"عواقب خطيرة".. كيف وجهت دول الساحل الإفريقي ضربة اقتصادية للغرب؟

منذ ٢٠ ساعة

12

طباعة

مشاركة

على ضوء التحولات السياسية في دول غرب إفريقيا، رأت تحليلات أوروبية أن ثلاث دول تحت قيادة عسكرية -مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تنتهج “مسارا مناهضا” للغرب بشكل جذري.

وحذر تقرير لموقع "دويتشه فيله" الألماني من "عواقب وخيمة" على إمدادات أوروبا من المواد الخام التي تتمتع بها تلك الدول، خاصة مادة الليثيوم التي "تحتاجها أوروبا بشكل عاجل".

فيما برزت الصين وروسيا في المقابل كلاعبين مؤثرين "ليفوزا في السباق الإفريقي"، عبر شراكات اقتصادية كبرى مع دول الساحل.

احتياطات هائلة

وأشار الموقع الألماني إلى أن دولة مالي تمكنت عبر الاكتشافات الجديدة في المواد الخام الأساسية في مجال الطاقة، من أن تصبح "في وضع قوي مستقبلا".

فبعد وقت قصير من بدء منجم الليثيوم الإنتاج في ديسمبر/ كانون الأول 2024، أعلن منجم آخر عن بدء إنتاج الليثيوم منتصف فبراير/ شباط 2025.

ووفق الموقع، يعد هذا المنجم "إضافة أخرى إلى قائمة الموارد المعدنية، والتي يوجد الكثير منها في دول الساحل في مالي والنيجر وبوركينا فاسو".

وتتمتع البلدان الثلاثة باحتياطات هائلة من المواد الخام، فتمتلك النيجر احتياطات كبيرة من اليورانيوم والقصدير والنفط والفوسفات، بينما تمتلك بوركينا فاسو النحاس والزنك، وتوجد في مالي عدة حقول نفطية لم يتم تطويرها من قبل.

ويتربع الليثيوم على عرش هذه المواد الخام بملايين الأطنان، وترقد في باطن الأرض بمالي بانتظار من يستخرجها.

ويعد الليثيوم "موردا حيويا لإنتاج البطاريات، تحتاجه أوروبا بشدة لتطوير صناعتها وتأمين إمدادات الطاقة"، وفق "دويتشه فيله".

وأوضح الموقع أن "هذه الدول الثلاث، على وجه التحديد، تبنت في الآونة الأخيرة نهجا مناهضا للغرب، لا سيما ضد القوة الاستعمارية السابقة، فرنسا".

فبعد الانقلابات التي شهدتها تلك الدول بين عامي 2020 و2023، أصبحت جميعها تحت حكم عسكري، وفي إطار سعيها للتحرر من شركائها القدامى وتجاوز العقوبات، انسحبت أيضا من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) وأسست تحالفا خاصا بها تحت اسم "تحالف دول الساحل".

وبحسب مدير مركز أبحاث منطقة الساحل، سيديكي أبا، "فلطالما كان لدى هذه الدول رغبة قوية في تنويع علاقاتها الدولية".

وأضاف لـ"دويتشه فيله" أن "العلاقات الاقتصادية مع الغرب لم تكن متكافئة حتى بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية".

وأردف: "كانت الدول الغربية هي التي تحدد الشروط بشكل أحادي، فمثلا هي من كانت تضع أسعار الموارد التي تشتريها من الدول الإفريقية، وقد عد ذلك في إفريقيا أمرا مجحفا".

أما اليوم، فيرى الباحث المنحدر من النيجر أن "الزمن قد تغير، فقد وجدت الدول الإفريقية مشترين آخرين لمواردها، من بينهم الصين وتركيا وروسيا، وأصبح الأفارقة أكثر ثقة بالنفس، وهم يطالبون بعلاقات تحقق المنفعة المتبادلة للطرفين"،

من جانبه، يرى مدير برنامج الساحل في مؤسسة "كونراد أديناور"، أولف ليسينج، أن "على الغرب أن يستعد لاستمرار هذا التوجه المناهض له في المستقبل المنظور".

وأضاف للموقع الألماني: "لا أعتقد أن مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو ستعود إلى مجموعة إيكواس قريبا، فالقادة العسكريون يعدون التحالف الجديد جزءا من سيادتهم وشرعيتهم".

اللاعب الصيني

"والتقطت الصين هذه الإشارات الجديدة بوضوح؛ حيث سارعت شركاتها الحكومية إلى اغتنام كل الفرص المتاحة، لا سيما فيما يتعلق باستغلال المورد الثمين الليثيوم"، يقول “دويتشه فيله”.

وتابع: "في ديسمبر/ كانون الثاني 2024، افتتحت الشركة الحكومية الصينية جانفينج منجم جولامينا لليثيوم في جنوب مالي".

واستطرد: "من المتوقع أن ينتج المنجم سنويا 500 ألف طن من مركّز الإسبودومين، وهو أحد المصادر الرئيسة لاستخراج الليثيوم، وذلك على مدى الـ23 عاما المقبلة".

وتحصل الحكومة المالية على 30 بالمئة من أسهم المنجم، بينما يحصل مستثمرون محليون ماليون على 5 بالمئة أخرى، مما يبقي 65 بالمئة من الأسهم مع شركة جانفينج.

وبحسب الموقع، فقد أكدت الشركة "التزامها الصارم بالقانون التعديني الجديد الذي أقرته حكومة مالي عام 2023، والذي يهدف إلى تعزيز مشاركة الدولة في المشاريع التعدينية الإستراتيجية".

وينص القانون التعديني، الذي أقره المجلس العسكري الحاكم، على أن تستفيد الشركات المالية من 51 بالمئة على الأقل من عقود التوريد، بالإضافة إلى تخصيص جزء من عائدات المنجم لتمويل مشاريع البنية التحتية المحلية.

وأوضح الموقع أن العائدات السنوية لمنجم جانفينج "تقدر بأكثر من 150 مليون يورو، لذا لم يكن مفاجئا أن يصف رئيس المجلس العسكري، آسيمي غويتا، افتتاح المنجم بأنه (شراكة إستراتيجية وصادقة)".

ويرى أن الصينيين "أدركوا إمكانات إفريقيا في إنتاج الليثيوم منذ وقت مبكر، ففي بداية عام 2023، صرح رئيس شركة جانفينج، وانغ شياو شين: نعتقد أن إفريقيا ستوفر الفرصة الجيدة التالية لأعمال الليثيوم".

ووفق الموقع، يعد منجم الليثيوم "جولامينا" في مالي سادس أكبر مشروع لليثيوم في إفريقيا، ويقع أكبر مشروعين لليثيوم بالقارة في زيمبابوي، بينما يقع ثالث ورابع أكبر مشروعين لليثيوم في الكونغو الديمقراطية، بينما خامس أكبر مشروع في جنوب إفريقيا.

وأشار إلى أن "الصين وروسيا أطلقا مشاريع للتعدين في جميع أنحاء إفريقيا منذ سنوات، إذ يبدو الاتجاه واضحا؛ فالشركات الغربية تُدفع للخروج من السوق، في حين يُدعى لاعبون من مناطق أخرى من العالم للوجود والاستثمار".

طرد الغرب

واستعرض الموقع بعضا من مظاهر طرد الشركات الغربية من قبل الدول الإفريقية، ففي النيجر، سحب الحكام العسكريون في يونيو/ حزيران 2024 رخصة التعدين لشركة أورانو الفرنسية المملوكة للدولة في منجم إيمورارين، وهو أحد أكبر مناجم اليورانيوم في العالم. 

وبحسبه، "هناك تكهنات بأن النيجر قد تسحب أيضا الترخيص الفرنسي لمنجم اليورانيوم سومير، شمال منطقة أغاديز، في أي وقت".

يُذكر أن "منجم إيمورارين وفر أخيرا ما يقرب من 10 بالمئة من احتياجات فرنسا من اليورانيوم، ونحو 25 بالمئة من احتياجات أوروبا الغربية من اليورانيوم"، كما أورد الموقع.

ويقول الباحث في مؤسسة "كونراد أديناور"، أولف ليسينج، للموقع الألماني: إن "شحنات اليورانيوم من النيجر أصبحت محدودة للغاية منذ الانقلاب العسكري".

وأوضح أن "الحدود مع بنين مغلقة حاليا، مما يعني أنه لا يمكن تصدير اليورانيوم في الوقت الحالي، حيث إن ميناء كوتونو في بنين هو الوحيد المرخص له بذلك، لكنه مغلق أمام المنتجات النيجيرية منذ انسحاب النيجر من مجموعة إيكواس".

وقال الموقع: إن “الوضع في بوركينا فاسو لا يختلف كثيرا”.

واستطرد: "فقد أعلن الرئيس إبراهيم تراوري أخيرا أن موارد بلاده لن تُستغل بسهولة بعد الآن من قبل التكتلات الأجنبية، وتحديدا الغربية، وهدد بسحب التراخيص بشكل كامل من شركات التعدين الغربية".

وفي أغسطس/ آب 2024، أمّمت حكومته منجمي بونغو وواهجنيون، التي كانت تديرها شركة إنديفور ماينينج البريطانية، مشددا على أنه "يريد أن تكون صناعة التعدين تحت السيطرة البوركينابية".

بدوره، يقول سيديكي أبا، من مركز أبحاث منطقة الساحل في باريس: "لن نعود أبدا إلى علاقات تكون فيها إحدى الجهتين مهيمنة".

مع ذلك، يرى أبا أن الغرب "لم يفقد الفرصة بالكامل بعد، فهناك مزايا لا يزال يتمتع بها في دول الساحل، يمكنه استغلالها لصالحه في المستقبل، مثل الروابط الثقافية واللغوية والتاريخية العميقة".

وأوضح الموقع أن أولف ليسينج، مدير برنامج الساحل في مؤسسة كونراد أديناور، يتفق مع هذا الطرح، مشيرا إلى "وجود بعض التقارب مجددا بين مالي والاتحاد الأوروبي".

فقد قام الاتحاد الأوروبي بتمديد بعثته التدريبية للشرطة "EUCAP Sahel" لعامين إضافيين، كما بدأت بعض الزيارات المتبادلة بين الجانبين.

وأضاف: "أعتقد أن مالي وباقي دول الساحل أدركت أنها لا تستطيع الاستغناء تماما عن التعاون مع أوروبا"، مشددا على "أهمية استمرار الاتحاد الأوروبي في التواصل مع دول تحالف الساحل، لما لذلك من أهمية إستراتيجية لكلا الطرفين".