بعد ملء شغور التعيينات.. ما التحديات التي تواجه قائد جيش لبنان الجديد؟

منذ ١٤ يومًا

12

طباعة

مشاركة

شكّل صدور التعيينات العسكرية والأمنية الجديدة والمنتظرة في لبنان حالة من الارتياح في الأوساط السياسية في ظل إيلاء الدولة اللبنانية الأولوية للملف الأمني.

فقد عيّن مجلس الوزراء اللبناني في 13 مارس/ آذار 2025 عددا من مسؤولي الأجهزة الأمنية الرئيسة في البلاد، أبرزها قيادة الجيش.

وتم تعيين كل من العميد رودولف هيكل قائدا للجيش، والعميد حسن شقير مديرا عاما للأمن العام، العميد إدغار لاوندس مديرا عاما لأمن الدولة، والعميد رائد عبدالله مديرا عاما لقوى الأمن الداخلي، بعد ترفيعهم إلى رتبة لواء، فضلا عن تعيين العميد مرشد الحاج سليمان نائبا لمدير عام أمن الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن التعيينات الأمنية تعد نقطة في بحر الشغور الواسع الممتد على مساحة مئات من المراكز الوظيفية من كل الفئات، حيث هناك 47 مركزا شاغرا في الفئة الأولى. 

أما سائر الفئات فمن أصل 600 مركز وظيفي في الفئتين الثانية والثالثة، هناك ما يزيد على 270 مركزا شاغرا.

مرحلة حرجة

وقال وزير الإعلام اللبناني بول مرقص: إن "التعيينات في الجيش والأمن كانت وفق الخبرات والكفاءة"، في بلد يقوم نظامه على المحاصصة السياسية والطائفية ويعود منصب قائد الجيش فيه للطائفة المارونية المسيحية.

وتدرج هيكل (56 عاما) في مناصب عدة في الجيش حتى تعيينه مديرا للعمليات فيه في يونيو 2024، كما تولى في مارس 2023 مهمة قيادة منطقة جنوبي الليطاني الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان وهي المنطقة حيث يعزز الجيش اللبناني انتشاره منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف النار بين حزب الله وإسرائيل في 27 نوفمبر 2024.

ويعد هيكل مقربا من الرئيس الجديد للبنان جوزيف عون الذي كان قائدا للجيش من 8 مارس 2017 حتى التاسع من يناير 2025.

ويعد هيكل من القادة العسكريين الأكثر اطلاعا على الوضع الميداني في جنوب لبنان والمنطقة الحدودية مع إسرائيل، انطلاقا من مسؤولياته السابقة.

ولهذا فإن المهمة الكبرى التي تواجه الجيش اللبناني في الوقت هي استكمال الوحدات العسكرية الانتشار في جميع البلدات الحدودية الجنوبية للإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل الذي ما يزال يشهد خروقات إسرائيلية متكررة.

 ونص الاتفاق على سحب العدو الإسرائيلي قواته من جنوب لبنان وانسحاب حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، أي على بُعد نحو ثلاثين كيلومترا من الحدود، مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة "يونيفيل" في المنطقة.

إلا أنه مع انقضاء المهلة الممدّدة لإنجاز الانسحاب الإسرائيلي في 18 فبراير 2025، أبقى الاحتلال على قواته في خمس مرتفعات إستراتيجية تخولها الإشراف على مساحات واسعة على جانبي الحدود، مما يعقد مهمة الجيش اللبناني ويزيد من حدة التصادمات مستقبلا.

وأمام ذلك، فقد أعلنت نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس في 13 مارس 2025 عن العمل دبلوماسيا مع لبنان وإسرائيل من خلال ثلاث مجموعات عمل لحل الملفات العالقة بين البلدين، من بينها الانسحاب من النقاط الخمس.

وبدا واضحا، أن التعنت الإسرائيلي في جنوب لبنان ومراوغته في الانسحاب من النقاط هناك، فرض وفق الخبراء زيادة في المهام العسكرية على الجيش اللبناني الذي يشترط على السكان الذين هجرهم القصف الإسرائيلي عدم التوجه نحو القرى التي لم ينتشر فيها.

ولهذا ولمواجهة هذا التحدي وافق مجلس الوزراء في 13 مارس 2025 على طلب وزارة الدفاع اللبنانية استكمال تنفيذ تطويع 4500 جندي على ثلاث مراحل  لصالح الوحدات العسكرية المنتشرة في الجنوب.

إذ تواجه كذلك الجيش مهمة إزالة خطر الذخائر غير المنفجرة من مخلفات العدو الإسرائيلي، وهو الإجراء اللازم للحفاظ على سلامة العائدين إلى بيوتهم.

وينصّ وقف إطلاق النار على نشر الجيش اللبناني عشرة آلاف جندي على طول الشريط اللبناني جنوب نهر الليطاني، بالتزامن مع انسحاب إسرائيل وحزب الله.

 وقد أشار محللون أمنيون إلى أن الانقسام المجتمعي والسياسي الشديد في لبنان حال دون اكتساب الجيش اللبناني نفوذا كبيرا، مشيرين إلى أنه ظل قوة ضعيفة نسبيا، لا سيما بالمقارنة مع حزب الله، قبل إضعافه في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل.

إذ كان ينظر إلى الجيش اللبناني كقوة يجب أن تبقى مكافئة أو أقوى من حزب الله الذي يبلغ عدد مقاتليه مئة ألف في لبنان، وهو رقم يماثل عدد قوات الجيش.

ويستقطب الجيش اللبناني مجندين من مختلف الطوائف اللبنانية، بما في ذلك الشيعة والسنة والمسيحيين. 

بينما يبلغ عدد قوى الأمن الداخلي حوالي 20 ألف عنصر، أما القوات الجوية والبحرية، فيبلغ عدد أفراد كل منهما أقل من ألفي عنصر.

وعانت القوات المسلحة اللبنانية منذ فترة طويلة من موارد محدودة لعمليات الدفاع التقليدية، وتركز في المقام الأول على توفير الأمن الداخلي.

ضبط الحدود

على الرغم من نقائصه لا يزال الجيش اللبناني المؤسسة العامة الأكثر ثقة في لبنان حيث يثق حوالي 90 بالمئة من اللبنانيين به، وفقا لاستطلاعات رأي حديثة.

 وتنظر الولايات المتحدة إلى الجيش اللبناني متعدد الطوائف كقوة موازنة محتملة لحزب الله، وقد قدمت له مساعدات بنحو 3 مليارات دولار منذ عام 2006.

وتعهدت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون بتقديم المزيد من التمويل للجيش اللبناني في الأسابيع الأخيرة، على أمل أن تُؤمن قواته منطقة الحدود الجنوبية للبنان بما يتماشى مع التزاماتها بموجب وقف إطلاق النار.

كذلك يجتهد الجيش اللبناني عقب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 على ضبط الحدود من طرفه اللبناني، حيث تشكل التطورات الجارية في سوريا تحديات إضافية للأمن الوطني.

لا سيما مع شن الدولة السورية الجديدة عمليات أمنية متكررة لملاحقة فلول الأسد ومهربي المخدرات الذين كانوا يهيمنون على طرق تهريب بين البلدين قبل سقوط الأسد.

والتقى الرئيس اللبناني جوزيف عون في القاهرة 5 مارس 2025 الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع على هامش القمة العربية بشأن غزة، وفق الرئاسة اللبنانية التي أشارت إلى أن الزعيمين شددا على "ضرورة" ضبط الحدود بين البلدين.

ويتشارك لبنان وسوريا حدودا بطول 330 كيلومترا غير مرسمة في أجزاء كبيرة منها خصوصا في شمال شرق البلاد مما جعلها منطقة سهلة للاختراق من جانب مهربين أو صيادين أو حتى لاجئين.

لا سيما أن المناطق الحدودية السورية مع لبنان في ريف حمص، وفي قرى ذات غالبية شيعية يقطن بعضها لبنانيون، شكلت قبيل سقوط الأسد محطة لوجستية مهمة لحزب الله إن على صعيد نقل المقاتلين أو إقامة مخازن للأسلحة؛ إذ يريد الجيش اللبناني إعادة الإمساك بالحدود، وقطع الطريق على إسرائيل التي ما تزال تنفذ قصفا على الحدود اللبنانية السورية بهدف منع حزب الله من تهريب أسلحة.

يشير موقع "جنوبية" المحلي إلى أنه إذا كانت التعيينات الأمنية والعسكرية الجديدة قد خلفت ارتياحا لدى عموم اللبنانيين، فان البارز كان مطالبة وزراء القوات اللبنانية بضرورة وضع روزنامة لسحب سلاح حزب الله، واقترحوا أن تكون المدة ستة أشهر، واللافت أن هذا الاقتراح لم يعترض عليه سوى أحد وزراء الثنائي الشيعي، ولم يسجل عليه الوزراء الآخرون أي تحفظ، وفق الموقع؛ إذ إنه بعد نيل حكومة نواف سلام الثقة، في 25 فبراير/شباط 2025، قال رئيس الجمهورية اللبناني، جوزيف عون، خلال مقابلة صحفية، إنه "إذا أردنا أن نتحدث عن مفهوم السيادة، فمفهومها حصر قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة، واحتكار السلاح أو حصر السلاح بيد الدولة". 

وسبق لزعيم حزب الله حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل في 27 سبتمبر/ أيلول 2024 أن قال صراحة في 24 يونيو/حزيران 2016، إن "موازنة الحزب ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه تأتي من إيران".

إلا أن تقرير "مجموعة الأزمات الدولية" خلال تقرير لها في 27 فبراير/شباط 2025، قال: إن "محاولة فرض نزع سلاح حزب الله بالقوة لن تكون ناجحة، ومن غير المرجح أن يرضخ الحزب لمثل هذه الضغوط".

استقرار داخلي

وأمام ذلك، فإنه يُفترض أن يُفكّك الجيش اللبناني جميع البنى التحتية العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان، وأن يبقى القوة الأمنية الوحيدة هناك.

ويبقى هذا التحدي الأكبر أمام الجيش اللبناني لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 27 نوفمبر 2024 بين لبنان وإسرائيل، لكون الاحتلال ما يزال يبحث عن ذرائع للبقاء في بلدات الجنوب اللبناني.

إلى جانب الأمن الإقليمي، ينبغي على الجيش اللبناني أيضا معالجة مسألة الاستقرار الداخلي، لا سيما مع استمرار تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان. فقد أثّر الانخفاض الحاد في قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار بشكل كبير على رواتب العسكريين، مما وضع ضغوطا هائلة على الجنود والضباط. 

إذ يبلغ راتب الجندي اللبناني من الدرجة الأولى 24,535,200 ليرة لبنانية مع أساس راتب 982,000 ليرة لبنانية أي ما يوازي 274 دولارا بعد أن كان يتقاضى ما يوازي 786 دولارا قبل الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2019.

 مما يعني أن قدرته الشرائية تراجعت بنسبة 65 بالمئة دون احتساب التراجع في القدرة الشرائية الناتجة عن التلاعب بالأسعار والتضخم واللذين قضما نسبة كبيرة من القدرة الشرائية المتبقية.

وكلفة المعيشة الشهرية لأسرة لبنانية تعيش بعيدا عن المدن، تحتاج بالحد الأدنى إلى ما لا يقل عن 650 دولارا أميركيا لإكفاء حاجاتها الأساسية. وتتخطى هذه الكلفة الـ 900 دولار أميركي في حال كانت الأسرة تعيش في ضواحي المدن.

وتسهم في الوقت الراهن المساعدات الأميركية والقطرية (12 دفعة آخرها في شهر يناير 2024) بمئة دولار شهرية لكل عنصر في الجيش للتخفيف من وطأة الأزمة.

وقد أعلن الجيش اللبناني، في 9 مارس 2025 تسلم الشحنة الأولى من هبة الوقود من دولة قطر عن عام 2025.

وقال الجيش اللبناني في بيان: إن هذه الهبة ضمن "إطار المبادرات المشكورة التي تقوم بها دولة قطر لدعم قدرات المؤسسة العسكرية لمواجهة الصعوبات في المرحلة الراهنة".

وفي 17 سبتمبر 2024 قدمت دولة قطر منحة مالية بقيمة 15 مليون دولار لدعم الجيش اللبناني، مُخصصة لتأمين الوقود لـ3 أشهر.

وحصل الجيش اللبناني في يوليو 2024، على منحة مالية بقيمة 20 مليون دولار، مقدّمة من أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني.

 وتعد الولايات المتحدة أكبر جهة مانحة للجيش اللبناني؛ بما يزيد على 2.5 مليار دولار من المساعدات منذ 2006.

ومن الواضح أن الدعم الأميركي حوّل الجيش اللبناني من قوة ضعيفة إلى جيش محترف وكفء، وفقا لشهادة علنية صادرة عن القيادة العسكرية الأميركية.