صحيفة فرنسية: هذا ما ينتظر مالي بعد الإطاحة بالرئيس
.jpg)
عجلت الثورة الشعبية المستمرة منذ شهور في مالي، بسقوط الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، في جو من الابتهاج الممزوج بالشكوك حول عواقب هذه الإطاحة.
وتقول صحيفة لوموند الفرنسية: إن عدد من العسكريين احتجزوا كيتا في 18 أغسطس/آب في مخيم كاتي على بعد حوالي خمسة عشر كيلومترا شمال غرب باماكو، وهو أمر شبيه بما حدث قبل ثماني سنوات، حيث بدأ "تمرد آخر" أسقط الرئيس آنذاك، سلفه أمادو توماني توري.
وتمكن توماني توري، حسب الصحيفة، من الفرار من قصر كولوبة الرئاسي الواقع بين كاتي والعاصمة، ووصل إلى غينيا سرا بمساعدة عدد قليل من أتباعه المخلصين. لكن كيتا لم يكن محظوظا جدا.
وأعلن كيتا تنحيه عن السلطة وحل البرلمان والحكومة، وذلك بعد ساعات من احتجازه مع رئيس وزرائه بوبو سيسي من قبل عسكريين.
وبث التلفزيون الرسمي كلمة مسجلة للرئيس المعتقل في معسكر قرب العاصمة بماكو أعلن فيها استقالته من كل مناصبه.
وقال كيتا في كلمته: إنه "إذا كان بعض عناصر قواتنا المسلحة ارتأوا اليوم أن الأمر يجب أن ينتهي بتدخلهم فهل لدي حقا خيار؟ أنا أرضخ لأنني لا أريد أن تراق أي قطرة دم من أجل أن أبقى في منصبي".
ويشكل هذا التطور ذروة لخلاف بين الرئيس والمعارضة بدأ قبل نحو عامين عندما رفضت الأخيرة نتائج الانتخابات. وقد اندلعت على إثر أنباء سقوطه، كما تذكر لوموند، مشاهد الفرح في شوارع باماكو.
محل تنازع
تقول الصحيفة: إن كيتا الرئيس المنتخب عام 2013، بعد أشهر قليلة من التمرد، وأعيد انتخابه في عام 2018، كان محل تنازع بشدة لعدة أشهر، لدرجة أن المراقبين عبروا مؤخرا عن مدى هشاشة سلطته.
تقول لوموند: إنه في حديثه بصوت وصفته بالعميق، قال كيتا إنه عمل منذ انتخابه عام 2013 على تقويم البلاد و"بث الروح والحياة" في الجيش المالي، الذي يواجه عنف الجماعات الإرهابية منذ سنوات.
ثم تطرق إلى "المظاهرات المختلفة" التي طالبت برحيله منذ عدة أشهر، وتسببت في سقوط ضحايا، معتقدا أن "الأسوأ قد حصل".
وقال الجنود الذين تسلموا السلطة ليلة سقوط الرئيس: إنهم يريدون تنفيذ "انتقال سياسي مدني" يؤدي إلى انتخابات عامة في غضون "وقت معقول".
كذلك تشير لوموند لتصريح المتحدث الرسمي باسم الجيش ونائب رئيس أركان القوات الجوية العقيد إسماعيل واجوي عبر التلفزيون الوطني "نحن، القوى الوطنية المجتمعة في اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب (CNSP)، قررنا تحمل مسؤولياتنا أمام الشعب والتاريخ". وقال: إنه سيتم احترام جميع الاتفاقات الدولية لمالي.
تقول لوموند: إن شائعات تدخل العسكر استؤنفت في الأيام الأخيرة، كما في فبراير/شباط، بعد خطاب شديد اللهجة ألقاه كيتا ضد كبار ضباط الجيش المتهمين بارتكاب الانتهاكات والاختلاس وخسارة الحرب ضد الإرهابيين، وهو ما كان يكرهه كيتا بشكل خاص.
وقد صار المتمردون أصحاب الرأي هذه المرة.
تذكر الصحيفة أنه تم إطلاق النار والاستيلاء على مخيم كاتي، كما حدث في عام 2012، ثم حصل نوع من الهدوء المتزعزع في باماكو، حيث حاول الموالون السيطرة على الوضع.
إلا أن التحريض كان حادا كما يشير لذلك التقرير، حيث اندلعت أولى المظاهرات المؤيدة للإطاحة بالرئيس، مصحوبة ببعض التجاوزات، لا سيما في وزارة العدل وهو ما طال موظفي الإذاعة والتلفزيون.
وتذكر الصحيفة أنه منذ عام 2012 قدم المعترضون على حكمه خطابهم الافتتاحي في مناخ من العنف لذلك غادر العاملون بالتلفزيون المبنى على عجل، خوفا من تكرار نفس السيناريو.
السخط في الجيش
تقول لوموند وفقا لمصدر لها وصفته بالجيد: إنه خلال النهار، بينما كانت عاصمة مالي تعيش في حالة طوارئ، تم تداول أربعة أسماء لضباط متورطين في التمرد، بينهم جنرال وعقيدان غير معروفين، بالإضافة إلى "داعمين" محتملين.
وبالنسبة لهم، فقد كانوا على رأس الهرم العسكري، فمن بين أسماء قادة المتمردين، الذين واصلوا إخفاء هويتهم مساء ليلة الإطاحة به، واحد منهم على الأقل مثير للدهشة إذ تم تأكيده وهو الجنرال الشيخ فانتا مادي ديمبيلي.
وتشير الصحيفة أنه كان مؤخرا على رأس مهمة للاتحاد الإفريقي (AU) في أديس أبابا، حيث عاد لتولي مسؤولية مدرسة حفظ السلام (EMP) في كوليكورو.
تقول لوموند: إنه لم يكن لدى الجنرال ديمبيلي القدرة على تولي زمام قيادة حركة الغضب التي وجدت جذورها، وفقا لمصادر عديدة، في ديناميات كثيرة، حيث وراء ما يسمى بالمطالب "القطاعية" توجد حركات السخط التي تعتري الجيش.
يأتي ذلك في سياق ظل فيه كبار الضباط في وضع محرج لأكثر من عام وتعرضوا للتهديد بالعقوبات، بما في ذلك من الأمم المتحدة.
يشير التقرير أنه وفقا لمصدر مقرب من الطبقة العسكرية في مالي، اشتكى الضباط وضباط الصف المتوسطو الرتب من تورط كبار الضباط في الاتجار بالبشر وخاصة في الكوكايين في الوقت الذي يتم فيه إرسال القوات العسكرية للموت على أيدي الجماعات الإرهابية في وسط وشمال البلاد.
إلى جانب الاحتقان، اعترت قيادات عليا في الجيش المالي مخاوف من نوع مختلف. وتذكر الصحيفة أنه تم تسريب تقرير في منتصف أغسطس/آب من لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن مالي، يشير إلى تورط رئيس أركان الجيش السابق الجنرال كيبا سانغاري، في أحداث خطيرة وسط البلاد.
يشير تقرير الأمم المتحدة كذلك إلى اسم الجنرال موسى ديوارا رئيس جهاز أمن الدولة، الذي يُحتمل أن يكون هدفا للعقوبات، وإن كان ذلك في ظروف مختلفة.
والأخير هو ابن عم اللواء عمر داو رئيس ديوان رئيس الدولة الذي هز مؤسسة الرئاسة مؤخرا لعرقلة إمكانية محاكمة كبار المسؤولين.
تقول الصحيفة: إن الرئيس المالي إبراهيم كيتا كان على خلاف مع بعض جنرالاته، حيث أعفى الجنرال كيبا سانغاري من منصبه في مايو/أيار. وهذا الرجل كما تقول لوموند ليس المسؤول الوحيد رفيع المستوى الذي لديه صلات محتملة بالإطاحة بالرئيس.
وتذكر لوموند حسب مصدر وصفته بالجيد أنه قبل ساعات من رمي الطلقات الأولى على كاتي، معقل الجيش (القبعات الخضراء) تم اعتقال نائب رئيس أركان الجيش وهو ما يمكن ربطه بالتمرد.
لكن يشير التقرير أنه عندما تم، في النصف الثاني من اليوم، إرسال قوات خاصة إلى المجمع العسكري الواسع ذي المباني المتداعية، بهدف تعزيز الوحدات الأخرى التي يُفترض أنها موالية للرئيس وقمع التمرد، تآخى الجميع.
تنافس على السلطة
ولفتت لوموند أنه في هذه الفترة كان النظام يتهاوى، فقد تجمعت قافلة سيارات متنافرة في طريقها إلى وسط المدينة وقد سُمع دوي أعيرة نارية.
وتُشير أنه تم اعتقال رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء قبل حلول الظلام، فيما عرضت الاعتقالات الثانية، لفتة أخيرة يائسة، على الجيش للدخول في "حوار أخوي من أجل تبديد كل سوء تفاهم"، وأظهرت كما تقول الصحيفة بأن "الحركات الشعبية الملحوظة تعكس إحباطا معينا يُمكن أن يكون له أسباب مشروعة".
تذكر الصحيفة أن مصدرا لها أشار إلى أن العقيد دياو في قائمة زعماء التمرد المحتملين، وأنه قد يكون مقربا من قادة حركة الاحتجاج السياسي التي بدأت في مارس/ آذار عقب الانتخابات التشريعية بنتائج مطعون فيها، وأنه يقوم بتجميع عدد كبير منظمات ائتلاف حركة 5 آذار - تجمع القوى الوطنية M5-RFP.
وإذا لم يكن هناك رابط واضح حتى الآن بين الحركة والمتمردين، فقد تم الإعلان في اليوم السابق عن أسبوع من المظاهرات، لا سيما مع تنظيم قافلة توعوية متنقلة عبر باماكو والتجمهر عند ساحة الاستقلال في عطلات نهاية الأسبوع، لتكثيف الضغط على السلطة القائمة.
تشير الصحيفة إلى تصريح عيسى كاو نجيم، المنسق العام لائتلاف الحركات والجمعيات والمتعاطفين (CMAS) قوله: إنه على الرغم من تجنب الارتباط بالحركة العسكرية، فإن "المغادرة السلمية لرئيس الجمهورية من شأنها تجنيب الفوضى".