طوفان الأقصى تعيد الزواري إلى الواجهة.. كيف تعاملت تونس مع ملف اغتياله؟

منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

"الزواري خلّى (ترك) وصية… لا تنازل عن القضية"، بهذا الشعار هتفت حناجر الآلاف من التونسيين في كل المسيرات التي خرجت دعما للشعب الفلسطيني ومقاومته في معركة طوفان الأقصى التي انطلقت فجر 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

واستقبل التونسيون بفخر كبير المشاهد التي نشرتها كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، لاستعمال سرب من الطائرات المسيرة في اقتحام تحصينات جيش الاحتلال الإسرائيلي في مستوطنات غلاف غزة وأطلقت عليها اسم الشهيد التونسي "محمد الزواري".

طائرة الزواري #الجيش_المصري #طوفان_الأقصى #القسام pic.twitter.com/DzuvigSbop

— Ahmed Elagouz (@alagouz2) October 23, 2023

هذه المشاهد أعادت من جديد طرح ملف قضية اغتيال الزواري في 15 ديسمبر/كانون أول 2016، حين أقدم عناصر من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد"، على إطلاق النار عليه في مدينة صفاقس التونسية.

وبعد يومين من اغتياله، أعلنت كتائب القسام أن مهندس الطيران التونسي، هو "أحد القادة الذين أشرفوا على مشروع طائرات الأبابيل المُسيّرة، التي استخدمت في حرب العصف المأكول عام 2014".

حبيسة الأدراج

رغم مرور 7 سنوات على اغتيال الموساد الإسرائيلي للزواري، في مسقط رأسه بمحافظة صفاقس (جنوب تونس)، لا تزال عائلته وفريق محاميه ينتظرون نتائج التحقيقات، وتسليم المتورطين في الجريمة للعدالة.

وكان الزواري قد قُتل بطلقات نارية أمام منزله بمسدس كاتم للصوت في 15 ديسمبر 2016، ونجح قتلته في مغادرة الأراضي التونسية مباشرة بعد العملية.

وبقي ملف القضية حبيس الأدراج رغم تمكن السلطات التونسية من تحديد هوية القتلة، وهما متهمان يحملان الجنسية البوسنية، وإصدار بطاقة جلب بحقهما.

وقالت السلطات التونسية إن منفذي الاغتيال الرئيسين هما البوسنيان ألفير ساراك وآلان كانزيتش، ومعهما النمساوي كريستوفر، دخلوا التراب التونسي بحرا عبر ميناء حلق الوادي بالعاصمة تونس في 8 ديسمبر 2016.

ولم توجه السلطات التونسية الاتهام رسميا لدولة الاحتلال وجهاز الموساد على الرغم من توالي تصريحات المسؤولين الإسرائيليين المشيدة بعملية الاغتيال.

وأثارت عملية اغتيال الزواري، جدلا واسعا في تونس، وغضبا شعبيا دفع الآلاف للخروج في مظاهرات مندّدة ومطالبة الحكومة التونسية بالرد، وبسن قانون يجرم التطبيع مع إسرائيل.

 من جانبها، قالت الحكومة التونسية، خلال بيان لها في ديسمبر 2016  إنّ "الدولة ملتزمة بتتبع الجناة الضالعين في عمليّة اغتيال المرحوم محمد الزواري داخل أرض الوطن وخارجه، بكلّ الوسائل القانونية وطبقا للمواثيق الدولية.

ويعبر الكثير من التونسيين عن خشيتهم من إماتة القضية، في ظل عدم وجود رغبة جدية لدى الحكومات والرؤساء المتعاقبين في الكشف عن حقيقة الاغتيال، وتحريك القضية دوليا، رغم أنها تعد مسألة أمن قومي.

ولم يتعرف التونسيون على أسباب مقتل الزواري أمام منزله بمدينة صفاقس، إلا بعد أن نعته حركة حماس، مؤكدة انتماءه لجناحها العسكري "كتائب القسام".

 وقالت الكتائب وقتها إنه كان المهندس المشرف على مشروع تطوير صناعة الطائرات من دون طيار والغواصات ذاتية التحكم.

طوفان الأقصى 

وأعادت المشاهد التي بثتها كتائب القسام لمسيرات الزواري خلال معركة طوفان الأقصى التذكير بمآثر الشهيد ومكانته ودوره في العملية التي خاضتها المقاومة واستقبلت بحفاوة كبيرة لدى الشعب التونسي على غرار كلّ الشعوب العربية والإسلامية.

ففي 7 أكتوبر 2023، وخلال عملية طوفان الأقصى أطلق مقاتلو حماس مسيرات من طراز "الزواري"، إضافة إلى مسيرة "شهاب"، المصممة محليا، وهي نسخة من طائرات أبابيل الإيرانية.

وقالت كتائب القسام في نفس اليوم إن سلاحها الجوي شارك بـ35 مسيرة من طراز "الزواري" في جميع محاور القتال، وأكدت أن هذه الطائرات أسهمت في التمهيد لعبور مقاتليها إلى الأراضي المحتلة.

وفي حديث لوسائل إعلام محلية خلال مشاركتها في المسيرة الداعمة للشعب الفلسطيني يوم 21 أكتوبر 2023 عبرت ماجدة خالد صالح أرملة الشهيد محمد الزواري عن فخرها باستعمال كتائب القسام الطائرات التي صنعها زوجها.

وقالت أرملة الزواري وهي سورية الجنسية إنها "شعرت بالكرامة يوم أطلقت كتائب القسام 35 طائرة في اتجاه تل أبيب"، معبرة عن شكرها لحركة حماس لأنها مازالت تتذكره.

في سياق متصل ناشدت أرملة الزواري السلطات التونسية وفي مقدمتهم رئيس الدولة قيس سعيد بعدم إقفال ملف القضية، مؤكدة تمسكها بحق الشهيد ومواصلة السعي من أجل كشف الحقيقة ومحاسبة كل المتورطين في اغتيال زوجها. 

ودعا عدد من الناشطين رئاسة الجمهورية لمنح أرملة الزواري الجنسية التونسية، عادّين ذلك أقل تكريم يمكن أن تقدمه الدولة لأحد رموز المقاومة وشهداء فلسطين في تونس.

وحسب الموقع الرسمي لكتائب القسام فإن الزواري التحق بصفوف المقاومة عام 2006، وبدأ مباشرة بالعمل على تطوير مسيرة جوية بعد التقائه فريقا مختصا بتصنيعها من إيران.

وبحلول عام 2008 كان الزواري قد أشرف على تصنيع 30 طائرة دون طيار أطلق عليها اسم أبابيل، وكان ذلك في العام نفسه الذي اندلعت فيه "حرب الفرقان". 

أنتجت من مسيرة أبابيل 3 أنواع، أبابيل (إيه) للمهام الاستطلاعية، وأبابيل (بي) للمهام الهجومية والقذف، وطراز أبابيل (سي) للمهام الهجومية الانتحارية.

قضية حيّة

وفي حديث لـ "الاستقلال" أكد رئيس الأكاديمية التونسية للمعارف المقدسية وسام العريبي أن الشعب التونسي لم ينس الشهيد محمد الزواري ولا يزال يستحضره في كل التحركات الداعمة للشعب الفلسطيني من خلال الشعارات أو رفع الصور".

وأضاف أن "إطلاق القسام طائرات مسيرة في عمق الكيان تحمل اسم الزواري وتنفذ مهام قتالية بقصف مواقع العدو، يؤكد على قيمة الإنجاز الذي قام به الشهيد ورفاقه في المقاومة الفلسطينية".

وشدد أن "العالم اليوم منقسم إلى صفين بين عدد من الحكومات الداعمة والمساندة للكيان الصهيوني وجرائمه المرتكبة وبين الشعوب الحرة في العالم الداعمة للشعب الفلسطيني وحقه في مقاومة الاحتلال".

وبين أن هذا العالم أصبح اليوم "يعرف الشهيد محمد الزواري وطائراته ويدرك أنه لم يقم سوى بالدفاع عن شرف الإنسانية وعن حق أطفال فلسطين في الحياة".

ورأى العريبي أن "مجموعة من الملفات تم الالتفات إليها الآن والعمل على وضعها على رأس أولويات الشعب التونسي ونخبه ومنظمات المجتمع المدني وكذلك مؤسسات الدولة".

ومن أهمها ملف تجريم التطبيع ومقاطعة البضائع الإسرائيلية وملف قضية اغتيال الشهيد محمد الزواري، وفق المتحدث.

وأردف: "دعونا الجهات المتدخلة إلى الاطلاع على الملف الذي أعدته حركة حماس حول حيثيات اغتيال الشهيد الزواري ".

ودعا العريبي إلى "مواصلة الجهود القضائية في ملاحقة القتلة خارج البلاد ومطالبة الدول التي يقيمون بها بتسليمهم للسلطات التونسية خاصة من الذين يحملون الجنسية التونسية وتورطوا في جريمة الاغتيال".

ولا تعد عملية اغتيال الشهيد محمد الزواري، الجريمة الأولى التي ترتكبها مخابرات الاحتلال الإسرائيلي في تونس.

إذ سبقتها  عملية اغتيال القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية خليل الوزير (أبو جهاد) في أبريل/نيسان 1988 في منزله بالضاحية الشمالية للعاصمة تونس.