بين فرنسا والصين.. ما أبعاد المعركة النووية الكبرى في إفريقيا؟

تحاول فرنسا استعادة نفوذها التقليدي في القارة الإفريقية
يتصاعد التنافس بين فرنسا والصين على النفوذ في قطاع الطاقة النووية بالقارة الإفريقية؛ حيث تسعى كلتا الدولتين لتعزيز وجودهما في هذه السوق الواعدة.
ونجحت الصين في التقدم بشكل ملحوظ، حيث وقعت اتفاقيات مع دول مثل نيجيريا لتطوير مشروعات نووية تشمل تصميم وبناء وتشغيل مفاعلات، وفق ما تقول صحيفة "جون أفريك" الفرنسية.
وفي المقابل، تحاول فرنسا استعادة نفوذها التقليدي في القارة الإفريقية بعد تراجع دورها في الدول الناطقة بالفرنسية.
ومع ذلك، تشير الصحيفة إلى أن الطرفين يواجهان تحديات كبيرة؛ لأن معظم الدول الإفريقية تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لدعم مشروعات نووية ضخمة، ما يجعل المفاعلات الصغيرة (SMRs) خيارا واعدا.
وبشكل عام تبرز أن المعركة على الطاقة النووية في إفريقيا لا تتعلق فقط بالمنافسة الاقتصادية، بل تعكس أيضا سباقا جيوسياسيا على النفوذ في القارة.

هيمنة صينية
خلال زيارته إلى نيجيريا في 9 يناير/ كانون الثاني 2025، أشاد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بالتعاون "الودي والقائم على المساواة" بين أبوجا وبكين.
وبصفتها الشريك التجاري الأول للقارة الإفريقية، تسعى الصين إلى جعل علاقتها مع نيجيريا نموذجا للشراكة "رابح - رابح" ومثالا يُحتذى به لشراكات "جنوب - جنوب".
وهنا، تشير الصحيفة الفرنسية إلى أن هذا التعاون لا يقتصر على المجالات التقليدية مثل البنية التحتية أو التجارة، حيث تُعد بكين المورد الأول للعملاق الإفريقي، بل يشمل أيضا مجال الطاقة النووية.
وخلال منتدى التعاون الصيني-الإفريقي “FOCAC” الذي انعقد ببكين في سبتمبر/ أيلول 2024، وقع الرئيس بولا تينوبو ونظيره شي جين بينغ بروتوكول تفاهم يهدف بشكل خاص إلى "تصميم وبناء وتشغيل وتحديث وصيانة وإخراج محطات الطاقة النووية من الخدمة".
ونيجيريا، البلد الأكثر اكتظاظا بالسكان في القارة الإفريقية بـ 233 مليون نسمة وحيث لا يحصل سوى 60.5 بالمئة من السكان على الكهرباء، عازمة على الاعتماد على الطاقة النووية بحلول عام 2030 لتلبية احتياجاتها من الطاقة.
وهذه الفرصة ذهبية لـ "المؤسسة الوطنية للطاقة النووية في الصين" (CNNC)، على حد وصف الصحيفة.
وهذه الأخيرة سيطرت على السوق العالمي للطاقة النووية من خلال إطلاق سبعة مشاريع مفاعلات في عام 2024، وذلك من أصل تسعة على مستوى العالم؛ أي ما يعادل 77 بالمئة.
وكدليل على هذه الهيمنة، رأى تقرير "حالة الصناعة النووية بالعالم"، الصادر في يناير/ كانون الثاني 2025، أن الاتجاهات العامة خلال السنوات الخمس الماضية لم تتغير.
وأردفت: "لقد أُطلق 40 مفاعلا نوويا على مستوى العالم، منها 26 -أي 62 بالمئةـ في الصين، ومفاعل واحد في باكستان بواسطة شركات صينية، و13 من قبل الصناعة النووية الروسية في مصر والهند وتركيا وعلى أراضيها (روسيا)".

قيد التشغيل
وبالحديث عن باريس، تلفت "جون أفريك" النظر إلى أن فرنسا، التي أنشأت المحطة النووية الوحيدة العاملة في القارة وبنتها شركة "EDF" في جنوب إفريقيا، كانت تتطلع أيضا إلى هذه السوق الإستراتيجية.
ومع تراجع نفوذها في عدة دول إفريقية ناطقة بالفرنسية، قد تتجه باريس نحو نيجيريا.
وهذا العملاق الاقتصادي في القارة، يمتلك قدرة كهربائية كافية -أكثر من 13 جيجاوات- لبناء مفاعل نووي تقليدي تتجاوز تكلفته 10 مليارات يورو.
ووفقا لمذكرة صادرة عن الإدارة العامة الفرنسية للخزانة، قد تستفيد الشركات الفرنسية مثل "Spie" و"EDF" و"Bouygues" و"Engie" و"Orano" من الطاقة النووية.
إذ تدرس اللجنة النيجيرية للطاقة الذرية "NAEC" حاليا مشروعا لبناء مفاعل نووي لإنتاج الكهرباء.
وتضيف المذكرة: حتى الآن، توجد المفاعلات النووية الوحيدة في مركز البحث والتدريب على الطاقة "CERT" في جامعة أحمدو بيلو في زاريا، وفي المركز التكنولوجي في أبوجا، وتُستخدم لأغراض بحثية.
ومقابل 1.5 مليون دولار، كانت الصين قد زودت أبوجا بالفعل، بأول مفاعل أبحاث بقوة 30 كيلوواط دخل الخدمة عام 2004، وهو ميزة أخرى تصب في صالح بكين، وفق الصحيفة.

في قلب المنافسة
وبخلاف حالة نيجيريا، تقول "جون أفريك": إن حوالي عشرين دولة إفريقية أعربت عن رغبتها في امتلاك مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء.
وهو ما أثار اهتمام جميع عمالقة القطاع، مثل "EDF" الفرنسية، و"CNNC" الصينية، و"Rosatom" الروسية.
ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من هذه الدول ليست قادرة على تنفيذ مثل هذا المشروع بسبب ضعف قدراتها الكهربائية، التي تقل عن 10 جيجاوات.
ووفقا لتقرير "حالة الصناعة النووية في العالم"، فإن أربعة بلدان فقط في القارة -إلى جانب جنوب إفريقيا ومصر- أصبحت قادرة حاليا على بناء مفاعل تقليدي بقدرة تتراوح بين 1000 - 1600 ميجاوات، وهذه البلدان هي نيجيريا والجزائر والمغرب وليبيا.
وبهذا الشأن، تقول إيمانويل غاليشيه، الباحثة والأستاذة في علوم وتكنولوجيا الطاقة النووية في المعهد الوطني للفنون والمهن "Cnam"، إن استخدام المفاعلات الصغيرة المعيارية "SMRs" سيكون الحل الأكثر قابلية للتنفيذ بالعديد من الدول الإفريقية.
وتتميز هذه المفاعلات بقدرة لا تتجاوز 300 ميجاوات، وهي أقل بكثير من قدرة المفاعلات التقليدية التي تصل إلى 1600 ميجاوات. ومع ذلك، فإن هذه التكنولوجيا متأخرة في فرنسا، كما تذكر الصحيفة.
وعلى الصعيد العالمي، لا يوجد حاليا سوى ثلاثة مفاعلات نووية عاملة تستوفي معايير المفاعلات الصغيرة المعيارية، اثنان منها متصلان بشبكة كهربائية في روسيا، والثالث بدأ تشغيله حديثا في الصين، وفقا لما ورد في تقرير صادر عن أكاديمية العلوم أكتوبر/ تشرين الأول 2022.
وفي النهاية، تؤكد الصحيفة أنه على الرغم من أن الانتشار الصناعي لهذه المفاعلات لن يحدث قبل عامي 2040 أو 2050، فإن المفاعلات الصغيرة المعيارية ستكون محور المعركة القادمة بين عمالقة الطاقة النووية.