"نقل التجربة".. لماذا تكثف ألمانيا علاقاتها مع الدولة السورية الجديدة؟

مصعب المجبل | منذ ٦ أيام

12

طباعة

مشاركة

تواصل ألمانيا تكثيف علاقاتها مع الدولة السورية الجديدة، في مسعى منها لدعم المرحلة الانتقالية والمساعدة في إعادة الإعمار لتحقيق "حالة من الاستقرار" في هذا البلد.

ووصلت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إلى دمشق في 20 مارس/آذار 2025 والتقت الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني.

وزيارة بيربوك إلى دمشق ولقاء الشرع هي الثانية لها منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث كانت الأولى رفقة نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في أوائل يناير/كانون الثاني 2025.

ووصفت بيربوك الوضع في سوريا بأنه "متقلب"، مشيرة إلى أن العديد من الأطراف داخل البلاد وخارجها تحاول "إفشال هذا المسار السياسي السلمي". لكنها قالت: "إننا كأوروبيين، لن ندعم عودة ظهور الهيئات الإسلامية المتشددة".

دعم المرحلة

ولفتت وزيرة الخارجية الألمانية إلى أن "تأثير الجهات الأجنبية لم يجلب سوى الحرب والفوضى، وحتى في سوريا الجديدة، فهي تهدد استقرار البلد في مخالفة للقانون الدولي".

وأكدت الوزيرة أن سوريا تشهد نقصا في الضروريات، خاصة البنية التحتية للطاقة، مشيرة إلى أن ألمانيا ترغب في دعم دمشق في إعادة الإعمار بما في ذلك تحديث محطات الطاقة.

وقبيل قدوم بيربوك إلى دمشق بثلاثة أيام، تعهدت ألمانيا بتقديم مساعدات للسوريين بقيمة 300 مليون يورو إضافية (326 مليون دولار) من خلال الأمم المتحدة ومنظمات مختارة.

وقالت الخارجية الألمانية: إن أكثر من نصف هذه الأموال سيستفيد منها الشعب السوري وسيتم تنفيذها دون مشاركة الحكومة الانتقالية في البلاد.

وذكرت الوزارة أن التمويل سيخصص لتوفير الغذاء والخدمات الصحية وملاجئ الطوارئ، بالإضافة إلى تدابير الحماية للفئات الأكثر ضعفا.

ولفتت إلى أن اللاجئين السوريين والمجتمعات المستضيفة في الأردن ولبنان والعراق وتركيا سيتلقون الدعم أيضا.

وجاءت هذه المنحة الألمانية في إطار مؤتمر مانحين نظمه الاتحاد الأوروبي في 17 مارس 2025 وتعهد فيه بتوفير 5,8 مليارات يورو من التمويل لسوريا.

وحملت زيارة الوزيرة الألمانية خطوة سياسية علنية تجاه الاعتراف بالدولة السورية الجديدة، والتي تمثلت في إعادة أنالينا بيربوك افتتاح سفارة برلين في دمشق التي أُغلقت منذ يناير عام 2012.

وقالت بيربوك للصحفيين: "مع افتتاح هذه السفارة، يمكننا القول إن برلين عادت إلى دمشق، وإن لها مصلحة قصوى في استقرار سوريا".

وتعد هذه الخطوة إيذانا بعودة العلاقات الدبلوماسية بين برلين ودمشق في ظل القيادة السورية الجديدة.

وستضم السفارة فريقا سياسيا صغيرا بسبب المخاوف الأمنية فيما سيستمر العمل في الإجراءات الخاصة بالتأشيرات والشؤون القنصلية من بيروت.

ووجهت الوزيرة الألمانية رسائل مباشرة إلى الدولة السورية تتعلق بتقديم دعم مشروط لها في هذه المرحلة بما يتعلق بتوسيع المشاركة في السلطة.

فقد قالت بيربوك: إن الاستثمارات الخاصة التي تحتاجها سوريا نحو طريقها للتعافي "لن تأتي إلا عند ضمان وجود دولة مستقرة وقادرة على العمل، وألا يكون هناك عنف وفوضى، وألا يُجبر الناس على الفرار مرة أخرى".

وتنبع خصوصية ألمانيا في الانخراط الملف السوري، من كونها تضم أكبر جالية سورية في أوروبا بعد استقبالها مليون لاجئ عقب اندلاع الثورة في بلدهم عام 2011.

ولهذا كانت ألمانيا من أولى الدول الغربية التي فتحت قنوات تواصل عاجلة مع القيادة الجديدة في سوريا عقب سقوط الأسد.

ولهذا لم يغب مصير اللاجئين السوريين عن تصريحات الوزيرة من دمشق؛ حيث اكتفت بالقول إن ألمانيا ستعمل مع الحكومة السورية المؤقتة لتسهيل العودة الطوعية إلى بلادهم.

لكنها نوَّهت إلى أن برلين اقترحت على اللاجئين السوريين إجراء زيارة أولية إلى سوريا وتفقد إمكانية العودة وذلك ضمن حل لا يفقدون فيه حق اللجوء، مبينة أن بلادها تعمل راهنا على سن آلية لذلك. 

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد البائد شددت ألمانيا خلال مؤتمرات دولية على ضرورة وجود "عملية سياسية شاملة لضمان مستقبل سلمي لسوريا".

إلا أن الوزيرة بيربوك كشفت قبيل الوصول إلى دمشق، أنها ستستغل زيارتها للتوضيح للحكومة السورية أن فتح "صفحة جديدة" في العلاقة بين أوروبا وألمانيا من جهة وسوريا من جهة أخرى، مشروط بتمتع جميع السوريين بالحرية والأمن بغض النظر عن المعتقد والنوع الاجتماعي والعرقية.

ولهذا يوجد في دمشق منذ مطلع عام 2025 فريق دبلوماسي ألماني من أجل مواصلة دعم سوريا على المستويات كافة والاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية وتخفيف العقوبات بشكل أكبر عن البلاد.

وبفضل وجود دبلوماسي على الأرض، تسهم ألمانيا بشكل أفضل في أكثر من قطاع خدمي علاوة على دعم المنظمات الإنسانية.

وجاءت زيارة وزيرة الخارجية الألمانية في وقت لا تزال السلطات الانتقالية بسوريا تواجه فيه الكثير من التحديات الأمنية والاقتصادية، وتسعى جاهدة لرفع العقوبات الغربية المفروضة على البلاد إبان نظام الأسد المخلوع.

"دور سياسي"

وتظهر مساهمة ألمانيا كذلك من خلال مساعدة الحكومة السورية في إحياء قطاع الكهرباء؛ لما في ذلك من أهمية لحياة السكان.

فقد كان لافتا أنه يجرى العمل على إعادة تشغيل محطة دير علي لتوليد الكهرباء بريف دمشق، بمساعدة من مجموعة "سيمنز" الألمانية.

وكان ملف الكهرباء موضع نقاش بين ممثلي الحكومة الفيدرالية الألمانية والدولة السورية الجديدة.

وتكمن أهمية عمل محطة الدير علي وهي أكبر وأحدث المحطات الكهربائية بسوريا في قدرتها على توريد الطاقة إلى جميع المحافظات السورية؛ حيث تتراوح استطاعتها بين 1400 و1500 ميغا واط وتغطي 40 بالمئة من الشبكة الكهربائية بالبلاد.

ولهذا وضعت الحكومة السورية في سلم أولوياتها معالجة النقص الحاد في إنتاج الكهرباء وتحسين أداء البنية التحتية لهذا القطاع الذي نجح بزيادة عدد ساعات التغذية الكهربائية في عدد من المدن السورية منذ 19 مارس 2025.

وجاء ذلك بفضل تقديم دولة قطر إمدادات معتمدة من الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر أراضي المملكة الأردنية.

وأمام ذلك، فإن انفتاح برلين على دمشق في هذا "التوقيت الحساس"، يعطي وفق المراقبين، انطباعا عاما على رغبة ألمانية في مساعدة الدولة الجديدة على النهوض.

وضمن هذا السياق شرح الكاتب والمحلل السياسي السوري، أحمد الهواس، لـ "الاستقلال" طبيعة الدور الألماني الحالي تجاه سوريا.

وقال الهواس: إنه "لا شك أن ثمة تشابها في الحالتين الألمانية والسورية؛ حيث تعرضت ألمانيا لتدمير واسع بسبب النظام النازي، ولديها خبرة واسعة سواء في إعادة الإعمار، وتحولها من بلد مدمر إلى أحد أفضل دول العالم نموا".

وأضاف الهواس: "وكذلك في التعامل مع مجرمي النظام النازي، وما تعرض له الشعب ألماني من انقسام بين دولتين بعد الحرب العالمية الثانية، وكيف استطاعت ألمانيا الغربية أن تتحول لنموذج أدى إلى توحيد الألمانيتين".

ورأى أن "ألمانيا التي أوقفت العلاقات الدبلوماسية مع نظام الأسد وأسهمت في العقوبات المفروضة عليه منذ مايو/أيار 2011، كانت على تواصل مع المعارضة السورية (وقتها)، وقدمت مساعدات للنازحين، قبل أن يتدفق إليها عشرات الآلاف من اللاجئين في أكبر عملية نزوح في العصر الحالي".

وأردف: “لقد اختار السوريون ألمانيا لأسباب كثيرة، ومنها التسهيلات التي قدمت للاجئين، فضلا عن المساعدات الاجتماعية، وهذا ما حفز السوريين للانتقال لسوق العمل، وتحقيق نجاحات أشادت بها حكومات برلين”.

ونوه الهواس إلى أن "ألمانيا الدولة الأثرى في أوروبا ورابع أكبر اقتصاد في العالم، وتحتضن مليون لاجئ سوري ومنهم نحو 70 ألفا ممن حازوا الجنسية الألمانية، ولذلك فهي أمور تدفعها لكي تكون إحدى الدول التي لها دور في إعادة الإعمار بسوريا".

وكذلك تهدف إلى "لعب دور سياسي وإقامة علاقات متميزة مع دولة تحوز موقعا جيوسياسيا في الشرق الأوسط مثل سوريا"، وفق الهواس.

ورأى أن "إسراع ألمانيا في إعادة افتتاح سفارتها بدمشق يقرأ من ناحيتين: الأولى؛ أن إقامتها علاقات دبلوماسية مع سوريا يعني أن الاتحاد الأوروبي كله سيمضي على طريقها، فهي قلب (كتلة بروكسل) ومحركها وأغنى دولها".

والثانية أنه "في ظل المناكفات الأميركية الأوروبية في زمن (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب، وتقارب موسكو وواشنطن، فإن الاتحاد الأوربي يريد أن يستقل بسياساته الخارجية عن سطوة الولايات المتحدة التي تصل في بعضها لا سيما في حروب وصراعات أميركا إلى مرحلة التابعية".

نقل التجربة

على الجانب الآخر هناك من يرى أن الدولة السورية الجديدة تحاول الاستفادة من الدول صاحبة التجربة المشابهة لما حدث في سوريا، مثل ألمانيا.

إذ يرى مدير مؤسسة الذاكرة السورية عبد الرحمن الحاج، أن "ألمانيا تمتلك أفضل نظام تعليم مهني في أوروبا وربما في العالم، فضلا عن الخبرة الكبيرة جدا في البنية التحتية وقطاعات كثيرة أخرى".

وأضاف الحاج في 20 مارس 2025 على حسابه في فيسبوك: "تظهر ألمانيا من خلال زيارتين لوزيرة الخارجية خلال شهرين فقط اهتماما وحماسا استثنائيا لدعم الحكم الجديد في سوريا والانتقال السياسي والنظر إلى ما حدث بصفته فرصة تاريخية يجب أن لا تفوت".

وذكر أن "لدى ألمانيا مصالح كثيرة تحققت فيما حدث، وهي تتقاطع مع مصالح السوريين، ولأن تطوير نظام التعليم جزء أساسي من التنمية والتعافي فإن الاستفادة من برلين في هذا المجال يجب أن يكون أحد الأجندات الرئيسة في العلاقة معها خلال المرحلة الانتقالية".

وتبلغ حصة العاملين السوريين نحو 0.6 بالمئة من إجمالي العمالة في ألمانيا خلال عام 2024.

ويعمل العديد من اللاجئين السوريين في وظائف تعاني من نقص العمالة الماهرة بألمانيا؛ حيث يعمل 62 بالمئة منهم في وظائف مرتبطة بالنظام، على سبيل المثال في مجال الرعاية الصحية، والنقل والخدمات اللوجستية، أو إنتاج الأغذية.

ووفق تحليل نشره معهد أبحاث التوظيف (IAB) التابع للوكالة الفيدرالية للتوظيف منتصف ديسمبر 2024، بلغ عدد السوريين العاملين في ألمانيا في سبتمبر/أيلول 2024 نحو 287 ألف شخص، 82 بالمئة منهم خاضعون لمساهمات التأمين الاجتماعي. 

ومع ذلك، فإن معدل توظيفهم البالغ 42 بالمئة، أقل من معدل 61 بالمئة الذي حققه اللاجئون السوريون بعد سبع سنوات من وصولهم.

وعلى الرغم من ذلك، فمن المحتمل أن يكون لعودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم تأثير سلبي على الاقتصاد الألماني وتوسيع فجوة المهارات.

إذ يعمل في ألمانيا ما يقارب 6000 طبيب من سوريا، وتحذر العيادات التي توظف نحو 5 آلاف طبيب منهم، من أن عودتهم إلى وطنهم سيكون له تأثير على الرعاية الصحية في البلاد، وخاصة بالمناطق الريفية.