرب عقب العثور في 12 سبتمبر/أيلول، على جثته مقتولا بعد تعرضه لاعتداء جنسي، حيث كان قد اختفى قبلها بأيام بالقرب من منزل عائلته في مدينة طنجة شمالي البلاد.

ورغم المطالب الشعبية بتنفيذ حكم الإعدام الصادر من القضاء بحق مدانين بـ"جرائم قتل" تفاعل معها الرأي العام، بينها أيضا قضية قاتلي "سائحتين إسكندنافيتين"، و"سفاح تارودانت"(قاتل 9 أطفال)، إلا أن المغرب لا يطبق العقوبة منذ 27 عاما.

ويقبع المدانون بالإعدام (أكثر من 100 شخص) في أجنحة خاصة مدى الحياة -ما لم يصدر بحقهم عفو ملكي أو تخفيف للعقوبة-، يعيشون تحت ذنب ما اقترفت أيديهم.

مع وقف التنفيذ

منذ سنوات، يشهد المغرب سجالا بين المنظمات الحقوقية والحكومة حول مسألة عقوبة الإعدام، حيث تترافع عشرات الجمعيات والهيئات الحقوقية المناهضة لها، عبر مؤتمرات وندوات ولقاءات؛ للضغط على الرباط لإلغاء هذه العقوبة بشكل تام من القانون الجنائي، متفائلين بأن الإعدام "يُحكم به ولا ينفذ" في المملكة.

وينطلق الحقوقيون في دفاعهم المستميت عن إلغاء الإعدام إلى المادة 20 من الدستور المغربي بأن "الحق في الحياة هو أسمى حقوق الإنسان"، فيما كشفت المندوبة السامية للتخطيط (رسمية) في بحث أن نصف المغاربة مع إبقاء العقوبة فيما النصف الآخر ضدها، ما دفع الدولة لمسك العصا من الوسط عبر "الحكم دون التنفيذ".

في المقابل، يتحدث "منتدى الكرامة وحقوق الإنسان" ( غير حكومي)، عن مقاربة خاصة، مفادها الدعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم ذات الطابع السياسي والتقليص منها إلى أقصى حد لتبقى فقط في "الجرائم الخطيرة جدا"، مع شروط قانونية دقيقة، من قبيل إجماع الهيئة القضائية في كل مراحل التقاضي قبل إصدار الحكم، ثم عدم التنفيذ إلا بعد اجتياز جميع وسائل الطعن، ومرور وقت كاف على صيرورة الحكم.

ينص القانون الجنائي المغربي الحالي على أن عقوبة الإعدام تطال مرتكبي جرائم تصل لـ31 جريمة، منها ما يرتبط بالاعتداء على حياة الأسرة المالكة، وأمن الدولة وسلامتها، الإرهاب، والقتل العمد والتسميم.

ومنذ أكثر من 4 سنوات، لا يزال مشروع القانون الجنائي الذي يتضمن فصولا أقل تعاقب بالإعدام، لدى البرلمان قيد النقاش المتقطع بين الكتل.

وتم تقليص الجرائم التي يحكم فيها بالإعدام من 31 إلى 8، مع إضافة 3 جرائم، هي "الإبادة الجماعية" و"جرائم ضد الإنسانية" و"جرائم الحرب"، ليصبح مجموع الجرائم التي يحكم فيها بالإعدام 11، في انتظار التصويت عليها.

ومع تزايد حالات اغتصاب الأطفال والقتل، ينادي الكثيرون بتطبيق الإعدام بدل الحكم به وذلك من أجل "ردع الجناة"، فهل سيخضع المغرب لتطبيقه "استثناء" خاصة مع تعزية ملك البلاد محمد السادس لأسرة الضحية عدنان؟

في هذا السياق، يقول الحقوقي والمحامي عبد المالك زعزاع: "نرى الإبقاء على عقوبة الإعدام وخاصة في نوازل ينص القانون الجنائي عليها، خاصة ما يتعلق بالجرائم الخطيرة التي تمس بالنظام العام والأرواح، مثل ما جرى مع الطفل عدنان".

وقال لـ"الاستقلال": "هناك فصول في القانون الجنائي تنص على الإعدام وبارتكاب القتل، فالنص هنا صريح بوجوب تطبيقه".

ويوضح أنه "من هذا المنظور يمكن القول إنه يجب المناداة بإلغاء الإعدام في بعض الجرائم، مع مراعاة شعور المجتمع بأن القاعدة القانونية وضعت لتنظيم المجتمع، وبالتالي لا يمكن القول بالإلغاء من أجل الإلغاء فقط، لكن على المشرع أن يتدخل لإلغائها في بعض الجرائم والتخفيف منها في جرائم أخرى باستبدالها بعقوبات حبسية".

ويؤكد زعزاع أن "هناك جرائم خطيرة مثل الاغتصاب المصاحب للقتل والتمثيل بجثة المغتصب أو الجرائم التي تتقزز منها النفوس ويلفظها المجتمع، وتنم عن وحشية وسادية خطيرة مثل واقعة عدنان، حيث لم يكتف الجاني باستدراجه أو اختطافه، بل قام بجرائم أخرى".

وتابع: "وبالتالي لا يمكن الدوس على كرامة عائلة الضحية والمجتمع، بتصريحات فيها مزايدات معينة تستجيب لنداءات خارج المغرب أكثر منها داخله".

وبشأن توقيع الرباط على "بروتوكولات وملحقات" تتعلق بضرورة إلغاء العقوبة، قال زعزاع: "أي توقيع على مواثيق دولية، يحتاج بعده لمناقشة في البرلمان وإصدار قوانين وطنية تستجيب لهذه المواثيق، نحن لسنا ضدها بل معها، لكن مع مراعاة الهوية الحضارية وخصوصية الشعوب التي هي أصلا من حقوق الإنسان، ومنصوص عليها في مواثيق كثيرة".

وأضاف: "المواثيق الدولية تتحدث عن خصوصيات الشعوب، ونحن دولة تقع في الجنوب، لنا خصوصية ثقافية وهوية حضارية تاريخية، لها دين إسلامي ولغة عربية، ومجموعة من الأعراف والتقاليد، لا يمكن المجازفة بهذا التاريخ والحضارة".

 لمن القرار؟

الباحث والمفكر إدريس الكنبوري اعتبر أن "الذين يطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام يرفضون الاعتراف بالكرامة الإنسانية، ويمارسون جريمة إنسانية وأخلاقية بأوسع معاني الكلمة، جريمة أدبية مقابل الجريمة المادية للقاتل الفعلي".

وقال في تدوينة عبر صفحته الشخصية في فيسبوك: إن "الرافضين للإعدام هم شركاء للمجرم ضد ذوي القتيل، إن المجني عليه عندما يتوجه ناحية العدالة فهذا لأنه ينتظر رد الاعتبار، لكن ماذا عن هذا المجني عليه عندما يذهب إلى العدالة وهو يعرف مسبقا أن الإعدام غير موجود في قائمة العقوبات؟".

وتساءل الكنبوري: "ما الداعي إلى التوجه للعدالة؟ ما فائدة السجن سواء كان عشر سنوات أو عشرين أو مائة إذا كان القتيل يتمتع بحياة انتزعها بالعنف من شخص آخر؟ وهل من المعقول أن يجد القاتل الحماية من القانون الذي يعفيه من الإعدام، ويجد القتيل نفسه دون من يطالب بدمه؟ أي عدالة هذه؟ وهل إلغاء أوروبا لعقوبة الإعدام يستحق أن يكون نموذجا لنا؟".

وأشار إلى أن "عقوبة الإعدام ظلت موجودة في المجتمعات الأوروبية طيلة قرون، منذ فجر التاريخ، إلى العصر الحديث، ولا تزال الكثير من الدول تطبق هذه العقوبة إلى اليوم، بينها الولايات المتحدة، طليعة الديمقراطية الغربية".

ودعا إلى حوار وطني علمي حقيقي حول عقوبة الإعدام في المغرب، في جرائم القتل العمد، والقتل المصحوب بالاغتصاب، وجرائم الإرهاب، يشارك فيه الجميع من علماء وقانونيين وحقوقيين ومفكرين. 

واقترح أن "يتم اللجوء إلى رأي أهل القتيل في جرائم مثل هذه لكي تقرر ما إن كانت تريد عقوبة الإعدام أو العقوبة المحددة، وتقوم المحكمة بتنفيذ الأمر وفقا للقانون".

دفاع على الإعدام الدكتور إدريس الكنبوري في كل مرة تحصل جريمة بشعة مثل هذه التي حصلت في طنجة، يهتز الرأي العام المغربي...

Posted by Driss Elganbouri on Saturday, September 12, 2020

من جانبه، قال المحامي المغربي عبد المولى المروري: "لا قيمة لمن يتغزل بأصحاب إلغاء عقوبة الإعدام، ويتودد لزعماء هذا القول البئيس، فمنشأ هذا الكلام عند قوم استباحوا البشر قديما وحديثا واستعبدوا الأمم، وآمنوا بالعقل ربا ومعبودا من دون الله".

وأضاف في تدوينة عبر صفحته على فيسبوك: "فليعلم هؤلاء البباغاوات أن شريعة الله فوق كل شريعة، تطبيقها مأمور بها، مطلوب لذاتها قبل نتائجها، وأي تعطيل لها، هو مؤقت وليس إلغاء، حكمته ظروف خاصة، والأمر بذلك متروك لذوي العلم بالشرع وليس لذوي التقليد".

واعتبر المروري أن هناك "مواقف اختفت بعدما كانت تنادي بالتشبث بعقوبة الإعدام، وتوارت لتفتح الباب لأصحاب نداء الإلغاء، واكتفت بالبكاء والشجب والعزاء، هل هي حسابات، أم اعتبارات، أم توازنات، أم تخوفات؟".

"الإعدام لا يردع"

وتفاعلا مع اغتصاب وقتل الطفل عدنان، قالت المحامية نعيمة الكلاف: "لن أغير موقفي من جريمة الإعدام، سأظل أطالب بإلغائها إلى النهاية مهما كان المجرم حتى ولو كان الضحية قريبا لي أو ابني".

وأضافت: "الإعدام ليست عقوبة ولا تحارب أبشع الجرائم ولا تحد من الظواهر الشاذة، وأي ظاهرة لا يمكن النظر إليها بالعاطفة، أنا مع تطبيق أقسى العقوبات والحرمان من أحد الحقوق مدى الحياة"، حسب تدوينة الكلاف عبر صفحتها الشخصية على فيسبوك.

ويرى حقوقيون أن أسباب الترفع عن إلغاء العقوبة يعود إلى أن الإعدام "عقوبة لا رجعة فيها وقد تقع أخطاء في الأحكام"، فالإعدام نهائي ولا يمكن تداركه، فلا يمكن أبدا استبعاد خطر إعدام شخص بريء"، وفق منظمة "العفو الدولية".

وتعتبر المنظمة أن عقوبة الإعدام "لا تردع الجريمة"، فالبلدان التي تنفذها تنظر إليها على أنها وسيلة لردع الناس عن ارتكاب الجرائم، وليس هناك أي دليل على أنها أشد ردعا في الحد من الجريمة أكثر من "السجن مدى الحياة".

وترى أن الإعدام عقوبة "تنطوي على التمييز"، فالذين ينحدرون من أصول اجتماعية أو اقتصادية أشد حرمانا، أو ينتمون إلى أقليات عنصرية أو عرقية أو دينية، هم أكثر من تُفرض عليهم العقوبة بشكل غير متناسب. 

كما ترى "العفو الدولية" أن عقوبة الإعدام يتم استخدامها كأداة سياسية، فالسلطات في بعض البلدان توظفها لمعاقبة المعارضين السياسيين، وهذه النقطة الأخيرة، هي التي أجمع عليها الحقوقيون المغاربة مطالبين بإلغائها. 

ومنذ استقلال المغرب عام 1953، وخلال الفترة الممتدة من 1961 وحتى 1993، تم تنفيذ حكم الإعدام بحق 54 شخصا، بينهم 3 فقط أدينوا بجرائم الحق العام، في حين أعدم 51 شخصا في قضايا ذات طابع سياسي.

ويشدد الحقوقي والمحامي زعزاع، في حديث مع "الاستقلال" على أنه "في إطار مقاربة موضوعية وواقعية لها علاقة بالقانون الجنائي المغربي وبالمواثيق الدولية فيما يتعلق بالمناداة بالإلغاء، هناك بعض الجرائم يجب أن تلغى فيها عقوبة الإعدام، ومنها الجرائم ذات الطابع السياسي، واستبدالها بعقوبات أخرى".