لماذا لا يرد "حزب الله" على الانتهاكات الإسرائيلية ويختبئ وراء الدولة اللبنانية؟

إسماعيل يوسف | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

رغم إعلان إسرائيل استمرار احتلالها خمس نقاط إستراتيجية داخل لبنان على طول الحدود وبدء بناء قواعد بها، عقب انتهاء مهلة هدنة الحرب، لم يصدر رد فعل قوي من “حزب الله” كما كان معتادا منه على مدار العقدين الأخيرين.

الحزب اكتفى بتحذير ضعيف من الأمين العام نعيم قاسم، يوم 17 فبراير/ شباط 2025، أن الخطط الإسرائيلية للاحتفاظ بقوات في خمس نقاط في جنوب لبنان "من شأنها أن تنتهك الموعد النهائي المتفق عليه لمغادرة جميع القوات الإسرائيلية".

قال: "لا توجد أعذار، ولا خمس نقاط"، ولا تفاصيل إضافية، ولا مبررات تحت أي ذريعة أو عنوان، هذا هو الاتفاق"، لكنه لم يتوعد إسرائيل بالحرب مجددا.

واكتفى حزب الله بنقل المسؤولية عن تحرير أرض لبنان للدولة اللبنانية التي قال: إنه “يجب عليها أن تتخذ موقفا حازما وتقول لا، لأنه إذا بقيت إسرائيل في أي منطقة محتلة بعد ذلك التاريخ، فسوف تكون مخالفة للاتفاق”.

موقف الحزب عده محللون وسياسيون لبنانيون هروبا واختباء خلف الدولة اللبنانية لنقل الأزمة داخل الحزب إلى الدولة وتخوين الرئيس جوزيف عون ورئيس وزرائه نواف سلام.

لكن آخرين يرون أن الحزب مهتم حاليا بمرحلة تشييع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وقد يكون للحزب موقف مختلف ومعادلات يسعى إلى إرسائها.

رجحوا أن يكون من ضمن أهداف الحزب ترك الدولة اللبنانية تتفاوض، وقد تفشل في إنهاء الاحتلال، ما ينقل رسائل للبنانيين مستقبلا بأن حزب الله وحده هو القادر على حماية لبنان لا الجيش، وأن بقاء سلاح الحزب للدفاع عن الدولة أمر لا مفر منه.

الدولة والحزب

عقب انتهاء الحرب في لبنان، وتعيين رئيس جديد ورئيس وزراء، تتعارض أجندتهما مع أجندة حزب الله نسبيا، بدأت تظهر معالم تباينات وخلافات واضحة، في نهج الدولة اللبنانية ضد حزب الله لأول مرة منذ عقود.

(أولها)، عدم تضمن خطاب القسم للرئيس اللبناني، لأول مرة منذ أكثر من ربع قرن، مفردة "المقاومة"، التي كان كل رئيس سابق يشير لها، بصفتها نقطة قوة للدولة اللبنانية، بل وتأكيد الرئيس الجديد على "حق الدولة في احتكار حمل السلاح".

و(ثانيها): أسقط البيان الوزاري للحكومة الجديدة الإشارة إلى "دور المقاومة في الدفاع عن لبنان"، للمرة الأولي أيضا، وهي رسالة تشير إلى أن لبنان يتجه لنزع الشرعية عن دور حزب الله وسلاحه في الدفاع عن البلاد، ويؤسس لمرحلة ما بعد الحزب وداعميه (إيران).

و(ثالثها): كسر الجيش اللبناني، لأول مرة، معادلة تجنب الصدام مع حزب الله، عقب أزمة منع طائرات إيران من الهبوط في مطار بيروت، ووقوع اشتباكات بين الجيش وموالين للحزب أغلقوا الطرق للمطار، ومن ثم انهيار الثقة بينهما.

ومع هذا أشار الكاتب السياسي قاسم قصير، القريب من حزب الله، إلى أن "الحزب يقف خلف الدولة والجيش اللبناني، ولكن إذا استمر الاحتلال فالمقاومة حق طبيعي"، لكنه لم يحدد هل المقاومة ستكون باستئناف الحرب أم بأشكال أخرى.

وقال لصحيفة "الشرق الأوسط" السعودية في 18 فبراير، إن "شكل هذه المقاومة وأسلوبها (من جانب حزب الله مستقبلا) لم تتحدد"، وأن "لدى الحزب خيارات عديدة على الصعيد الميداني والسياسي والشعبي، ولكن ستُترك التفاصيل لوقت لاحق".

بالمقابل، يرى العميد اللبناني المتقاعد جورج نادر أن خيارات حزب الله "باتت ضيقة جداً"، مستبعداً لجوءه إلى الخيار العسكري؛ لأنه "فقد القدرة على خوض أي حرب بعد الضربات الإسرائيلية الكبيرة التي وجّهتها إليه إسرائيل".

وأوضح للصحيفة السعودية، أن “مشكلة حزب الله ليست عسكرية فقط بل سياسية تتمثل في عدم وجود حليف له على الأرض اللبنانية، وأقرب الحلفاء باتوا يتبرؤون منه، وبالتالي بات معزولا داخلياً وعربيا ودوليا”.

ويرى "نادر" أن قطع طريق طهران-بيروت براً بعد سقوط نظام الأسد، كما قطع الطريق جوا مع منع الطيران الإيراني من الهبوط في لبنان، جعلت احتمال خوض الحزب مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل أمرا مستبعدا جدا.

لكن "منير الربيع" رئيس تحرير جريدة "المدن" اللبنانية كتب في 22 فبراير، أن الإصرار الإسرائيلي على استمرار احتلال نقاط إستراتيجية في لبنان "حفّز حزب الله على التسلح".

وأكد أن استمرار احتلال أراضٍ لبنانية سيدفع حزب الله إلى "عدم الاستسلام وعدم الموافقة على حصر السلاح بيد الدولة، لا بل هو سيواصل كل محاولات تعزيز وضعيته العسكرية وقدراته".

وأوضح أنه قبل طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على لبنان، كانت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة حول تثبيت ترسيم الحدود البرية تدور حول 13 نقطة (حدود) عالقة، تمت معالجة 7 منها، فيما بقيت 6 نقاط مختلف عليها. 

وهذه النقاط الـ13 كلها احتلها الإسرائيليون خلال الحرب الحالية، وخرقوا القرار 1701، وحاليا، اخترع الإسرائيليون 5 نقاط جديدة داخل الأراضي اللبنانية تضاف إلى النقاط الـ 13.

ما يعني إعادة تغيير كاملة لآلية التفاوض حول عملية تثبيت الترسيم، ما يزيد من أهمية قوة سلاح حزب الله.

الحزب يرد الضربة

بعدما قرأ “حزب الله” المعطيات السياسية الجديدة التي ترتبت على حرب إسناده لغزة، وحاجته لفترة من الوقت للتعافي عسكريا وتنظيميا، يبدو أنه قرر الاختباء خلف الدولة اللبنانية.

فقرار عدم التدخل بقوة ضد احتلال إسرائيل أراضي لبنانية كما كان يفعل سابقا، جاء لإظهار ضعف الرئيس والحكومة وعجزهما عن حماية أراضي البلاد بدون حزب الله.

فلجأ الحزب إلى الهجوم على رموز الدولة، وتخوين رئيسي الجمهورية والحكومة، في مشهد يعكس تصاعد التوتر السياسي والأمني، حسبما رصد ذلك أكثر من كاتب لبناني.

وشن مناصرو الحزب حملة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي ضد "عون" و"نواف سلام".

وتجاوز أنصار الحزب النقد السياسي إلى التخوين، فاتهموا عون وسلام بـ"العمالة لإسرائيل" و"التبعية للخارج"، واصفين قراراتهما بـ "تنفيذ الأجندات الغربية"، بعد منع هبوط الطائرات الإيرانية في بيروت.

في منطقة الجرمق – العيشية بقضاء جزين، أقدم مناصرون للحزب على الاعتداء على نصب تذكاري لرئيس الجمهورية، وكتبوا عليه شعار حزب الله واسم أمينه العام الراحل حسن نصر الله، وفق صحف لبنانية.

لكن حزب الله أصدر بيانا لاحقا دان فيه الاعتداء، واصفا إياه بأنه "عمل فتنوي مشبوه"، داعيا إلى تفويت الفرصة على أي محاولات لزعزعة الاستقرار الداخلي.

الكاتبة "جوزفين ديب"، سعت عبر مقال في موقع "أساس ميديا" الليبرالي اللبناني في 16 فبراير أن تشرح للحزب أن ما يفعله أنصاره من تصعيد للتوتر في الشارع والصدام مع الجيش يضره، قائلة: “متى يصارح الحزب بيئته بأن موازين المنطقة تغيرت؟”

نقلت عن "مصادر مقربة من الحزب" أن تخبط أنصاره في الشارع يعود إلى أكثر من عامل مثل: انقطاع التواصل وسوؤه بين قيادات الحزب، وإدراكه أن خسارته الحرب ستحتم عليه القيام بتنازلات سياسية، وهو لا يريده بشكل فوري، وإنما هبوط بطيء.

إضافة إلى عدم قدرة الحزب على مواجهة حجم الخيبة لدى جمهوره، سواء بسبب نتيجة الحرب أو مجمل المتغيرات في لبنان، بعدما كان هذا الجمهور يعيش فائض القوة والقرار على مدى السنوات الماضية.، كما أثر في الحزب فقدان القيادة الصلبة والشخصية القوية لحسن نصر الله، الذي كان قادرا على إمساك الشارع وبيئة الحزب المحيطة به.

لكن الكاتب قاسم قصير يرى أن انفجار الشارع التابع لحزب الله ضد الدولة له أسباب أخرى، لأن الضغوط التي يتعرض لها قد تؤدي إلى أعمال عنف خارج الأطر السياسية والحزبية".

في أضعف حالاته

وتشير تقديرات سياسية وصحفية لبنانية إلى أن حزب الله وقيادته الراهنة يستشعرون الضعف الذي ألم بهم وحاجتهم لفترة ترميم طويلة.

ويُعتقد أن حرص حزب الله على إقامة "جنازة شعبية" تكريما لزعيمه السابق حسن نصر الله الذي قُتل في غارة إسرائيلية في 27 سبتمبر/أيلول 2024، محاولة لتعويض هذا الضعف لأن ذلك يحمل "رمزية سياسية كبيرة"، بحسب ما قال الصحفي اللبناني ألبير كوستانيان لوكالة الأنباء الفرنسية في 21 فبراير.

وقال: إنه "بعد الهزيمة المدوية التي تعرض لها الحزب، ها هو اليوم يريد أن يبين قوته ويؤكد أنه عائد أو على الأقل لا يزال في الميدان"، رغم أن الوضع في جنوب لبنان مهين بالنسبة لحزب الله، لكنه يزعم أنه خرج منتصرا من الحرب مع إسرائيل.

وضمن استثمار حالة الضعف التي يعاني منها الحزب، هددت إسرائيل ضمنا، عبر صحيفة "معاريف" الإسرائيلية يوم 19 فبراير، باستهداف جنازة نصر الله يوم 23 فبراير.

وقالت "معاريف" في تقرير: “لم تتم دعوة إسرائيل لحضور جنازة نصر الله فهل سيحضر سلاح الجو الإسرائيلي؟”

وتفاعلا مع ذلك سخرت قناة “إم تي في” اللبنانية المعارضة للحزب، من حالته، متسائلة: "هل تفعلها إسرائيل في يوم التشييع؟

وقبل هذه الأزمة بين الحزب والدولة اللبنانية كان الأول يحاول إعادة فرض نفوذه ومحاولة إحياء ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة"، سعيا إلى إعادة فرض نفسه شريكًا على قدم المساواة مع الدولة اللبنانية والجيش.

وكان يريد إدراج هذه الصيغة في البيان الوزاري الذي ستعده الحكومة الجديدة كما جرى العرف في الحكومات السابقة بالنص على دور "المقاومة"، لكن التطورات التي شهدتها العلاقة بينه وبين الدولة والجيش أظهرت ضعفه.

فلم يأت بيان الحكومة على ذكر ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة"، التي وضعت حزب الله على قدم المساواة مع الجيش اللبناني، ثم أكد كل من رئيس الجمهورية، جوزيف عون، ومجلس الوزراء برئاسة نواف سلام، "حق الدولة في احتكار حمل السلاح.

وهكذا، وبعدما كان يريد الاختباء خلف الدولة وهو بمظهر قوي، اضطر للاختباء خلف الدولة وهو في مظهر ضعف. 

وتشير دراسة لمركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، نشرت في 29 يناير/كانون الثاني 2025 إلى أن الحزب كان يرغب في زعزعة النظام السياسي الجديد الذي يحاول الأميركيون، والسعوديون، والفرنسيون خصوصا إرساءه. 

وادعى أن حزب الله لا ينوي السماح للرئيس بتحقيق أبرز وعوده، وهو تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح.

وفي هذا الإطار، أكدت صحيفة صنداي تايمز البريطانية، في 26 يناير، أن رئيس فرع مخابرات الجنوب في الجيش اللبناني سرب معلومات سرية إلى حزب الله من اجتماعات اللجنة الخماسية، التي تشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. 

وذكرت أنها اطلعت على "تقرير استخباراتي" يُفيد بأن الضابط المذكور، وهو من الجنوب، كان "واحدًا من بين عشرات الضباط في الجيش اللبناني الذين سربوا معلومات إلى حزب الله، وأعطوه تحذيرا مسبقا بشأن مداهمات لضبط سلاح الحزب في الجنوب.

وبسبب الخشية من صحة هذه الرواية (علما أن قيادة الجيش اللبناني نفت لاحقا ما أوردته الصحيفة)، سارع الرئيس عون في تعيين رجاله في مناصب إستراتيجية، كي يتمكن لبنان من تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701.

وسعى من خلال تشكيلة الحكومة الجديدة إلى إحكام سيطرته على الجيش والأجهزة الأمنية المحلية عبر اختيار أسماء لتولي حقيبتي الدفاع والداخلية، وهو ما ينزع من حزب الله المزيد من أوراق النفوذ التي كان يتمتع به.