ترامب يلوّح بتغيير نظام إيران وسط انفجار غضب غير مسبوق في أميركا

لوّح ترامب بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران
في وقتٍ تتسع فيه رقعة المظاهرات داخل مدن أميركية عدّة احتجاجًا على الحملة الصارمة التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد الهجرة، وما رافقها من استهداف مباشر للمهاجرين، لوّح ترامب بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران. مبررًا ذلك بما وصفه بـ"ممارسة العنف ضد المتظاهرين" المحتجين على ارتفاع الأسعار للأسبوع الثالث على التوالي.
وبدأت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، ردًا على الارتفاع الحاد في الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية، قبل أن تتسع رقعتها وتتحول إلى مظاهرات واسعة ضد القيادة الدينية التي تحكم البلاد منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.
وفي أعقاب ذلك، شهدت الولايات المتحدة مظاهرات متفرقة في ولايات ومدن عدة تحت شعار: "أخرجوا إدارة الهجرة والجمارك للأبد"، احتجاجًا على سياسات إدارة ترامب المتشددة في ملف الهجرة.
وتصاعدت هذه الاحتجاجات عقب مقتل رينيه نيكول غود، وهي امرأة من ولاية مينيسوتا، على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، في حادثة أثارت موجة غضب واسعة وانتقادات حادة لأداء الجهاز.
وعلى مستوى السياسة الفدرالية، تنفذ إدارة ترامب حملة غير مسبوقة لتشديد تطبيق قوانين الهجرة في عدد من المدن، وسط تعهدات رئاسية بترحيل "ملايين" المهاجرين غير الحاصلين على مستندات قانونية.
وكان ترامب قد جعل من منع الهجرة غير النظامية وترحيل المهاجرين غير النظاميين أولوية مركزية في ولايته الثانية؛ حيث شدد شروط الدخول إلى الولايات المتحدة والحصول على التأشيرات، ووسّع صلاحيات أجهزة إنفاذ الهجرة.
وتحملت إدارة الهجرة والجمارك التي يتهمها منتقدوها بالتحول إلى قوة شبه عسكرية خلال عهد ترامب، مسؤولية تنفيذ عمليات ترحيل واعتقال غير مسبوقة بحق المهاجرين.
وفي خضم هذا التأزم الداخلي، أعلن الرئيس الأميركي في ساعة مبكرة من صباح 12 يناير/كانون الثاني 2026، أنه يدرس مجموعة من الردود على الاضطرابات المتصاعدة في إيران، من بينها خيارات عسكرية محتملة، على خلفية الاحتجاجات التي تشهدها البلاد.
وقال ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، ردًا على سؤال بشأن ما إذا كانت إيران قد تجاوزت "الخط الأحمر" الذي رسمه سابقًا والمتمثل في قتل المتظاهرين: "يبدو أنهم بدؤوا يفعلون ذلك". مضيفًا: "نراقب الوضع بجدية بالغة، والجيش يتابعه، ونحن ندرس بعض الخيارات القوية جدًا. سنتخذ قرارًا".
وأكد الرئيس الأميركي أن لدى بلاده "خيارات قوية جدًا" تجاه إيران، مشددًا بالقول: "سنرد بحزم على أي تصرف، وسنهاجم إيران بطريقة لم يشهدوها من قبل إذا مارسوا العنف ضد المحتجين".
كما أشار إلى أن إدارته تعمل على تزويد الإيرانيين بخدمات الإنترنت، لافتًا إلى أنه بحث هذا الأمر مع رجل الأعمال إيلون ماسك.
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة "بلومبيرغ" عن مسؤول في البيت الأبيض أن ترامب اطّلع على مجموعة من الخيارات لشن ضربات عسكرية ضد إيران، من بينها استهداف مواقع مدنية، وأنه يدرس بجدية إصدار تفويض رسمي لشن هجوم.
وعلى خلفية هذه التهديدات، توعّدت طهران بالرد على أي هجوم يستهدفها، محذرة من أن القواعد العسكرية الأميركية وإسرائيل ستكون ضمن دائرة الاستهداف.
وقال رئيس البرلمان الإيراني والقائد السابق في الحرس الثوري، محمد باقر قاليباف، في كلمة أمام البرلمان، محذرًا من "سوء التقدير": "لنكن واضحين، في حال وقوع هجوم على إيران، ستكون الأراضي المحتلة وجميع القواعد والسفن الأميركية أهدافًا مشروعة".
من جانبه، اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الولايات المتحدة وإسرائيل بالعمل على استقدام "إرهابيين من الخارج" بهدف زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى داخل البلاد.
وقال بزشكيان، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني الرسمي نقلتها وكالة "تسنيم": إن واشنطن وتل أبيب أوعزتا لما وصفهم بـ"المخربين" بتنفيذ أعمال تخريب داخل إيران، مع وعود بتقديم الدعم والإسناد لهم.
وفي تصريحات صحفية، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: إن الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر بدأت "هادئة ومشروعة"، لكنها سرعان ما "انحرفت عن مسارها وتحولت إلى حرب إرهابية على البلاد". على حد تعبيره.
وأضاف عراقجي أن التطورات اللاحقة شهدت انزلاق بعض التحركات نحو العنف، مؤكدًا امتلاك بلاده وثائق تثبت تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل في ما وصفه بـ"الحركة الإرهابية" التي رافقت الاحتجاجات.
وأشار إلى أن عناصر تابعة لجهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) واكبت هذه التحركات، وكانت تدخلاتها سببًا مباشرًا في أعمال العنف والقتل.
وأكد الوزير الإيراني أن قوات الأمن تعاملت مع المظاهرات "بهدوء وضبط نفس"، قبل أن تتسلل مجموعات "إرهابية مسلحة" إلى صفوف المحتجين لتحويل المسيرات عن مسارها. موضحًا أن السلطات رصدت إطلاق نار استهدف قوات الأمن بهدف رفع عدد الضحايا.
ودعت الحكومة الإيرانية، إلى جانب جهات رسمية بينها مجلس تنسيق الإعلام الإسلامي والحرس الثوري، المواطنين في العاصمة طهران وعدد من المدن إلى النزول إلى الشوارع والمشاركة في مظاهرات مؤيدة للنظام، اليوم الإثنين 12 يناير.
واستجابة لهذه الدعوات، خرج عشرات الآلاف في مظاهرة حاشدة بساحة "الثورة" وسط طهران، دعمًا للنظام، في ظل تصاعد الاحتجاجات المناوئة والداعية إلى إسقاطه، وتزامنًا مع تهديدات ترامب بشن ضربة عسكرية.
في المقابل، انتقد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي تهديد الرئيس الأميركي بضرب إيران في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة نفسها احتجاجات متصاعدة على خلفية مقتل امرأة برصاص إدارة الهجرة، داعين ترامب إلى التركيز على أوضاع بلاده الداخلية وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
كما عبّر ناشطون عبر منصات "إكس" و"فيسبوك" ومن خلال وسوم عدة، من بينها #دونالد_ترامب و#خامنئي و#احتجاجات_إيران، عن استيائهم من تجاهل معظم وسائل الإعلام الغربية تغطية الاحتجاجات المتصاعدة داخل الولايات المتحدة، مقابل تسليط الضوء المكثف على احتجاجات إيران.
وتداول ناشطون صورًا ومقاطع فيديو توثق المظاهرات المؤيدة للنظام الإيراني في طهران وعدد من المحافظات، عادّين إياها خطوة تهدف إلى إحباط ما وصفوه بـ"المؤامرات" الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.
هروب للأمام
تفاعلاً مع التطورات المتسارعة، عرض أستاذ العلوم السياسية عبدالله الشايجي مقطع فيديو يوثّق مظاهرة في مدينة نيويورك، استعار فيها المحتجون شعار شعوب الجمهوريات العربية: "الشعب يريد تغيير النظام"، معلقًا بالقول: "يبدو أنهم ندموا على التناقضات الأميركية".
واستنكر الشايجي هذا المشهد، في وقت يهدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية لإيران في حال استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين، لافتًا إلى ارتفاع عدد الضحايا إلى المئات بعد أسبوعين من المظاهرات الغاضبة، وما وصفه بوجود مندسين.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تشهد موجة غضب واسعة ومئات المظاهرات احتجاجًا على ما وصفه بـ"القبضة الحديدية" والتعامل القاسي مع المحتجين، لا سيما بعد مقتل سيدة على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك (ICE). ولفت إلى أنه بدلًا من إيقاف العنصر المتورط عن العمل وفتح تحقيق مستقل، عمد ترامب ووزيرة الأمن الداخلي إلى تبرير الحادثة والدفاع عنها، في خطوة عدها استفزازًا مباشرًا للجماهير الغاضبة.
من جانبه، رأى الأكاديمي حمود النوفلي أن الرئيس الأميركي "يهرب إلى الأمام" عبر التهديد بمهاجمة إيران بذريعة قتل المتظاهرين، في الوقت الذي تشهد فيه الولايات المتحدة مظاهرات حاشدة عقب مقتل مواطنة أميركية على يد شرطة الهجرة.
بدوره، أشار الناشط تامر قديح إلى أن ترامب يتجاهل بشكل كامل الاحتجاجات الواسعة داخل الولايات المتحدة، والتي خرجت تنديدًا بسياساته وأسفرت عن مقتل امرأة، أم لثلاثة أطفال، أمام الكاميرات على يد سلطات الهجرة دون ذنب، في الوقت الذي يتحدث فيه عن دعمه للاحتجاجات في إيران.
وعلّقت الأكاديمية الإيرانية شهلاء على مقطع فيديو يوثق مظاهرات غاضبة في مدينة بوسطن احتجاجًا على مقتل رينيه نيكول غود، وترى أن استمرار هذا المسار قد يجعل ترامب نفسه "الضحية"، في الوقت الذي يدّعي فيه السعي لإسقاط النظام في إيران.
وفي السياق ذاته، رأى محمد شحاتة أن الإعلام الأميركي يركز بشكل مكثف على احتجاجات إيران، ويسعى إلى تضخيمها واستغلالها سياسيًا، في حين يتجاهل مظاهرات ضخمة يشارك فيها آلاف الأميركيين في مدن كبرى مثل نيويورك، فيلادلفيا، واشنطن، بوسطن، لوس أنجلوس، سان دييغو، ومينيابوليس، والتي تستهدف بشكل مباشر إدارة الهجرة والجمارك.
وأوضح شحاتة أن المشهد مرشح للتصعيد وقد يصل إلى مرحلة العصيان المدني، لافتًا إلى نتائج استطلاعات رأي أظهرت تراجعًا حادًا في شعبية إدارة الهجرة والجمارك، ومعارضة واسعة لأدائها وسياسات إدارة ترامب، مضيفًا: "بطبيعة الحال، لن نسمع عن ذلك في الإعلام المنهمك بالتركيز على إسقاط إيران وتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد".
ووجّه زهدي الشامي خطابًا مباشرًا إلى الرئيس الأميركي، قائلاً: "أوقف قمع شعبك أولًا يا ترامب، قبل أن تهدد بالحرب لحماية محتجين خارج بلادك"، مضيفًا أن من غير المنطقي مطالبة إيران بوقف قمع المتظاهرين بينما تُقمع احتجاجات الداخل الأميركي.
مآلات مرتقبة
وفي ما يتعلق بأهداف الولايات المتحدة وإسرائيل من دعم الاحتجاجات في إيران، والمآلات المحتملة لأي تدخل عسكري، رأى الناشط الإنساني أدهم أبو سلمية أن واشنطن وتل أبيب تريان أن هناك فرصة سانحة للإطاحة بالنظام الإيراني واستبداله بنظام موالٍ للغرب وإسرائيل، بما يخدم – وفق تقديرهما – مشروع الهيمنة الإقليمية ضمن رؤية "الشرق الأوسط الجديد".
وحذر أبو سلمية من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة التي أغرقت العراق سابقًا في الفوضى والفقر، حريصة على الشعب الإيراني، ويرى أن النار التي أشعلتها إسرائيل في المنطقة لن تستثني أحدًا. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب ترامب، بأنهما يسعيان إلى التمدد والهيمنة دون اكتراث بالكلفة الإنسانية.
في المقابل، توقع أيهم السامرائي تدخلًا عسكريًا أميركيًا وشيكًا، ويرى أن قرار تغيير النظام في إيران قد اتُخذ بالفعل، وأن تنفيذه مسألة وقت، واصفًا ذلك بأنه "هدية" لشعبي إيران والعراق.
أما الباحث في العلاقات الأميركية – الشرق أوسطية علي الطراونة، فشدّد على أن أي تدخل عسكري أميركي في إيران يجب أن يكون مرتبطًا بهدف سياسي واضح، يسهم في تحويل الاحتجاجات من مجرد "انقسام عددي" داخل المجتمع الإيراني إلى "انقسام نوعي" داخل النخب والمؤسسات المؤثرة.
وحذّر الطراونة من أن أي تدخل يفتقر إلى هدف سياسي واضح قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها تعزيز رمزية النظام، وإحباط الشارع المحتج، وزيادة تماسك مؤسسات القمع، لافتا إلى أن الخريطة السياسية الإيرانية لا تُظهر، حتى اللحظة، مؤشرات على انقسامات بنيوية يمكن الرهان عليها لإنجاح تدخل خارجي.
من جهته، عبّر أحد المغردين عن رفضه القاطع لأي خيار عسكري، ويرى أن التدخل الأميركي أو الإسرائيلي لا يُضعف النظام الإيراني، بل يمنحه "قبلة حياة" جديدة. محذرًا من أن أي فراغ سياسي ناتج عن تدخل خارجي قد يفضي إلى حرب أهلية داخل إيران. ومؤكدًا أن الحل يكمن في نجاح الاحتجاجات داخليًا دون تدخل خارجي.
وفي الاتجاه ذاته، رأى المحلل السياسي ياسين عزالدين أن استبعاد توجيه ضربة عسكرية لإيران بحجة أنها قد تُضعف الاحتجاجات ليس واردًا في حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل. موضحًا أن الطرفين يعتقدان أن فرص إسقاط النظام عبر المظاهرات وحدها ضعيفة في ظل تماسكه الداخلي وغياب الانشقاقات.
وأوضح عزالدين أن الهدف من أي ضربة عسكرية محتملة يتمثل في تقويض بنية النظام من الداخل، عبر استهداف المراكز الأمنية والسجون وقيادات المؤسستين العسكرية والسياسية، وخلق فراغات تتيح للمعارضة التحرك. كما أشار إلى الرهان الأميركي– الإسرائيلي على عمليات اغتيال، وهجمات سيبرانية لشل التواصل بين مؤسسات الدولة، بما يشجع الشارع على التصعيد.
ولفت إلى وجود تقدير مبالغ فيه لدى واشنطن وتل أبيب بقدرة المعارضة الموالية لهما على السيطرة على المشهد. مؤكدًا أن توقيت أي هجوم يبقى العامل الأكثر حساسية، في ظل مخاطر الرد الإيراني واحتمالات اتساع رقعة المواجهة إقليميًا.
مظاهرات مؤيدة
في المقابل، سلّط ناشطون الضوء على المسيرات الحاشدة التي خرجت في عدد من المدن الإيرانية تأييدًا للحكومة، وردًا على الاحتجاجات المناوئة للنظام، ويرون أن هذه التحركات تمثل رسالة دعم للنظام القائم، ومحاولة لإحباط ما وصفوه بالمخططات الأميركية والإسرائيلية لزعزعة الاستقرار الداخلي.












