تضييق سياسي وظلم اجتماعي.. ما قصة "الهروب الكبير من المغرب"؟

حسن عبود | منذ ٦ أشهر

12

طباعة

مشاركة

الهروب الكبير من المغرب، عنوان وسم أثار الكثير من اللغط والجدل حول أسباب تدشينه والتفاعل الكبير عليه في منصة إكس، تزامنا مع غضب واستياء شعبي كبير تجاه قضايا سياسية واجتماعية في المملكة. 

وتزامن هذا الوسم الذي يدعو المغاربة إلى الهجرة مع آخر بعنوان #تقهرنا وسلط فيه ناشطون الضوء على الظروف المعيشية الصعبة التي يعيش فيها الشعب ودعوا من خلاله للخروج ضد الملك محمد السادس.

فما قصة هذه الدعوات وكيف بدأت ومن الجهات التي تقف خلفها وما النتائج التي خلفتها حتى الآن؟

الهروب من المغرب

بدأت القصة عندما دشن العديد من المستخدمين على وسائل التواصل خلال سبتمبر/أيلول دعوات متفرقة تنادي بالتوجه إلى شمال المملكة قبل منتصف ذات الشهر، والتجمع قرب السياج الحدودي الفاصل بين جيب سبتة والمغرب لاقتحامه.

ولبى آلاف الشبان الدعوة وحولوا الفكرة إلى واقع، حيث شد هؤلاء رحالهم نحو مدينة الفنيدق وتحصنوا خلف التلال وبين المعابر والطرقات من أجل التسلسل إلى إسبانيا.

وتمكن كثيرون من التسلل إلى الحدود قبل أن يجرى اعتقالهم، فيما وقعت اشتباكات مع قوات الأمن التي صنعت طوقا أمنيا لإحباط المحاولة. 

وبحسب السلطات المحلية، جرى توقيف 4455 شخصا، بينهم 141 قاصرا و519 أجنبيا، في الفترة الممتدة بين 11 و16 سبتمبر.

وفق المصدر ذاته، حدثت ست محاولات للهجوم الجماعي بهدف الهجرة غير النظامية جرى إفشالها من طرف القوات العمومية والأمنية، ودون أن يتسلل أي واحد للجيب المغربي الذي تحتله إسبانيا.

كما جرى تقديم 152 شخصا للعدالة، في إطار محاربة "دعوات التحريض على الهجرة غير القانونية"، وفق ما أعلن الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى بايتاس.

وقال باتياس في ردّه على أسئلة الصحفيين بخصوص أحداث الفنيدق الأخيرة، خلال لقاء صحفي في 20 سبتمبر إنه “يتم تحريض بعض الشباب من طرف جهات غير معروفة عبر استغلال مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل تعبئتهم للهجرة بطريقة غير نظامية”، لكن "جرى إفشال جميع هذه المحاولات".

وتلعب الأوضاع المعيشية الصعبة دورا في هجرة المغاربة، حيث لا تتوقف محاولاتهم للعبور نحو إسبانيا المجاورة في ظل صعوبة حصولهم على تأشيرات والرفض الكبير من قبل مدريد وباريس لمنحها.

وارتفع معدل البطالة في المغرب إلى 13.7 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2024 مقارنة مع 12.9 بالمئة في الفترة نفسها من العام الذي سبقه.

وأظهرت بيانات نشرتها المندوبية السامية للتخطيط (حكومية) في 3 مايو/أيار 2024، ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في السوق المحلية بمقدار 96 ألفا، ليبلغ عددهم على المستوى الوطني مليوناً و645 ألفا.

وكشفت وزارة الداخلية، مطلع عام 2024، أرقاما وصفها خبراء وباحثون في قضايا الهجرة بـ”المقلقة”.

فقد تمكن المغرب، خلال عام 2023، من إحباط 75.184 محاولة للهجرة غير الشرعية بارتفاع بنسبة 6 بالمئة، وتفكيك أكثر من 419 شبكة بزيادة 44 بالمئة، وإنقاذ 16.818 مهاجرا بزائد 35 بالمئة مقارنة بسنة 2022.

وفي إجراء احترازي يؤكد عدم استقرار الوضع بشكل كلي في المنطقة التي نفذت فيها المحاولة الجماعية الأخيرة للهجرة، لا يزال الحرس المدني الإسباني منتشرا في المنطقة.

وذلك بالرغم من عدم تمكن أي من المهاجرين حتى الآن من الوصول إلى السياج المزدوج الذي يبلغ ارتفاعه حوالي عشرة أمتار. 

كما نشر الدرك الملكي المغربي قوات كبيرة حول السياج للسيطرة على الوضع، حيث يستمر المهاجرون بمحاولة التسلل.

يأتي ذلك وسط تصاعد المخاوف إثر تجدد الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي لتنفيذ اقتحام واسع آخر يوم 30 سبتمبر نحو سبتة.

ظلم اجتماعي

تزامنت الدعوات لهجرة جماعية مع تغريدات ومقاطع يتحدث أصحابها عن خيبة الأمل من الأوضاع المعيشية الصعبة في البلاد، وصلت إلى رفع شعارات تطالب بإسقاط النظام الملكي.

فيما نشر آخرون صورة هزّت مواقع التواصل في المغرب؛ تُظهر مجموعة شيان وهم يجلسون بمحاذاة سيارات القوّات المساعدة المغربية، شبه عُراة، وآثار الضّرب بادية على ظهورهم.

ونشرت مقاطع أخرى توثق اعتداء الأمن المغربي على عدد ممن حاولوا العبور نحو إسبانيا مما زاد الغضب الشعبي على مواقع التواصل.

بموازاة ذلك، برزت دعوات للتظاهر في عدد من المدن للتنديد بما أسموه “الظلم الاجتماعي والاعتداءات على المواطنين ونهب الثروات والفساد والحكم الفاشل الذي يغتصب الحقوق الأساسية للشعب المغربي”.

وتصدرت تلك الدعوات “الجمعية المغربية لحماية المال العام” ووجهت نداء إلى الشعب المغربي للمشاركة بقوة في احتجاجات أمام مقر البرلمان بالعاصمة الرباط، تحت شعار: ”كلنا مسؤولون.. كلنا معنيون“، تنديدا بالفساد الذي استشرى في مختلف مؤسسات الدولة.

وأكدت الجمعية في بيان لها، أن “مكافحة الفساد والرشوة والإثراء غير المشروع والريع ونهب المال العام هي معركة جميع المغاربة“.

كما عبرت عن “رفضها للتدخل في السلطة القضائية وتحجيم دور النيابة العامة في تحريك الأبحاث والمتابعات القضائية في جرائم المال العام”.

وأضافت الجمعية الحقوقية أن الاحتجاجات تأتي أيضا “رفضا لزواج السلطة والمال وتضارب المصالح” و” استغلال المؤسسات للإثراء غير المشروع واستغلال البرلمان لحماية لصوص المال العام من المحاسبة".

وجاء ذلك بعد تصديق الحكومة في أغسطس/آب على المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية الجديد، الذي يقول معارضوه إنه يضيق على المجتمع المدني في مهام تبليغه عن الفساد ونهب المال العام.

وجدد المحتجون على القانون رفضهم التام لكل ما ورد في المادة التي نصت على أنه “لا يمكن إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في شأن الجرائم الماسة بالمال العام إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسًا للنيابة العامة".

وذلك "بناءً على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات، أو بناءً على طلب مشفوع بتقرير من المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشيات العامة للوزارات أو من الإدارات المعنية، أو بناء على الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أو كل هيئة يمنحها القانون صراحة ذلك”.

وأمام جمْع من المحتجين في 21 سبتمبر، قال رئيس “الجمعية المغربية لحماية المال العام” محمد الغلوسي إن “المادة 3 من مشروع المسطرة الجنائية، التي تمنع جمعيات المجتمع المدني من تقديم شكايات مباشرة، هي تغليف لتوفير الحصانة للمفسدين وناهبي أموال الدولة".

وأردف أن "شعارات الدولة الاجتماعية المرفوعة لم تنجح في كبح تغوّل الفساد ونهب المال العمومي، كما فشلت في إيجاد حلول لشباب عاطل لم يعُد يرى الخلاص إلا فرديا عبر محاولات للهجرة الجماعية”، في إشارة إلى “أحداث الفنيدق”.

إضافة إلى ذلك، تحتج غالبية المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية بالمغرب ضد مشروع قانون رقم 54.23، القاضي بإسناد مهمة تدبير نظام التأمين الإجباري عن المرض الخاص بالقطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عوض الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي “كنوبس”.

وتتظاهر النقابات للاعتراض على صياغة وزارتي الاقتصاد والمالية والصحة والحماية الاجتماعية مشروع القانون سالف الذكر دون حوار اجتماعي، ما يضيع مكتسباتهم ويعد تنازلا عن الكثير من الخدمات والحوافز المقدمة لهم.

ورأى الاتحاد المغربي للشغل أن “القرار الحكومي كان أحاديا، ويضرب في عمق مؤسسة الحوار الاجتماعي، ويهدد مصالح ما يفوق ثلاثة ملايين من المستفيدين من التأمين الصحي داخل كنوبس، كما يهدد حقوق ومكتسبات المئات من مستخدمي وأطر الصندوق”.

في سياق منفصل، وجهت التنسيقية المغربية لموظفي وأطر وزارة الصحة والحماية الاجتماعية نداء إلى الشعب لمواجهة ما وصفته بـ "خطر يهدد مستقبل المنظومة الصحية العمومية بالمغرب ومجانية الخدمات الصحية والاجتماعية", وذلك بسبب توجه الحكومة نحو خوصصة قطاع الصحة.

و أعلنت التنسيقية المغربية عن تسطير برنامج تصعيدي يتضمن خطوات وإجراءات ستعلن عنها قريبا بهدف استعادة الحقوق والمكتسبات وتصحيح المسار, مطالبة كافة موظفي وأطر وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بالانخراط الفعلي في النضال من أجل تحقيق الأهداف.

وإضافة إلى ذلك، شهدت العديد من المدن المغربية احتجاجات شعبية أخيرا، تطالب بالحق في السكن والعمل وتوفير شروط العيش الكريم ووقف سلب الفلاحين أراضيهم.

أسباب سياسية

ولم تكن السياسة بعيدة عن الأسباب التي زادت الاحتقان الشعبي أخيرا في المغرب، وأبرزها ملف حقوق الإنسان المرتبط بالرأي والعمل الصحفي، وكذلك قضية التطبيع مع إسرائيل.

إذ تستمر السلطات المغربية في قمع حرية الرأي والتعبير والصحافة, من خلال الملاحقات الأمنية والقضائية لعدد من الحقوقيين والصحفيين والمدونين.

ولا يعرف على وجه التحديد عدد المعتقلين على خلفية الصحافة وحرية الرأي، حيث يعفي الملك محمد السادس عن بعضهم بين حين وآخر فيما يجرى اعتقال آخرين.

لكن، وفق آخر تصنيف عالمي لحرية الصحافة نشرته منظمة "مراسلون بلا حدود"، يحتل المغرب المرتبة 129 من بين 180 دولة شملها التصنيف.

وفي ملف ذي صلة، يحضر التطبيع بين المغرب وإسرائيل التي تشن عدوانا مدمرا على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث يسود رفض شعبي واسع لهذه العلاقات.

ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف المظاهرات الشعبية المطالبة بوقف التطبيع وطرد الإسرائيليين من المملكة.

وفي 21 سبتمبر، أعلنت الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة (غير حكومية)، أنها نظمت في نفس اليوم، 106 مظاهرات في 50 مدينة تضامنا مع الشعب الفلسطيني ضد الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ قرابة العام.

وقال عبد العزيز بن الدجيا على إكس إن الشيء الوحيد الذي جناه المغرب المطبع من التطبيع هو تطوير أساليب القمع ضد الشعب المغربي مثلما يفعل الكيان مع الفلسطينيين، مرفقة تغريدة بمقطع فيديو يظهر اعتداء رجل أمن مغربي على شاب أعزل حاول الهجرة إلى عبر سبتة.

وفي خضم الاحتجاجات المتصاعدة، كتب نجم المنتخب المغربي لكرة القدم حكيم زياش، منشورا يعد الأقوى على مستوى نظرائه من اللاعبين، يدين فيه حكومة بلاده، مما زاد التفاعل على وسائل التواصل وصعد الدعوات للتظاهر ضد النظام.

وقال زياش في 22 سبتمبر: "لتكن الأمور واضحة، تبا لإسرائيل وكل دولة تدعم هذا الأمر، ومن بينها حكومة بلدي التي تدعم حرب الإبادة الجماعية، عار عليكم، هذا يكفي الآن".

ولاحقا، حذف زياش الجزء المتعلق بالحكومة المغربية وتطبيعها مع الاحتلال، ومع ذلك، فإن الحذف لم يحُل دون انتشار كلامه كالنار في الهشيم على منصات التواصل، خصوصا أنه يحظى بوجود 11 مليون متابع على منصة إنستغرام.

وعلق الكاتب المغربي هشام توفيق بالقول: “لا تجعلوا تدوينة زياش التي تصف الاحتلال بالوصف الحقيقي حبيسة في موقع واحد، لأنها تخرب ادعاءات المطبع المغربي والصهيونية في المغرب والأمة”.

وأردف: “لولا حصار النظام المغربي والمطبع للشعب المغربي بخطط تطبيع وتمييع  لرأى العالم من نصرة المغاربة وفلسطين والقيم”.

واستدرك: “لكنهم يفقهون جيدا ضرورة التطبيع للتنسيق مع الصهيوني لخنق الشعب وتفقيره وتمييعه بموازين وفساد أخلاقي غير مسبوق”.