توترات الحدود.. كيف يمكن لسوريا صد تهديدات حزب الله اللبناني؟

مصعب المجبل | منذ ١٦ يومًا

12

طباعة

مشاركة

عاد "حزب الله" اللبناني لبعث رسائل إلى الدولة السورية الجديدة بقدرته على إبقاء الحدود بين البلدين في حالة توتر في ظل سعي دمشق لإنهاء أي نفوذ للحزب هناك عقب سقوط حليفه نظام بشار الأسد.

وفي تصعيد خطير، خطفت مجموعة من حزب الله عبر كمين في 16 مارس/ آذار 2025، ثلاثة من عناصر الجيش السوري على الحدود قرب سد زيتا غرب حمص، "قبل أن تقتادهم للأراضي اللبنانية وتقوم بتصفيتهم تصفية ميدانية"، وفق بيان المكتب الإعلامي في وزارة الدفاع السورية.

عودة التوتر

وقالت وزارة الدفاع السورية: إنها ستتخذ "جميع الإجراءات اللازمة بعد هذا التصعيد الخطير من قبل مليشيا حزب الله". 

وبعد قتل حزب الله الجنود السوريين، قام الجيش اللبناني عبر الصليب الأحمر بتسليم جثث ثلاثة الجنود عند نقطة جوسيه القاع الحدودية مع سوريا.

وبدأت وزارة الدفاع السورية حملة عسكرية للرد على عملية حزب الله عبر دك عدد من مواقعه في الطرف اللبناني بالمدفعية الثقيلة والصواريخ.

كما قُتل عنصر من الأمن السوري في 17 مارس 2025 جراء استهداف حزب الله سيارة لهم بصاروخ حراري عند الحدود من جهة ريف حمص.

فيما أرسلت وزارة الدفاع تعزيزات عسكرية كبيرة إلى الشريط الحدودي مع لبنان، بهدف ضبط الأمن والتصدي لأي تهديدات جديدة، وذلك بعد مقتل مجموعة من الجيش السوري على يد مليشيا حزب الله.

وتمكن الجيش السوري في 17 مارس 2025 من السيطرة على بلدة "حوش السيد علي" السورية المتاخمة لمنطقة الهرمل اللبنانية قرب الحدود، والتي اتخذها حزب الله قبل سنوات كمستودعات للذخيرة والصواريخ.

واتخذ حزب الله هذه البلد كمركز لقيادة عملياته العسكرية وإدارة تهريب المخدرات في السنوات السابقة بالتعاون مع نظام الأسد البائد التي تدر عليهم ملايين الدولارات يوميا.

وأصيب أربعة صحفيين مرافقين للجيش السوري بجروح طفيفة في 17 مارس 2025، إثر سقوط قذيفة مدفعية من الجانب اللبناني للحدود على موقعهم. واتهموا حزب الله بشن الهجوم.

وهذا التصعيد الجديد جاء بعد فترة هدوء منذ إطلاق إدارة أمن الحدود السورية حملة في 6 فبراير/ شباط 2025 للقضاء على المتورطين في تهريب الأسلحة والممنوعات عبر الحدود مع لبنان.

واتهمت الدولة السورية الجديدة حزب الله بشن هجمات انطلاقا من الحدود، وقالت: إنه يرعى عصابات تهريب عبر الحدود.

وتمكنت إدارة أمن الحدود السورية حينها من السيطرة الكاملة على الحدود مع لبنان، وذلك عقب تمشيط كامل للمنطقة والسيطرة على قرى أكوم وحاويك ووادي الحوراني والتلال المحيطة بها، بعد معارك استمرت عدة أيام مع مجموعات يديرها حزب الله.

وانتشر الجيش السوري على طول الحدود مع لبنان، عقب إرسال وزارة الدفاع تعزيزات كبيرة إلى المنطقة الحدودية.

هذه هي المرة الثانية على الأقل التي تضطر فيها القوات السورية للتعامل مع حالة من الفوضى على الحدود اللبنانية يقف خلفها حزب الله بعد آخر حادث خلال فبراير.

تنسيق ثنائي

وتسعى الدولة السورية إلى إغلاق المعابر غير النظامية التي كانت تُستخدم سابقا لنقل الأسلحة والمخدرات، في إطار جهود أوسع لمكافحة التهريب وإعادة فرض السيطرة الأمنية على المناطق الحدودية.

وجاء التوتر الجديد عند الحدود السورية اللبنانية بعد لقاء الرئيس اللبناني جوزيف عون بالقاهرة في 5 مارس 2025 مع نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بشأن غزة، حيث شدد الزعيمان على "ضرورة" ضبط الحدود بين البلدين، وفق بيان الرئاسة اللبنانية.

ويتشارك لبنان وسوريا حدودا بطول 330 كيلومترا غير مرسمة في أجزاء كبيرة منها خصوصا في شمال شرق البلاد مما جعلها منطقة سهلة للاختراق من جانب مهربين أو صيادين أو حتى مهاجرين غير نظاميين.

لا سيما أن المناطق الحدودية السورية مع لبنان في ريف حمص، وفي قرى ذات غالبية شيعية يقطن بعضها لبنانيون، شكلت قبيل سقوط الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 محطة لوجستية مهمة لحزب الله إن على صعيد نقل المقاتلين أو إقامة مخازن للأسلحة.

لكن الجيش اللبناني ما يزال عاجزا عن الإمساك بالحدود، والقضاء على المهربين الذين كانوا يهيمنون على طرق تهريب بين البلدين قبل سقوط الأسد.

وتصاعدت في الآونة الأخيرة المناوشات بين الجيش السوري الجديد والعشائر الشيعية اللبنانية المسلحة المتحالفة بشكل وثيق مع حزب الله ومقرها قرية القصر الحدودية اللبنانية.

ويسعى لبنان إلى الحصول على دعم دولي لتعزيز التمويل لجيشه مع نشر قواته تدريجيا على طول حدوده الشمالية والشرقية السهلة الاختراق مع سوريا.

ورأى الرئيس عون في 17 مارس 2025 أن ما يحصل على الحدود الشرقية والشمالية الشرقية “لا يمكن أن يستمر ولن نقبل باستمراره”.

وأضاف في بيان قائلا "أعطيت توجيهاتي للجيش بالرد على مصادر النيران".

كما أشار الرئيس اللبناني إلى أنه طلب من وزير خارجية بلاده "التواصل مع نظيره السوري لمعالجة الأزمة بما يضمن سيادة البلدين".

ومنذ اللحظة الأولى لحادثة مقتل جنود سوريين على يد حزب الله، أجرى الجيش اللبناني اتصالات مكثفة بين قيادته والسلطات السورية لضبط الأمن والاستقرار في المنطقة الحدودية.

إستراتيجيات شاملة

ويرى الباحث الأمني السوري في مركز "حرمون للدراسات المعاصرة"، نوار شعبان، أنه "مع استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية على الحدود السورية اللبنانية، تبرز الحاجة إلى نهج شامل يعالج جذور الأزمة، بدلا من الحلول العسكرية فقط".

وأضاف شعبان لـ"الاستقلال" أن "التعاون الأمني الوثيق بين سوريا ولبنان مهم عبر تشكيل لجان أمنية مشتركة لتبادل المعلومات ومكافحة شبكات التهريب لتعزيز الاستقرار في المنطقة".​

ولفت إلى أن "الأحداث الأخيرة في منطقة القصير يومي 16 و17 مارس 2025، والتي شهدت اشتباكات عنيفة أدت إلى مقتل ثلاثة جنود من وزارة الدفاع السورية، تؤكد أهمية هذا التعاون".

ورأى شعبان أن “الإجراءات العسكرية وحدها لن تكون كافية لمكافحة هذه الأعمال العدائية، بل يجب أن تتكامل مع إستراتيجيات شاملة”.

وأوضح أن هذه الإستراتيجيات يجب أن تستهدف "تفكيك هذه الشبكات تدريجيا ويشمل ذلك جمع المعلومات الدقيقة عن قادة شبكات التهريب، وفرض ملاحقات قانونية صارمة تتضمن عقوبات رادعة، والتوعية المجتمعية بمخاطر التهريب وانعكاساته السلبية على الاقتصاد والأمن المحلي".

وأردف قائلا: "يبقى تعزيز التعاون الأمني وتبني حلول دبلوماسية السبيل الأمثل لتحقيق استقرار مستدام في المنطقة".

ونوه شعبان إلى أن "حادثة مقتل ثلاثة من الجيش السوري بعد أن اخترقت مليشيات حزب الله الحدود في ريف حمص، تُظهر حجم التهديد الذي تمثله هذه المليشيات على الدولة السورية الجديدة".

وسبق أن تعهد الرئيس الشرع في 22 ديسمبر 2024، بأن بلاده لن تمارس بعد الآن نفوذا "سلبيا" في لبنان وستحترم سيادة هذا البلد المجاور. 

إلا أن تكرار الاشتباكات على طرفي الحدود بين سوريا ولبنان تشير وفق المراقبين إلى أن حزب الله “يحاول إعادة تأكيد وجوده في المناطق الحدودية التي كان يسيطر عليها ذات يوم”.

لا سيما أن الدولة السورية الجديدة باتت تنظر إلى حدود لبنان كجزء من إستراتيجية أوسع نطاقا "لاستعادة سيادة القانون" وتفكيك المؤسسات الإجرامية التي تشكلت على مدى عقد من الزمن.

وفي الوقت الراهن تتعزز المخاوف القادمة من الحدود اللبنانية تجاه سوريا، بعدما احتضن حزب الله فلول نظام الأسد البائد في بلدات لبنانية له نفوذ كبير فيها.

واتضح أخيرا أن هجوم ضباط وعناصر ومليشيات تتبع نظام الأسد المخلوع، في 6 مارس 2025 ضد الدولة السورية بمحافظتي طرطوس واللاذقية، كانت تسعى من خلفها إلى عزل الساحل، حيث عبر كثير من فلول الأسد من الحدود بشكل متزامن للمشاركة في الهجوم الذي تمكن الجيش السوري من إفشاله.

ولهذا يصر الجيش السوري على تعزيز حضوره على الحدود نتيجة ضعف سلطة الجيش اللبناني على طرف الحدود بسبب حالة التغول التي يفرضها حزب الله والذي اتضح تقديمه دعما لوجستيا لفلول الأسد في الأحداث الأخيرة.