تنصل من المسؤولية.. هكذا أصبح مرضى السرطان في المغرب بلا دواء

في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر/كانون الأول 2019، أعلنت وزارة الصحة المغربية عن تكفلها بكافة تكاليف علاج مرضى السرطان من الأطفال دون سن الخامسة، وذلك تطبيقا لتوجيهات ملكية.
الإعلان عن القرار سبقته بأيام قليلة حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى ضمان مجانية العلاج لكل المرضى بالسرطان في المغرب. وجاءت الحملة بالتزامن مع وفاة إحدى المناضلات الشابات في صفوف حزب "الاتحاد الاشتراكي"، وهو الخبر الذي حظي بتفاعل وتأثر كبيرين.
انطلقت الحملة التي تصاعدت شيئا فشيئا، تحت وسم "#ما_بغيناش_نموتو_بالسرطان" أي (لا نريد أن نموت بسبب السرطان)، بمشاركة مصابين بالمرض نشروا مقاطع فيديو يشرحون فيها معاناتهم مع المرض والفقر وغلاء العلاج، وهو ما تفاعل معه ناشطون بشكل كبير.
فيما قرر آخرون نقل حملتهم على الأرض وجمع 5000 توقيع من مواطنين تتوفر فيهم شروط: التمتع بالحقوق الوطنية، التسجيل في اللوائح الانتخابية، على أن تتضمن أرقام بطاقات تعريفهم، لتشكيل لجنة لدعم المبادرة وتسمية وكيل اللائحة، بغرض إيصال مطلبهم بشكل دستوري لرئيس الحكومة، طبقا للفصل 15 من الدستور.
مقترح صندوق
اقترح الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية عمر الشرقاوي، عبر تدوينة على موقع "فيسبوك" تدشين صندوق لمكافحة السرطان، وإجراء قانون مالي تعديلي لأحكام القانون المالي 2020، أو تضمين مشروع القانون لسنة 2021 مادة تُعنى بالحساب المقترح.
وجاء المقترح بوضع مرسوم لتحديد شروط ومعايير الاستفادة من الدعم المباشر لمرضى السرطان من الصندوق، ودورية مشتركة بين القطاعات المكلفة بالداخلية والاقتصاد والمالية والصحة لتفعيل تطبيق مقتضيات الصندوق، لا سيما لتطبيق مقتضيات القانون في كل مدن المملكة.
ودعت الحملة التي أطلقها الشرقاوي إلى التغطية الشاملة لكل نفقات العلاج لمرضى السرطان بجميع أنواعه. وذهب الناشط السياسي إلى حد اقتراح موارد الصندوق.
تفاعلا مع هذه الحملات، دعت شبيبة حزب الاستقلال المعارض إلى وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة الصحة من أجل المطالبة بتوفير علاج مجاني لمرضى السرطان.
رصدت الشبيبة في بلاغ لها وجود نقص حاد في الأدوية، ورفض عدد من الصيدليات صاحبة امتياز البيع توفير مخزون كاف منها، لأسباب متعددة على رأسها ضعف هامش الربح مقابل ارتفاع الضرائب المفروضة عليها، لافتة إلى "الغلاء الكبير في ثمن هذه الأدوية".
فريق حزب "الأصالة والمعاصرة" المعارض بمجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان) لم يفوت الفرصة لتوجيه سؤال شفوي لوزير الصحة، خالد آيت الطالب، عن التدابير المستعجلة التي ستتخذها الوزارة لتوفير الأدوية الأساسية لمرضى السرطان، مفيدا بأن أغلب المراكز الاستشفائية الإقليمية والجهوية (البعيدة عن العاصمة والمدن الكبرى) تفتقد للأدوية الأساسية.
بينما رأى رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عزيز غالي في كل هذه التحركات حملة انتخابية سابقة لأوانها، إذ يشترط أن يكون الموقع على العريضة مسجلا في اللوائح الانتخابية، معتبرا أن الهدف منها ليس تدشين صندوق لعلاج مرضى السرطان بل زيادة عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية.
وذهب غالي إلى حد القول في حديث مع صحيفة "الاستقلال": إن "الدولة تستغل مرض السرطان لتسجيل المواطنين في اللوائح الانتخابية". قبل أن يردف: "إحداث هذا الصندوق يعني مساهمة المواطنين فيه"، قبل أن يتساءل: كيف نعفي الدولة من مسؤولية توفير العلاج ونوفره عبر الصدقة، في حين أنها قادرة على ذلك؟.
وتتركز قدرتها على حل هذه الأزمة على مستويين، الأول على المستوى القانوني ويتمثل في ضبط وتحديد أسعار الدواء، والثاني التكفل - على غرار دول أخرى في المنطقة تسجل أرقاما مقاربة لعدد المرضى - بتكاليف العلاج.
مغرب بلا دواء
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان دقت ناقوس الخطر بشأن "اختفاء أدوية السرطان" من مجموعة من المستشفيات العمومية، وانعدام حوالي 30 نوعا من الأدوية في جناح أمراض السرطان والدم.
وطالبت الجمعية بـ"التدخل الفوري" لتزويد صيدليات المستشفيات بالأدوية وتوفير الأدوية وبشكل استعجالي تلك الخاصة بعلاج الأمراض الأورام السرطانية وأمراض الدم، وفقا للبروتوكولات الطبية المحددة من طرف المنظمة العالمية للصحة.
تقرير الجمعية الحقوقية سبقته تقارير صحفية خرجت في عام 2017، تحدثت أن الدواء اختفى من المراكز ما جعل أسر المرضى الميسورة تبحث عنه خارج المغرب، فيما لم يجد الفقراء منهم سوى الاحتجاج على الأطباء الذين وصفوا لهم الأدوية رغم علمهم أنها غير متوفرة في الصيدليات.
ويتجاوز سعر الدواء في المغرب 11 ألف درهم (ما يعادل 1000 دولار) وتصنعه ثلاث مختبرات في المغرب، فيما يسيطر مختبر واحد في فرنسا على تسويقه.
وزارة الصحة خرجت ببيان كذبت فيه كل ما قيل، مبينة أن الأدوية متوفرة وأن جميع المصالح الاستشفائية تواصل خدماتها بشكل طبيعي.
فيما ذهبت تقارير أخرى إلى حد القول: إن غالبية الأدوية المرخصة غير فعالة ولها تأثيرات خطيرة، مع الإشارة إلى الأسعار تفوق قدرة المريض ومفروضة من الشركات المصنعة التي تعرف تصاعدا كل سنة.
وأفاد عزيز غالي أن "الدولة لا تشتري الدواء اللازم كاملا، وإنما بعضه، ما جعل المغرب يدخل في أزمة حقيقية خلال السنتين الماضيتين لأن الدولة صرفت الميزانية المخصصة للدواء على أدوية أخرى، معتمدة على شرائها من قبل مؤسسة سلمى للوقاية وعلاج السرطان".
دور اللوبيات
في عامي 2017 و2018، رخصت وزارة الصحة 19 دواء جديدا يستعمل في بعض أنواع السرطانات، السعر الأدنى لها يتجاوز 4 آلاف درهم (ما يعادل 400 دولار) فيما يصل ثمن بعضها إلى 90 ألف درهم للعلبة الواحدة (ما يعادل 9 آلاف دولار).
ثمن هذه الأدوية في المغرب يتجاوز سعرها في أوروبا، وتحديدا في فرنسا حيث تصل نسبة الفارق إلى أكثر من 150 %، فيما تخصص الدولة أقل من مليار درهم سنويا لعلاج مرضى السرطان.
وتمثل الأدوية نسبة تفوق الـ 55% من مبلغ المليار درهم، لكن يتحمل المرضى إما بشكل مباشر تكاليف الأدوية أو عبر صناديق التغطية الصحية.
تحتكر شركات "روش" السويسرية و"سانوفي" الفرنسية و"بفيزر" الأمريكية و"جي اس كي" البريطانية سوق أدوية السرطان عبر العالم، وهم الداعمون الكبار لمؤسسة "للا سلمى للوقاية وعلاج السرطان".
أعطى رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مثالا عن أحد الأدوية الذي يوصف في حالة سرطان الثدي، ففي حين كان الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي يحصل بما يعادل 20 دولارا للعلبة الواحدة، كان يكلف الدولة 10 دولارات فقط، أما الآن فالمريض يشتريه من الصيدلية بحوالي 350 دولار.
السبب في هذا التضارب الكبير في الأسعار أرجعه غالي إلى انسحاب الدولة التي كانت تعلن عن طلبات عروض للمقارنة بين سعر الدواء من مختلف الدول والحصول عليه بأقل ثمن، لكن ما يحدث الآن هو أن شركات الدواء تبيعه مباشرة في المغرب بترخيص من الدولة التي تحصل لوبياتها على جزء من هذه الأسعار على حساب المواطن.
تنصل من المسؤولية
40 ألف حالة سرطان جديدة تظهر كل سنة، وفق رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عزيز غالي الذي تحدث عن أكثر 3 أنواع منتشرة من المرض.
أولها والأكثر انتشارا سرطان الثدي، الذي تصل كلفة علاجه بداية من أول فحص طبي إلى آخر مرحلة في العلاج إلى 32 ألف درهم (3 آلاف دولار)، ثم سرطان عنق الرحم الذي تقارب تكلفته 50 ألف درهم (5 آلاف دولار)، أما سرطان الرئة والبروستات عند الرجل، فتصل كلفة العلاج منه إلى 40 ألف درهم (4 آلاف دولار).
وزاد غالي: "يدخل السرطان ضمن الأمراض المكلفة للأسر المغربية التي تساهم في كلفة العلاج بنسبة 57 بالمئة مقابل 22 بالمئة تتحملها الدولة، وبالتالي فإننا بصدد الحديث عن مرض قد يسقط الأسر في الفقر".
واعتبر الحقوقي أن الدولة كانت تتقاسم الأدوار مع مؤسسة سلمى، التي تعيش مشاكل داخلية في الفترة الأخيرة ما خلق نوعا من الفراغ أوصل إلى أن المغرب بدون دواء لعلاج السرطان، مقارنة بالدول المجاورة، تونس والجزائر، "وحتى فلسطين التي تعيش ظروفا صعبة تتكفل السلطة فيها بعلاج مرضى السرطان 100 بالمئة".
وعن المشاكل الداخلية التي تعرفها المؤسسة - تقول إنها غير حكومية - قال عزيز غالي: إن الأسماء الوازنة التي كانت داخل المؤسسة انسحبت منها، بينهم المدير العام للمجمع الشريف للفوسفاط في المغرب إحدى أكبر المؤسسات العمومية مساهمة في الناتج الداخلي، مصطفى التراب، وثالث أغنى رجل في المغرب ووزير فلاحته والصيد البحري، عزيز أخنوش.
تحمل المؤسسة التي بدأت نشاطها في عام 2005، اسم الزوجة السابقة لملك المغرب، وتعتبر هي المشرفة عليها.
هذا الارتباط المباشر يجعل المؤسسة جزءا من المشاكل التي تعيشها سلمى بناني الزوجة السابقة للملك داخل الأسرة الملكية، واختفائها عن الأنظار وغيابها عن كل الأنشطة الملكية لأشهر قبل إعلان خبر طلاقها من العاهل المغربي واقتصار عودة ظهورها على أنشطة المؤسسة.
تدخل الأسماء التي ذكرها رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ضمن الدوائر المقربة من الملك، إذ يعتبر أخنوش صديقا مباشرا له، فيما يتقلد التراب منصبا مهما داخل المملكة ما يجعله مقربا من القصر، الأمر الذي يفسر انسحاب هذه الأسماء التي كانت تزود المؤسسة بالدعم المعنوي والمادي أيضا.
وساهمت المؤسسات الكبرى التابعة للدولة في تمويل المؤسسة عبر شراكات، بحسب غالي، كما أنها كانت تحصل على جزء من تمويلها عبر الدعم الدولي ثم مساهمة من الدولة.
لا ينفي المتحدث أن المؤسسة شيدت مراكز استشفائية، قبل أن يردف قائلا: "لكننا اعتقدنا ومنذ البداية أنه لا يمكن لمؤسسة سلمى أن تحل محل الدولة، يمكنها أن تكون مكملة فقط، بدليل أن المشاكل الداخلية التي تعيشها كان لها وقع كبير".
اعتبرت الجمعية أن الدولة هي العمود الفقري في علاج السرطان، وبالتالي هي من يتحمل المسؤولية في الشلل الحاصل. إذ كان من المعقول أن تتحمل المؤسسة تكاليف بعض التحاليل الباهظة وتوفر مراكز الإيواء للمرضى، لكن العلاج هو مسؤولية الدولة.
أرقام مخيفة
وزارة الصحة المغربية صرحت في وقت سابق بأن البلاد تسجل 40 ألف حالة جديدة من السرطان سنويا، وتقول: إن عمليات مكافحة السرطان عرفت تطورا واضحا، بفضل الشراكة بين مؤسسة "للا سلمى للوقاية وعلاج السرطان" والوزارة، التي مكنت من إنشاء وتجهيز وتشغيل 9 مراكز جهوية لعلاج السرطان.
وأفادت الوزارة بأنه يجري بناء ثلاثة مراكز (مستشفيات متخصصة) للأورام، فضلا عن مركزين آخرين لطب سرطان الأطفال، موضحة أنه يتم التكفل بأكثر من 200 ألف مريض بالسرطان كل عام.
أما التقرير الأخير في 2018 للوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، فقد أبرز أن المغرب يسجل إصابة 139 شخصا بالسرطان بين كل 100 ألف نسمة ليحل بذلك في الرتبة 145 عالميا في عدد المصابين بهذا الداء بعدد بلغ في 2018 ما يعادل 52 ألفا و783 شخصا.
وبحسب ما ورد في معطيات التقرير، تتوزع الإصابات ما بين 233 ألف و88 إصابة بسرطان البروستات وعنق الرحم، يليه 10 آلاف و136 امرأة مصابة بسرطان الثدي، يليه 6 آلاف و88 إصابة بسرطان الرئة، ثم سرطان القولون الذي حل في الرتبة الرابعة على مستوى عدد المصابين بـ 4 آلاف و118.
المصادر
- بالأرقام..ارتفاع عدد المصابين بالسرطان بالمغرب
- أدوية لأمراض السرطان مرخص لها بالمغرب خطيرة.. بدون فعالية و بأسعار خيالية
- وزارة الصحة تؤكد توفر " دواء ميتوتريكسات" الخاص بعلاج السرطان في جميع مراكز الأنكولوجيا وكذا عند موزعي الأدوية وفي الصيدليات
- بعد التكفل المجاني بعلاج الأطفال مرضى السرطان دون السن الخامسة.. مطالب بتعميم مجانية علاج مرضى السرطان ليشمل جميع الفئات
- مرضى السرطان بدون دواء