تحالفات بديلة ضد النظام العالمي.. قراءة في واقع الدبلوماسية التركية الجديدة

"نموذج التحالفات التركي القائم على مبدأ "رابح-رابح" يقدم بديلاً دبلوماسياً قوياً"
برزت تركيا في السنوات الأخيرة كلاعب دبلوماسي مستقل يسعى إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي والدولي وفقا لمصالحه الوطنية، بحسب صحيفة “صباح” التركية.
وذكرت الصحيفة التركية في مقال للكاتب “أنصار كيفراك”، أنه منذ عام 2010 أدى قصور التحالفات الغربية مثل حلف شمال الأطلسي “ناتو” والاتحاد الأوروبي في تلبية احتياجات تركيا الأمنية والسياسية إلى دفعها نحو تبني إستراتيجية جديدة.

"دبلوماسية التحالفات"
وتقوم هذه الإستراتيجية على “دبلوماسية التحالفات”، وتستند إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
وجاءت هذه الإستراتيجية كرد فعل على ما تعده أنقرة معايير مزدوجة من قبل الغرب.
وقد استغلّت تركيا التصعيد الإسرائيلي في غزة لتعزيز موقعها كوسيط إقليمي، خاصة في ظل التوترات المتزايدة بين إسرائيل ودول المنطقة.
وبذلك حققت الدبلوماسية التركية على المدى الطويل مكاسب مهمة، شملت تعزيز شرعية القضية الفلسطينية، والترويج لعملية التطبيع في سوريا، وتعزيز التكامل الاقتصادي في منطقة الخليج.
وقد أثبت النموذج التركي للدبلوماسية، الذي يطرح كبديل للتحالفات الغربية، فعاليته في تحقيق نتائج ملموسة تعزز من مكانة تركيا على الساحة الدولية.
وقد لعبت تركيا دورا فاعلا في تعزيز التعاون الإقليمي، سواء عبر الحوار الدبلوماسي مع العراق أو من خلال تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لقطر خلال فترة الحصار، وهو ما أسهم في تعزيز فكرة التحالفات الإستراتيجية لتركيا في المنطقة.
ومثّلت حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة تحولا في الدبلوماسية الإقليمية، حيث سعت إسرائيل للقضاء على حماس بدعم أميركي، ما أدى إلى مجازر ومخططات لترحيل الفلسطينيين، وهو ما رفضته تركيا بشدة. ولذلك فقد عززت أنقرة دورها الدبلوماسي، فطرحت الانتهاكات الإسرائيلية في مجلس الأمن، وسعت لوقف إطلاق النار بالتعاون مع مصر وقطر، وعملت على الاعتراف بحماس كفاعل سياسي.
وذكر الكاتب التركي أنّ تعليق السعودية لاتفاقيات التطبيع مع إسرائيل (اتفاقيات إبراهام)، وتحسن العلاقات بين مصر وتركيا أدى إلى تعزيز موقف أنقرة الداعم للقضية الفلسطينية.
وتُوِّجت جهود تركيا بانتصار دبلوماسي في الأمم المتحدة عام 2024 بدعم 139 دولة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. كما عزز اعتراف إسبانيا وإيرلندا والنرويج بفلسطين في مايو 2024 مكانة تركيا كقوة إقليمية مؤثرة.
ولفت الكاتب النظر إلى أن تركيا استطاعت من خلال تبني دبلوماسية قائمة على المصالح المشتركة ومبدأ "رابح-رابح" تعزيزَ دورها كوسيط مؤثر على الساحة الدولية، مما يثبت أن إستراتيجيتها في بناء تحالفات بديلة عن الغرب تؤتي ثمارها في تحقيق التوازنات الإقليمية والدولية.
توسيع التحالفات
وذكر الكاتب أن السياسة الخارجية التركية لم تقتصر على التركيز على سوريا وفلسطين، بل توسعت لتشمل مناطق أخرى مثل ليبيا، والسودان، واليمن وأذربيجان.
حيث لعبت أنقرة دورا مؤثرا في دعم الاستقرار الإقليمي من خلال التحالفات الدبلوماسية والعسكرية.
ففي ليبيا، قدمت تركيا دعما عسكريا حاسما لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، مما أسهم في منع قوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر من السيطرة على العاصمة طرابلس.
وقد ساعدت الطائرات المسيّرة التركية بشكل كبير في تغيير مسار الحرب، حيث عدت هذه العمليات مثالا واضحا على إستراتيجية أنقرة في تعزيز نفوذها في المنطقة.
وسعت تركيا إلى تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي في السودان، لا سيما عبر اتفاقية جزيرة سواكن التي وقّعت في عام 2017، والتي منحت أنقرة موطئ قدم إستراتيجي على البحر الأحمر.
وخلال الحرب الأهلية في 2023 لعبت تركيا أيضا دورا مهما، وذلك عبر عمليات إجلاء المدنيين وإقامة اتصالات مع قوات الدعم السريع، ما عزز نفوذها الإقليمي وساعدها في الحفاظ على دورها كلاعب رئيس في التطورات الجيوسياسية للسودان.
من جهة أخرى فقد اعتمدت تركيا سياسة متوازنة تجاه الأزمة اليمنية، حيث فضّلت التعاون غير المباشر مع السعودية بدلا من دعم الحوثيين المدعومين من إيران.
وقد لاقت هذه السياسة ترحيبا دوليا؛ إذ أثنت الأمم المتحدة على جهود أنقرة في محادثات وقف إطلاق النار عام 2023، معتبرة أن تركيا لعبت دور الوسيط المحايد الذي يمكنه تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة.
أما بالنسبة لأذربيجان فقد برزت تركيا كحليف رئيس لها خلال حرب قره باغ؛ حيث قدمت دعما كبيرا ساعد في تحقيق النصر على أرمينيا.
ولم يقتصر الدور التركي على المساعدة العسكرية، بل امتد ليشمل الوساطة في المحادثات بين أرمينيا وروسيا، مما عزز مكانة أنقرة كلاعب دبلوماسي مؤثر في تسوية النزاعات الإقليمية.
وهكذا تعكس التحركات التركية في ليبيا والسودان واليمن وأذربيجان إستراتيجية واضحة؛ حيث تهدف إلى تعزيز النفوذ الإقليمي عبر التحالفات والشراكات الإستراتيجية.
فمن خلال الجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية، أصبحت تركيا طرفا لا غنى عنه في العديد من النزاعات الإقليمية، مما يؤكد سعيها لترسيخ مكانتها كقوة مؤثرة في النظام الإقليمي والدولي.

التوجه نحو الشرق
في السياق ذاته، شهدت العلاقات التركية الغربية تحولا جذريا في السنوات الأخيرة، لا سيما مع الدعم غير المشروط الذي قدمته إدارة ترامب لإسرائيل واستمرار إدارة بايدن في إرسال شحنات الأسلحة إلى وحدات حماية الشعب/حزب العمال الكردستاني.
وهذا الواقع دفع تركيا إلى خفض مستوى علاقاتها مع الغرب إلى مجرد "تعاون وظيفي"، والبحث عن بدائل إستراتيجية تعزز استقلاليتها على الساحة الدولية.
وفي خطوة تعكس هذا التوجه، شاركت أنقرة كمراقب في قمة بريكس لعام 2024، مما عزز علاقاتها الاقتصادية مع قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند.
إضافة إلى ذلك، أطلقت تركيا مشاريع مشتركة في مجالات الإنتاج ونقل التكنولوجيا مع دول آسيوية وإفريقية، بهدف دمج صناعاتها الدفاعية في تحالفاتها الإقليمية.
ويعكس هذا التوجه سعي أنقرة إلى بناء محور مستقل لا يقتصر على البعد العسكري، بل يشمل أيضا الجوانب الاقتصادية والصناعية.
وفي الفترة الأخيرة، أسفرت التطورات الإقليمية عن انتصارات رمزية للدبلوماسية التركية. فعلى الساحة السورية، أصبح أحمد الشرع وهو زعيم هيئة تحرير الشام القائد الجديد لسوريا.
بينما أدى الاعتراف بحركة حماس كجهة سياسية مشروعة إلى الحدّ من العنف الاستيطاني الإسرائيلي. وقد أثبتت هذه التحولات فعالية التحالفات الإقليمية التي تقودها أنقرة.
في سياق تعزيز دورها الإقليمي قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بجولة دبلوماسية شملت ماليزيا وإندونيسيا وباكستان؛ حيث لقي استقبالا حافلا يعكس المكانة المتزايدة لتركيا في العالم الإسلامي.
ففي ماليزيا، وصف رئيس الوزراء أنور إبراهيم أردوغان بأنه "القائد الشجاع الذي يطالب بالعدالة لفلسطين"، وفي إندونيسيا، عدّه الرئيس برابوو سوبيانتو "ممثلا لإرث الدولة العثمانية".
أما في باكستان، فقد أعلن رئيس الوزراء شهباز شريف أن أردوغان "ليس فقط قائد تركيا، بل قائد العالم الإسلامي".
وهذه الجولة لم تقتصر على التصريحات الرمزية فحسب، بل أفضت إلى توقيع اتفاقيات جديدة في مجالات التجارة والدفاع والطاقة.
وكان من أبرز هذه الاتفاقيات تصدير طائرات بيرقدار تي بي 3 بدون طيار إلى إندونيسيا، إلى جانب خطط لنقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك مع ماليزيا.
ووفقا لتقارير إعلامية ماليزية، فإن تعميق علاقات تركيا مع رابطة دول جنوب شرق آسيا قد يفتح آفاقا جديدة للتعاون الدفاعي.
علاوة على ذلك، فقد تم الاتفاق على إنشاء صندوق مشترك لإعادة إعمار غزة، إلى جانب مبادرات لدعم مشاريع البنية التحتية في سوريا، ما يعزز دور تركيا كقوة رائدة في الدبلوماسية الإنسانية.
وتؤكد هذه التحركات أن إستراتيجية أنقرة لا تقتصر على بناء تحالفات إقليمية فحسب، بل تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي العالمي، وتقديم بديل للنظام الدولي القائم على الهيمنة الغربية.
وبهذا، تثبت تركيا أنها ليست مجرد لاعب إقليمي فقط، بل قوة صاعدة تسعى إلى تحقيق توازن جديد في العلاقات الدولية.
وأكدت الصحيفة أن دبلوماسية التحالفات الإقليمية لتركيا تأتي استجابة لبحث جديد عن التوازن الإستراتيجي في ظل تراجع نفوذ القوى العالمية التقليدية.
إذ تركز أنقرة على منع النزاعات، وإدارة أزمات اللاجئين، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي.
وفي ضوء هذه التطورات، يتضح أن نموذج التحالفات التركي القائم على مبدأ "رابح-رابح" يقدم بديلا دبلوماسيا قويا.
فبينما تتبنى التحالفات الغربية نهجا قائما على المصالح والمعايير المزدوجة، تتحرك تركيا وفق مبدأ "التضامن من أجل الاستقرار"، معتمدة على سياسة خارجية مرنة ومتعددة الأبعاد.
ومن خلال بناء شراكات متينة مع دول المنطقة، تبرز تركيا كفاعل رئيس في تشكيل نظام إقليمي جديد قائم على الاستقرار.