عقب إسقاط الأسد.. كيف قارن عراقيون قيادة الشرع مع تجربتهم بعد عام 2003؟

يوسف العلي | منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

رغم أن التغيير أنهى حكم نظامين بعثيين داما عقودا من الزمن، فإن إسقاط النظام السوري برئاسة المخلوع بشار الأسد، عبر ثورة شعبية استمرت 13 عاما، يختلف عن الإطاحة بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين من خلال احتلال أميركي عام 2003.

اختلاف طريقة الإطاحة بالنظامين، من حيث الأدوات وطريقة تعامل الأطراف المعارضة مع السلطة السابقة ومؤسسات الدولة قبل تغيير الأنظمة خضعت لمقارنة الكثيرين، لا سيما المراقبين العراقيين الذين استحضروا تجربة العراق ما بعد 2003.

نقاط مقارنة

التغيير في سوريا أخذ مساحة واسعة من النقاش على وسائل الإعلام ومواقع التواصل في العراق، بخصوص ما حصل خلال الأيام الأولى لإسقاط النظام السوري الذي أدار البلاد لأكثر من نصف قرن، ارتكب خلالها أبشع الجرائم وحروب الإبادة ضد السوريين. 

وفي أولى صور المقارنة بين ما يجرى في سوريا حاليا وبين ما حصل في العراق بعد عام 2003، كانت طبيعة تعامل قوات العمليات العسكرية- التي تضم جميع فصائل المعارضة السورية- مع عناصر جيش النظام السوري السابق، عند السيطرة على المدن ومؤسسات الدولة.

وأظهرت العديد من مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الإفراج عن عناصر جيش النظام السوري السابق الذين أمسكتهم قوات العمليات المشتركة، وعبارة "اذهبوا فأنتم الطلقاء" وذلك بتوجيه من قائدها العام أحمد الشرع.

وكذلك، التزام الفصائل السورية بتوجيهات الشرع في عدم الانتقام أو استهداف أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد، سواء في العاصمة دمشق أو بمدينة اللاذقية الساحلية مسقط رأسه.

وعلى الصعيد الآخر، استذكر العراقيون كيف تعاملت الأحزاب والمليشيات التي تسلمت الحكم بعد احتلال العراق عام 2003، إذ بدأت باغتيال الطيارين الحربيين العراقيين، خصوصا الذين شاركوا في حرب الخليج الأولى (العراقية- الإيرانية)، إضافة إلى اغتيال الأكاديميين والكفاءات العلمية.

وتتهم مليشيات "بدر" التي تأسست في إيران بقيادة هادي العامري، وجماعات مسلحة أخرى مرتبطة بالسياسي الشيعي العراقي الراحل أحمد الجلبي، بالوقوف وراء تصفية الطيارين وضباط الجيش والعلماء في العراق.

وفي 10 ديسمبر/ كانون الأول 2010، ذكر تقرير نشره موقع قناة "آي. بي. سي" الأميركية أن "182 طيارا عراقيا قضوا على يد عملاء إيرانيين، وأن حملة الاغتيالات دفعت 800 منهم إلى الفرار خارج البلاد".

أما حملة الاغتيالات ضد علماء العراق؛ فقد أسفرت عن اغتيال 350 عالم ذرة بين عامي 2003 و2008، فضلا عن مقتل 200 أكاديمي في حين هاجر 17 ألف متخصص إلى عدة دول أبرزها أميركا، حسبما ذكر موقع "الساعة" العراقي في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

ومن الصور التي سلط الناشطون الضوء عليها، تحرير السجناء من سجون ومعتقلات النظام السوري، والحفاظ على مؤسسات الدولة بكل مفاصلها، ومنع حالات السلب والنهب والحرق.

وفي هذه النقطة تحديدا، استعاد العراقيون الذاكرة بخصوص إبلاغ المليشيات والأحزاب الحاكمة قوات الاحتلال الأميركي عن المقاومين، والمساهمة في قتلهم أو اعتقالهم، إضافة إلى حرق وتخريب مؤسسات الدولة بعد نهبها، والسماح بإشاعة فوضى في حمل السلاح.

ومع احتلال العراق على يد القوات الأميركية، انطلقت عمليات المقاومة التي كانت في أغلبها تنفذها فصائل سُنية، لا سيما في بغداد ومناطق غرب وشمال البلاد، والتي كانت قد شهدت عمليات مواجهة كبيرة وتدمير للمدن بالقصف الأميركي والاجتياح البري.

"روح التسامح"

وبخصوص ما حصل من فروقات بين ما جرى في سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد، وبين ما جرى في العراق بعد الاحتلال والإطاحة بنظام صدام حسين، يرى الباحث العراقي، نذير محمد، أن "العديد من الاعتبارات تقف وراء ما حصل في البلدين بعد زوال أنظمة شمولية حكمت مدة طويلة من الزمن".

وأوضح محمد لـ"الاستقلال" أن "المعارضة العراقية والتي كانت أغلبها شيعية وتقيم في الخارج لم تكن مظلومة، بل كانت على خلاف أيديولوجي أو سياسي، أو مذهبي وقومي، إضافة إلى المنافسة على الحكم، بينما المعارضة السورية جلها معارضة ظلم وقهر وحرمان".

وأضاف الباحث أن "المعارضة العراقية كانت انتقامية، ولذلك لن تجد لها مثيلا في معارضة تسقط بلدها وتطلق ذئاب العالم تنهش لحم أهلها، أضف إلى ذلك عقدة نقص على ثأر دفين مزعوم يمتد لأكثر من 1400 عام، للمكونات الشيعية".

وحسب محمد، فإنه "لن يعفو غير القوي ولن يسامح سوى الكريم وهذا ما حصل في سوريا. أما المعارضة العراقية فهي تفتقر للمكون الثوري فما بالنا بالخلق الحميد الذي اتصف به الثوار السوريون".

وعن مدى حصول فوضى في سوريا على غرار ما حصل في العراق بعد عام 2003، رد محمد قائلا: لا أعتقد ذلك، لن تصل لتلك المرحلة، إذا لم تتصرف عناصر (هيئة التحرير) تصرفا يحسب عليهم ويجعل العالم يكرههم".

وأردف: "الشعب السوري شعب واعٍ ومثقف، وإذا استمر السلام الحالي حتى تشكيل حكومة- ولو مؤقتة- من أجل كتابة دستور جديد للبلاد، فمن الممكن النجاة والخروج من هذه المحنة سريعا وبلا دماء".

وشدد محمد على أن "الخشية كل الخشية من طمع المسلح عندما يتسلم زمام أمور الدولة، لأنه بالعادة المقاوم المواطن- ليس الثوري- لا يكون مثقفا أو مهيأ لتسليم سلطة، لكننا نأمل أن يكون الوازع هو الدين، وإلا فمن الممكن الاستئثار بالسلطة ولو بجزء منها".

وأضاف الباحث العراقي قائلا: "الحصيف الكيّس يستفيد من دروس العراق، لكن من يغريه الإعلام والتطبيل، يخدع نفسه. خصوصا أنهم تحرروا من إيران وهي ليست دولة مجاورة لهم، وتركيا الدولة الجارة لهم تتعاطى معهم بإيجابية".

ولفت إلى أن "الظروف كانت مهيأة لإنقاذ سوريا من نظام مجرم والتخلص من جميع حلفائه من الإيرانيين ومليشياتها، وبالتالي هزيمة المحور الإيراني في المنطقة". 

"رجل دولة"

الإعجاب بالإدارة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، كان سريعا من وسائل إعلام عراقية ومحللين سياسيين عراقيين، وخصوصا حديث الأخير عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وحلّ الفصائل المسلحة، وإدارة البلاد بعقلية الدولة وليس الثورة.

وكتب الإعلامي العراقي، المذيع في قناة "العراقية" الرسمية صالح الحمداني تدوينة على منصة "إكس" في 21 ديسمبر، قال فيها: "الخطوات في سوريا متسارعة، وصلوا في أسبوعين إلى ما لم نصل إليه في 20 سنة في العراق".

وعلى ضوء هذه التدوينة التي حذفها لاحقا، أصدرت رئاسة شبكة الإعلام العراقي الرسمي قرارا بـ"إنهاء خدمات الحمداني من العمل في الشبكة لمخالفته المادة 5 منها، التي تنص على تعزيز ودعم المبادئ والممارسات الديمقراطية وتشجيع تقبل الرأي الآخر وثقافة التسامح".

ومثل هذه التدوينة كتب رئيس التحرير السابق لصحيفة "الصباح" العراقية الرسمية، فلاح المشعل على "إكس" في 21 ديسمبر، قائلا: "يوم بعد آخر، وخطاب بعد خطاب، يتسم بالاعتدال والوسطية وروح المواطنة والسلام، يثبت أحمد الشرع كونه رجل دولة، ومستقبل وحدة سوريا ينعقد بين يديه".

لكن المشعل الذي يشغل حاليا منصب مستشار في شبكة الإعلام العراقي، شطب التدوينة بعد هجوم شن عليه من شخصيات عراقية قريبة من إيران، وتمثل ما يسمى "محور المقاومة"، والتي طالبته بأن يغادر العراق ويذهب إلى سوريا إذا كان معجبا بإدارتها الحالية.

وقبل ذلك، تساءل إبراهيم الصميدعي المستشار السياسي لرئيس الحكومة العراقية، قائلا: "لماذا يسبقنا السوريون في حل فصائلهم المسلحة بينما نبقى نحن في العراق معاندين للإرادة الدولية ونُبقي الديمقراطية عندنا مشوبة بالسلاح ومتهمة بالمليشيات؟! لذلك علينا مراجعة أنفسنا".

وأضاف الصميدعي خلال مقابلة تلفزيونية في 17 ديسمبر، أنه "ليس من مصلحتنا ولا من مصلحة الفصائل المسلحة ذاتها في العراق معاندة الإرادة الدولية؛ لأن الأخيرة لن تصبر بعد لمدة 20 سنة أخرى، فإما أن تضغط بأدوات عسكرية مباشرة أو تضغط على الدولة من خلال أدوات سياسية واقتصادية".

وأكد أن مسألة حلّ الفصائل "ليست جديدة، بل هي اشتراط قديم فرضته الولايات المتحدة والدول الغربية على جميع الحكومات العراقية السابقة"، لافتا إلى أن حلها "سيُفرض هذه المرة بشكل مختلف، إن لم نستجب له طواعية وبإرادتنا، وقد يُفرض علينا من الخارج وبالقوة".

وشدد على ضرورة الذهاب إلى "المراجعة؛ فلا يمكن للعراق أن يبقى نصلا لمحور المقاومة بعد سقوط نظام الأسد وتراجع (حزب الله) في لبنان. علينا اليوم، ومن منطلق مسؤوليتنا الذاتية، مع الفصائل، أن نعيد التفكير في مسألة المبادرة إلى حلّ الأخيرة ودمجها في الوضع السياسي".

وبعد التصريحات المثيرة والصريحة لمستشار السوداني، أصدر مكتب رئيس الحكومة العراقية بيانا في 18 ديسمبر، حاول التبرؤ مما أدلى به الصميدعي، واصفا إياه بأنه اجتهادات وآراء شخصية لا تمثل الحكومة.

ووجه السوداني بعدم ظهور المستشارين والتصريح لوسائل الإعلام إلَّا بموافقة رسمية، مخيرهم بين الاستمرار في العمل الرسمي، أو التنازل عن مناصبهم ومواقعهم الاستشارية، وبالتالي تكون لهم حرية الإدلاء بالتصريحات التي تعبر عن آرائهم الشخصية، وفق البيان.