سوريا تضغط لرفع العقوبات وإعادة الإعمار وأميركا تناور سياسيا.. ما القصة؟

"بقاء العقوبات الأميركية يشير إلى أن هناك اشتراطات سياسية وأمنية على الإدارة الجديدة"
تؤمن كثير من الدول بما فيها الأوروبية بأن لدى سوريا فرصة للوقوف على قدميها من جديد والتعافي من حقبة الانهيار الأمني والاقتصادي الذي خلفه نظام بشار الأسد بعد سقوطه.
إلا أن عقوبات الولايات المتحدة التي تعد الأكثر شمولا على سوريا، هي العائق الأكبر، كي تشهد المرحلة الانتقالية انتعاشا في حياة السوريين المعيشية.

سلاح العقوبات
غير أن الولايات المتحدة تمسك بسلاح العقوبات مشهرا بوجه القيادة السورية الجديدة "لمراقبة سلوكها" في إدارة البلاد، فيما تخرج أصوات وازنة في واشنطن منتقدة هذا التعامل مع دمشق في هذه المرحلة الحساسة من عمر سوريا.
فقد طالب النائبان الأميركيان إليزابيث وارن (ديمقراطية) وجو ويلسون (جمهوري)، كلا من الكونغرس ووزارتي الخارجية والخزانة بتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، محذرين من أن استمرارها يعرقل إعادة الإعمار ويهدد استقرار المنطقة.
وأوضح النائبان في رسالة مشتركة موجهة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت، في 21 مارس/ آذار 2025 أن العقوبات الواسعة المفروضة منذ أكثر من عقد تستهدف نظاما لم يعد قائما.
وهذا “يؤدي إلى تقويض أهداف الأمن القومي الأميركي وإعاقة جهود إعادة الإعمار”، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية "سانا".
ودعا المشرعان إلى مراجعة العقوبات واستبدال التدابير القديمة، بما في ذلك الحظر الشامل على الخدمات والاستثمارات، مشيرين إلى أن العقوبات الحالية قد تدفع إلى موجات هجرة جديدة وتعزز اعتماد السوريين على شبكات غير مشروعة.
وأكدت الرسالة أن استمرار القيود الاقتصادية قد يفسح المجال أمام إيران وروسيا لتوسيع نفوذهما في سوريا، داعية وزارتي الخارجية والخزانة إلى تقديم خارطة طريق واضحة تحدد الخطوات المطلوبة لتخفيف العقوبات بشكل يتجاوز التعديلات قصيرة الأمد.
وأشار النائبان إلى ضرورة التحرك سريعا لتجنب الإضرار بالمصالح الأميركية، مؤكدين أن رفع بعض العقوبات قد يسهم في تحسين الأوضاع المعيشية للسوريين بعد كل تلك السنوات القاسية.
وقبل ذلك، قال النائب في الكونغرس الأمير جو ويلسون، إنه حان الوقت لكي تخفف الولايات المتحدة العقوبات عن سوريا أسوة بالحكومة البريطانية.
وأضاف ويلسون في منشور على منصة إكس منتصف فبراير/ شباط 2025 "نعرب عن شكرنا للحكومة البريطانية عقب تخفيف العقوبات عن سوريا، وها قد حان الوقت للولايات المتحدة الأميركية أن تفعل الأمر ذاته وتساعد السوريين للعودة إلى ديارهم وإعادة بناء البلد".

530 مليار دولار
وتمتد العقوبات الأميركية على سوريا منذ زمن حافظ الأسد حينما فرضت على البلاد لأول مرة في ديسمبر/ كانون الأول 1979، ثم بدأت المرحلة الثانية من الإجراءات العقابية الأميركية عام 2003 بموجب "قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية".
ثم عقب اندلاع الثورة السورية في 18 مارس 2011 فرضت واشنطن عقوبات على الاستثمار في سوريا، والاستيراد منها، والتمويل والإقراض للحكومة والمؤسسات الخاصة كما قيدت العقوبة حركة المواطنين السوريين للدخول إلى الولايات المتحدة.
قبل أن تصدر الولايات المتحدة ما سُمّي بقانون "قيصر" الأميركي الذي أقرته واشنطن في 2020 لحماية المدنيين في سوريا، وفرضت بموجبه عقوبات على نظام الأسد المخلوع حينها، وأي دول تتعاون معه في غالبية القطاعات.
واستهدفت عقوبات "قيصر" من ييسرون استحواذ نظام الأسد على سلع أو خدمات أو تقنيات تدعم أنشطة النظام العسكرية وصناعاته في مجال الطيران والنفط وإنتاج الغاز، وكذا البناء والهندسة.
كما تضمن القانون عقوبات على أجهزة الاستخبارات والأمن السورية، والبنك المركزي السوري، وكيانات كانت تعمل لصالح الأسد في أربعة قطاعات هي: النفط والغاز الطبيعي والطائرات، والبناء والهندسة.
ونال القانون أي جهة توفر طائرات أو قطع غيار طائرات لشركات الطيران السورية، أو أي جهة تشارك في مشاريع البناء والهندسة التي تسيطر عليها الحكومة السورية (السابق) أو التي تدعم صناعة الطاقة في سوريا.
وقدرت دراسة أعدها "المركز السوري لبحوث الدراسات" (غير حكومي) نشرت أواخر مايو/أيار 2020، أن خسائر الاقتصاد السوري بسبب قانون قيصر، بين عامي 2011 وحتى 2020 بلغت نحو 530 مليار دولار، أي ما يعادل 9.7 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد عام 2010.
وتكررت الدعوات السورية لإلغاء قانون "قيصر" الأميركي الذي يمنع الاستثمارات الجديدة في سوريا والتجارة مع شركاتها في هذه المرحلة، خاصة من قبل رجال الأعمال السوريين الذين يتطلعون لمساعدة بلدهم على النهوض مجددا.
ويؤكد الأكاديمي السوري معروف الخلف لـ “الاستقلال” أن تداعيات "إبقاء العقوبات الأميركية ستسبب شللا في القطاعات الاقتصادية في سوريا بشكل كبير ولهذا فإن حركة المستثمرين المالية ستكون شبه معدومة".
ولفت إلى أن "قسوة العقوبات الأميركية تكمن في أنها موجهة بشكل أساسي إلى البنك المركزي السوري وهو الشريان الذي يضخ حركة الأموال في البلاد التي تعد القنوات التي يتم من خلالها تفعيل النشاط الاقتصادي".
وأشار الخلف إلى أن "العقوبات الأميركية تلامس توفير المتطلبات الأساسية المعيشية للسوريين".
وراح يقول "رفع العقوبات الأميركية هي رهن العملية الانتقالية الحالية والإصلاحات الاقتصادية التي ستحدد هوية الاقتصاد السوري".
وأضاف أن "أميركا ستعمل بمبدأ الرخص بمسألة العقوبات المفروضة على سوريا بحيث تعمل كل فترة زمنية على تقديم رخصة للحكومة السورية التي يجب أن يقابلها خطوة منها بحيث يسمح هذا الأمر لواشنطن بمراقبة العملية السياسية والإصلاحات الاقتصادية في ظل القيادة السورية الحالية".
كما تفرض الولايات المتحدة عقوبات ثانوية على الحكومات الأجنبية والأفراد والكيانات غير الأميركية التي تتعامل مع الحكومة السورية والكيانات الخاضعة للعقوبات في سوريا.
ولهذا فإنه في السياق الحالي يعد أحد المطالب الرئيسة من دمشق وكثير من الدول رفع الشبكة المعقدة من العقوبات الاقتصادية والمالية والتجارية الدولية المفروضة من قبل الولايات المتحدة على سوريا.
وقد أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في كلمة له في مؤتمر المانحين لسوريا الذي استضافه الاتحاد الأوروبي ببروكسل في 17 مارس 2025 أن رفع العقوبات عن سوريا ضروري لتعافي البلاد.
وأضاف: "نحن هنا اليوم ليس للحديث عن المساعدات الإنسانية، بل نريد أن نضع خطة حقيقية لتحقيق الأهداف، وهي رفع العقوبات، والسماح لنا بإعادة البناء، ومساعدة السوريين على إعادة بناء بلدهم خاليا من العقوبات القسرية والأحادية الجانب التي عانى الشعب السوري بسببها كثيرا".
ومنحت الولايات المتحدة في يناير 2025، إعفاءات قصيرة الأجل تتعلق بتوفير الخدمات الأساسية استجابة لطلبات تخفيف العقوبات عن سوريا.
إلا أن هذه الخطوة غير كافية ولا تتناسب مع ضرورة المرحلة، في وقت تتذرع واشنطن بوجوب الضغط على القيادة السورية لتوسيع المشاركة بالسلطة.
ومع ذلك، أعلنت السلطات السورية الجديدة عن خطط لإقامة انتقال سياسي يشمل جميع الأقليات وشرائح المجتمع السوري، بالإضافة إلى زيادة المشاركة مع الدول المجاورة والجهات الفاعلة الأجنبية الأخرى، مما يوفر للمجتمع الدولي بعض الطمأنينة.

عرقلة الإنعاش
وضمن هذا السياق، رأى الباحث السوري في مركز عمران للدراسات الإستراتيجية أيمن الدسوقي، أن "بقاء العقوبات الأميركية لها آثار مُركّبة على سوريا، أهمها في المجالين الاقتصادي والتنموي؛ إذ إنها تعرقل التدفقات المالية اللازمة لإنعاش الاقتصاد السوري".
وأضاف لـ “الاستقلال”: "كما تحد العقوبات الأميركية من الانخراط المباشر للأفراد والكيانات مع الإدارة الجديدة لدعم جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة وتطويرها".
فضلا عن "أن بقاء العقوبات الأميركية يجعل من سوريا بيئة غير جاذبة للاستثمارات الخارجية وعمل القطاع الخاص السوري".
أما سياسيا، يشير الدسوقي إلى أن "بقاء العقوبات الأميركية على سوريا من شأنه التأثير على سياسات الدول تجاه الإدارة الجديدة وضبطها، وإضعاف زخم الخطوات والمبادرات التي اتخذتها في سوريا أو تلك المتوقع أن تتخذها".
وذهب الدسوقي للقول: "إن بقاء العقوبات الأميركية مؤشر بأن هناك اشتراطات سياسية وأمنية على الإدارة الجديدة، تتطلب مسارا تفاوضيا وتنازلات، قد لا تستطيع الإدارة الجديدة مسايرتها بما يؤثر على استقرارها ونظرة السوريين لها".
وبحسب تقرير حمل عنوان "إعادة تصور سوريا"، أصدرته ثلاثة مراكز أبحاث خلال مؤتمر معهد الشرق الأوسط في مارس 2025، يدعو إلى منح العملية الانتقالية في سوريا "فرصة للنجاح".
ويدعو التقرير إلى رفع العقوبات الأميركية، ويجادل بأن المشاركة لها فرصة أكبر في "توجيه نطاق واتجاه التغيير في سوريا" مقارنة بالعزل.
كما يحذر الخبراء واشنطن من دفع سوريا الجديدة إلى أحضان روسيا من خلال الإبقاء على العقوبات الخانقة.
ويقول الخبراء، بينما تُقرر واشنطن سياستها تجاه سوريا، من الجيد أن نتذكر أن الحفاظ على المكاسب الإستراتيجية والسعي نحو سوريا منفتحة وديمقراطية، لا تنتمي إلى المحور الإيراني ولا تشكل تهديدا لجيرانها أمر يستحق العناء.
ويمكن للإدارة الأميركية أن تفرح بالمكاسب الإستراتيجية التاريخية التي حققتها الولايات المتحدة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، فقد طردت إيران، وفقد حزب الله اللبناني طريق الإمدادات البري من إيران.
كما تعمل الدولة السورية على ضبط الحدود مع لبنان، وإنهاء أشكال التهريب كافة والعمليات غير المشروعة لا سيما تهريب المخدرات من سوريا إلى حلفاء واشنطن التي كانت سارية زمن الأسد.