"ممثل وديكتاتور".. كيف دخل ترامب في مواجهة شرسة ضد زيلينسكي لأجل بوتين؟

يوسف العلي | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

في تحوّل مفاجئ، شن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هجوما غير مسبوق على نظيره الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وذلك في سياسة مغايرة عن مسار الدولة الأميركية الداعم لكييف بالأموال والسلاح في حربها ضد موسكو.

هجوم ترامب الشديد على زيلينسكي، أثار تساؤلات عن تداعيات تحوُّل الموقف الأميركي من أوكرانيا بعدما كانت من أشدّ الداعمين لها ضد روسيا، وهل تنجح السياسة الضاغطة التي يتخذها ترامب ضد زيلينسكي في إنهاء الحرب؟

هجوم عاصف

في جولتين شديدتين، هاجم ترامب خلال تصريحات مطولة في 19 فبراير/ شباط 2025، الرئيس الأوكراني، ووصفه بأنه "دكتاتور بدون انتخابات"، ومن الأفضل أن يتحرك بسرعة للتفاوض على إنهاء الحرب الروسية ضد بلاده، وإلا فإنه قد يخاطر بعدم امتلاك دولة ليحكمها.

وقال ترامب: "تخيّلوا، ممثل كوميدي ناجح بشكل متواضع، فولوديمير زيلينسكي، أقنع الولايات المتحدة بإنفاق 350 مليار دولار لخوض حرب لم يكن بالإمكان الانتصار فيها، ولم يكن ينبغي أن تبدأ أبدا، لكنها حرب لن يتمكن من تسويتها أبدا دون الولايات المتحدة وترامب".

وتابع: "زيلينسكي اعترف بأن نصف الأموال التي أرسلناها له مفقودة. يرفض إجراء انتخابات، وتأييده منخفض جدا في استطلاعات الرأي الأوكرانية، وكل ما كان جيدا فيه هو أنه تلاعب ببايدن".

ووصف ترامب، الرئيس الأوكراني، بأنه "دكتاتور بدون انتخابات، وعلى زيلينسكي أن يتحرك بسرعة أو لن يكون لديه بلد ليحكمه. أنا أحب أوكرانيا، لكن الأخير قام بعمل سيئ جدا، وبلاده محطمة، وملايين الأشخاص قتلوا دون داعٍ، ولا تزال الحرب مستمرة".

وانتقد ترامب تعامل كييف بوقاحة مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال زيارته الأولى لأوكرانيا، متهما أوكرانيا بتعطيل اتفاق يضمن الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة مقابل المساعدات المالية والعسكرية الأميركية.

ووفقا لترامب، "قالوا له كان زيلينسكي نائما وغير متاح لمقابلته. سافر لساعات عديدة في القطار، وهي رحلة خطيرة، ونحن نتحدث عن وزير الخزانة. ذهب إلى هناك للحصول على وثيقة موقعة، وعندما وصل هناك عاد بدونها. لم يوقعوا على الوثيقة".

وقبل ذلك، وخلال اليوم نفسه قال ترامب: إن "زيلينسكي رئيس غير كفء مطلقا، وتصدر عنه أقوال سخيفة، وقيادته سمحت باستمرار الحرب. إن شعبية متدنية والبلد مُدَمَّر، وإجراء الانتخابات في أوكرانيا ليس شيء آتٍ من روسيا.. إنه آتٍ منّي ومن العديد من البلدان".

وجاءت انتقادات الرئيس الأميركي لزيلينسكي، بعدما اتهم الأخير ترامب بأنه وقع في "مساحة من التضليل"، قائلا: إنه يأمل أن يحصل فريق ترامب على فهم أوضح لما أسماه "الحقيقة حول أوكرانيا".

ومنذ 24 فبراير/ شباط 2022، تشن روسيا هجوما عسكريا على جارتها أوكرانيا، وتشترط لإنهائه تخلي كييف عن الانضمام إلى كيانات عسكرية غربية، وهو ما تعدّه الأخيرة تدخلا في شؤونها.

"عذاب سياسي"

وبخصوص تداعيات التحول الأميركي، قال الكاتب البريطاني، نيك باتون والش، خلال مقال نشرته شبكة "سي إن إن" الأميركية في 20 فبراير: إن تصريح ترامب بخصوص تدني شعبية زيلينسكي، يعد قريبا جدا من تصريحات الكرملين. 

وأضاف الكاتب أن "موسكو بذلت قصارى جهدها للتلميح بشكل غير صحيح إلى أن انضمام أوكرانيا الوشيك إلى حلف الناتو كان وراء هجومها غير المبرر في 2022، وأن زيلينسكي رئيس غير شرعي؛ لأن أوكرانيا لم تخض التحدي الهائل المتمثل في إجراء انتخابات في زمن الحرب".

وأشار إلى أن “المعضلة الوجودية التي تواجهها أوكرانيا الآن هي ما إذا كانت تتمتع برفاهية الاختيار بين رئيسها في زمن الحرب (زيلينسكي) وداعمها العسكري الرئيس، الولايات المتحدة؟”

ورأى الكاتب أن "زيلينسكي أصبح الآن موضوعا لمنشورات مذمومة من أقوى رجل في العالم، والذي يردد باستمرار إمدادا منتظما من الأحاديث التي يبثها الكرملين والتي تنبع من مكان غير معروف حتى الآن، مما يغير مسار أكبر حرب في أوروبا منذ أربعينيات القرن العشرين".

وتابع: "الدعم المالي الذي تقدمه إدارة ترامب لأوكرانيا، والذي بدونه يصبح بقاؤها موضع شك حقا، أصبح الآن معرضا للخطر"، مشيرا إلى أن ترديد ترامب رواية فقدان الأموال التي تقدمها أميركيا إلى كييف، هي رواية يعدّها للشعب الأميركي، من أجل تقليص المساعدات نفسها.

وردا على مطالبة ترامب أوكرانيا بإجراء الانتخابات أوكرانيا، قال الكاتب البريطاني: إنها عُلقت بسبب الحرب وأصبح العمل بالأحكام العرفية، وقد يؤدي وقف إطلاق النار، الذي اقترحه فريق ترامب أيضا، إلى تعليق ذلك، والسماح للجنود بالتصويت.

وتساءل أيضا: "ماذا لو تسبب هجوم بطائرات بدون طيار أو صواريخ روسية في تعطيل يوم التصويت؟ كل شيء يمكن أن يسوء، ومن المؤكد تقريبا أنه سيحدث".

وأردف: إن "النتيجة سوف تكون محاطة بالشكوك، مما يزيد من إلحاق الضرر بالتفويض الذي يتهم زيلينسكي زورا بعدم الحصول عليه، أو تمكين بديل يفتقر أيضا إلى الشرعية الكاملة".

وبحسب الكاتب، فإن ذلك "سيزرع الفوضى على الخطوط الأمامية، وفي كييف، وعند الأوكرانيين في جميع أنحاء أوروبا. وهذا هو بالضبط ما يريده الكرملين: عذاب سياسي يضاف إلى ويلات كييف عبر الخطوط الأمامية".

وأكد الكاتب أنه "أصبح من الصعب التنبؤ بدوافع ترامب.. لا يمكنك تقويض زعيم في زمن الحرب ولا تتوقع أن تتعثر قواته أيضا على الخطوط الأمامية".

وخلص باتون والش إلى أن "إعادة كتابة ترامب الجذرية للنظام العالمي في الأسبوعين الماضيين لم تخدم سوى مصلحة إستراتيجية واحدة للعدو الوحيد الذي تأسس حلف شمال الأطلسي لمواجهته.. ألا وهو روسيا".

"ضربة قوية"

الأزمة بين الرئيسين الأميركي والأوكراني، كانت حديث العديد من الصحف الغربية، فقد أكدت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في 20 فبراير، أن تبادل التصريحات الحادة يشعل "نزاعا خفيا" بين ترامب وزيلينسكي، مما قد يشكل ضربة قوية للسلطات الأوكرانية.

على الصعيد ذاته، رأت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، خلال تقرير لها في 20 فبراير، أن التحول المفاجئ في السياسة الأميركية تجاه روسيا، والتراجع عن الدعم المطلق لأوكرانيا بعد ثلاث سنوات، قد يؤدي إلى "أكبر إعادة ترتيب جيوسياسي منذ الحرب العالمية الثانية".

وفي هذا السياق، رأت صحيفة "الإيكونوميست" الأميركية، أن فريق ترامب يسعى للإطاحة بزيلينسكي، وجبهة ثانية "غربية" من جانب الولايات المتحدة، تظهر في الحرب الأوكرانية.

ونشرت صحيفة "كييف بوست" الأوكرانية، في 19 فبراير، مقالا للكاتب محمد زهور، حمل عنوانه تساؤلا واسعا: "هل خانت الولايات المتحدة أوكرانيا؟ حقيقة جيوسياسية قاسية".

وسلط الكاتب الضوء في مقاله على التغير في الموقف الأميركي تجاه الحرب في أوكرانيا مع دخول عامها الثالث، ويستذكر دعم واشنطن لأوكرانيا "عسكريا وماليا ودبلوماسيا". ويقول "التحول الدراماتيكي في السياسة الأميركية يشير إلى أن أوكرانيا قد تُركت عالقة".

واستعرض زهير، التباين في الموقف الأميركي، "من تشجيع أوكرانيا على القتال في الأيام الأولى إلى الضغط الآن من أجل المفاوضات مع روسيا"، متسائلا: “هل تبيع واشنطن أوكرانيا؟”

ورأى الكاتب أن "الولايات المتحدة تركت أوكرانيا في موقف أضعف" في الحرب، وأن "تباطؤ تدفق المساعدات الأميركية وتحوّل الاهتمام الغربي إلى الشرق الأوسط، تجعل أوكرانيا عاجزة عن شن هجوم مضاد ناجح".

وينسب زهير التحولات السياسية في الإدارة الأميركية إلى فوز دونالد ترامب بولايته الثانية، ويقول: إن "عودته إلى البيت الأبيض تشير إلى انسحاب مفاجئ للولايات المتحدة، مع ترك أوكرانيا للتفاوض في موقف ضعف".

وتحدث الكاتب عن الضغط الذي قد تتعرض له أوكرانيا من قِبل الولايات المتحدة بشأن التفاوض مع روسيا، الأمر الذي قد يجبر أوكرانيا على التنازل عن أراضٍ ومصادر ثروتها المعدنية.

وقال أيضا: إن "الولايات المتحدة تطلب من أوكرانيا تسديد المساعدات العسكرية التي تلقتها، على هيئة احتياطياتها الضخمة من المعادن النادرة والمعادن الحيوية"، متسائلا “إذا كانت أوكرانيا تتعرض لضغوط لتسليم أراضٍ، فلماذا يتعين عليها أيضا أن تدفع ثمن المجهود الحربي؟”

ويُشبّه الكاتب هذه المطالب بـ"سياسة الحرب الاقتصادية"، والتي تفرض على الدولة الأضعف أن تتاجر بمواردها من أجل الحماية، وفقا للكاتب.

وانتقد زهير تدخل الولايات المتحدة في الشأن الأوكراني إذا تم التأكد من صحة هذه المطالب، بقوله: "هذا سيغيّر جذريا المبرر الأخلاقي لتدخل الولايات المتحدة في أوكرانيا، ويحوله من الدفاع عن الديمقراطية إلى الانتهازية الاقتصادية"، وفق تعبيره.

واستعراض الكاتب "العواقب" التي ستتبع "تسوية الحرب"، بالقول بأنها ستتمثل في "خسارة أوكرانيا لمساحات كبيرة من أراضيها، وضعف الاقتصاد الأوكراني، وتدمير مصداقية الغرب".

وفي 18 فبراير، اختتمت محادثات روسية أميركية استضافتها العاصمة السعودية (الرياض)، وجرت في قصر الدرعية الملكي بالرياض، إذ جرى تقليديا استقبال الوفود الرسمية والضيوف الأجانب التي غاب عنها الجانب الأوكراني الذي هو طرف أساسي في الحرب القائمة.

ومثل الوفد الروسي في المحادثات وزير الخارجية سيرغي لافروف، ومساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، والرئيس التنفيذي للصندوق الروسي للاستثمار المباشر كيريل دميترييف.

فيما مثل الجانب الأميركي مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض مايك والتز، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومبعوث ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

وأشار أوشاكوف، في تصريح صحفي، إلى أن القضية التي طرحت في المفاوضات هي الاتفاق على كيفية بدء المفاوضات بشأن أوكرانيا.

من جانبه، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن واشنطن تريد إنهاءً دائمًا للصراع الأوكراني، وليس تعليقًا مؤقتًا.

وقال روبيو، في مؤتمر صحفي عقب انتهاء المباحثات في الرياض: "يجب أن تكون هذه نهاية دائمة للحرب وليس وقفا مؤقتا كما رأينا في الماضي. إنهاء الصراع في أوكرانيا سيفتح الطريق أمام التعاون الاقتصادي والجيوسياسي بين روسيا والولايات المتحدة".

وأشار روبيو إلى أن إنهاء الصراع في أوكرانيا "سيتطلب تنازلات من جميع الأطراف"، مشيرا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد إنهاء الصراع في أوكرانيا بشكل عادل وعدم السماح باستئنافه "خلال عامين أو ثلاثة أعوام".