الشارع الإيراني يشتعل.. هل ينجح القمع في إخماد الغضب أم يعجّل بالسقوط؟

شدوى الصلاح | منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يشهد التعاطي مع الاحتجاجات المشتعلة في إيران، والمدفوعة بانهيار اقتصادي حاد، تباينا لافتا في الروايات والمواقف؛ إذ تؤكد السلطات الإيرانية أنها تواجه أعمال عنف وشغب، فيما تكشف منصات إخبارية وحقوقية أن ما يجرى هو قمع ممنهج لمتظاهرين سلميين، بينما تذهب الرواية الأميركية إلى أبعد من ذلك، وترى أن الاحتجاجات تستهدف إسقاط النظام، مع إبداء استعداد واشنطن لتقديم الدعم.

وتشهد المدن الإيرانية الكبرى، للأسبوع الثالث على التوالي، تصعيدا ميدانيا غير مسبوق، في مقدمتها العاصمة طهران ومدينة مشهد، وسط ترقب داخلي وخارجي لمآلات هذا الحراك الشعبي ونهاياته المحتملة.

وانطلقت الاحتجاجات في إيران يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، بعدما بدأ تجار بازار طهران الكبير تنظيم تظاهرات احتجاجًا على الهبوط الحاد في قيمة العملة المحلية (الريال الإيراني) أمام العملات الأجنبية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، قبل أن تمتد لاحقًا إلى عدد من المدن الإيرانية الأخرى.

وفي 10 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت السلطات الإيرانية اعتقال عشرات الأشخاص ممن وصفتهم بـ"قادة أعمال الشغب"، وذلك بعد 14 يومًا من الاحتجاجات الواسعة التي خرجت رفضًا لتدهور الأوضاع المعيشية.

ونقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية للأنباء عن مصدر أمني قوله: إن الأجهزة الأمنية اعتقلت نحو 200 شخص، قال: إنهم من قادة أعمال الشغب، وضُبطت بحوزتهم أسلحة وقنابل.

ولا تعلن السلطات الإيرانية عادةً حصيلة القتلى والجرحى والمعتقلين في مثل هذه الحالات بشكل رسمي وشامل، بل تكتفي بإفادات متفرقة، ما يفتح المجال أمام تقديرات وتوثيقات تصدر عن مؤسسات حقوقية في الخارج أو وسائل إعلام معارضة، تشير إلى سقوط نحو 65 قتيلا حتى الآن، بينهم 15 عنصرًا من الشرطة.

وبحسب تقارير إعلامية متفرقة وتصريحات إيرانية جزئية، قُتل خلال هذه الاحتجاجات، حتى أمس السبت، أكثر من 15 عنصرًا من الشرطة والأمن والباسيج والقضاء.

كما أعلن المتحدث باسم الشرطة الإيرانية، سعيد منتظر المهدي، إصابة نحو 270 شرطيا خلال المواجهات، في حين تُقدَّر أعداد الجرحى بالعشرات، فيما تحدث موقع "هرانا" الحقوقي عن اعتقال أكثر من 2311 شخصًا.

سياسيًا، صعّدت واشنطن من لهجتها تجاه طهران، إذ هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادة إيران، قائلا: "من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنطلق النار أيضًا". وأضاف أن الولايات المتحدة تراقب الوضع في إيران عن كثب، محذرًا القيادة الإيرانية من استخدام العنف ضد المتظاهرين.

وقال ترامب: "أكرر تحذيري للقادة الإيرانيين، من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضًا"، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني إرسال قوات برية أميركية. وتابع: "إذا بدأوا في قتل الناس كما فعلوا في الماضي فسنتدخل، وهذا لا يعني إرسال قوات برية، بل توجيه ضربة قوية جدا لهم في مقتل".

وفي تعليقه على تطورات الاحتجاجات، قال ترامب: "إيران في ورطة كبيرة، ويبدو لي أن الشعب يسيطر على بعض المدن، وهو أمر لم يكن أحد يتوقعه قبل أسابيع قليلة".

بدوره، كتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في تغريدة على منصة "إكس"، أن "الولايات المتحدة تدعم الشعب الإيراني الشجاع".

وقوبلت تهديدات ترامب برسالة من المرشد الإيراني علي خامنئي، دعا فيها الرئيس الأميركي إلى التركيز على مشكلات بلاده الداخلية، متهمًا بعض المحتجين بتخريب الممتلكات العامة لإرضاء واشنطن.

وفي أول تصريح علني له منذ اندلاع المظاهرات، قال خامنئي: "هناك بعض المحرّضين الذين يسعون لإرضاء الرئيس الأميركي من خلال تدمير الممتلكات العامة. الشعب الإيراني الموحد سيهزم جميع الأعداء". مضيفًا: "أدعو ترامب بشكل عاجل إلى التركيز على مشكلات بلاده".

وتزامنًا مع استمرار الاحتجاجات والتظاهرات المنددة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، تعهد الحرس الثوري الإيراني بالحفاظ على الأمن في البلاد. واتهم، في بيان بثه التلفزيون الرسمي، من وصفهم بـ"الإرهابيين" باستهداف قواعد عسكرية وأمنية خلال الليلتين الماضيتين، ما أسفر عن مقتل عدد من المدنيين وعناصر الأمن، إضافة إلى إحراق ممتلكات عامة وخاصة.

وأكد البيان أن "الحفاظ على مكتسبات الثورة الإسلامية لعام 1979 والحفاظ على الأمن خط أحمر"، مشددًا على أن استمرار الوضع الراهن "غير مقبول".

وفي موازاة ذلك، تباينت ردود فعل الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي حيال الاحتجاجات في إيران، وما رافقها من تصريحات إيرانية وتهديدات أميركية؛ حيث برز نقاش واسع حول السيناريوهات المحتملة للمشهد، من بينها قمع الاحتجاجات، أو سقوط النظام، أو تدخل الحرس الثوري في شكل انقلاب داخلي.

واختلف الناشطون عبر منصات "إكس" و"فيسبوك"، ومن خلال وسوم عدة أبرزها: #احتجاجات_إيران، #إيران، #طهران، #الحرس_الثوري، #ترامب، حول مآلات الحراك الشعبي. وحذّر فريق منهم من أن سقوط النظام الإيراني قد يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، ويحقق أطماعهما في المنطقة.

في المقابل، رفض ناشطون آخرون هذه السردية، مؤكدين أن إسقاط النظام الإيراني ضرورة، بصفته المسؤول عن القمع الداخلي والتدخلات الإقليمية في عدد من الدول العربية، من بينها سوريا واليمن ولبنان والعراق، عبر دعم المليشيات المسلحة، فضلًا عن سجله في قمع الاحتجاجات الداخلية وتنفيذ الإعدامات الجماعية.

ثلاثة سيناريوهات

في قراءة استشرافية لتطور الاحتجاجات في إيران، رصد المحلل الإستراتيجي والعسكري مهند العزاوي ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الأحداث. يتمثل السيناريو الأول في انقلاب يقوده الحرس الثوري، يتبعه تشديد القبضة الأمنية للحفاظ على مكاسب المؤسسة العسكرية والنخبة الحاكمة.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على انهيار شامل للمؤسسات الأمنية، وهروب القيادات السياسية، بما يشبه النموذج السوري. فيما يطرح السيناريو الثالث ما وصفه بـ"لحظة غورباتشوف"، أي لجوء النظام إلى تنازلات تاريخية تشمل تغيير الدستور، أو إلغاء مبدأ ولاية الفقيه، أو إجراء استفتاء عام يعيد تعريف طبيعة النظام السياسي.

من جانبه، أشار المتخصص في الدراسات الإيرانية خالد الحاج إلى أن درجة الحرارة في طهران تلامس الصفر، إلا أن العاصمة "لم تعد تنام"، في إشارة إلى استمرار الحراك الشعبي رغم الظروف المناخية القاسية والملاحقات الأمنية. وتوقع الحاج تصاعد وتيرة المظاهرات خلال الأيام المقبلة، مؤكدًا أن الغضب الشعبي لا يتراجع بسهولة في ظل استمرار الانهيار الاقتصادي، وتصاعد خطاب السلطة، وتشديد الإجراءات القمعية بحق المحتجين.

وأوضح أن تصلب الخطاب الرسمي إلى جانب استعداد الأجهزة الأمنية لاعتماد أساليب قمع أشد، يرجّح سيناريو تصاعد العنف ضد المتظاهرين، بدل الاتجاه نحو التهدئة أو احتواء الأزمة.

في المقابل، ذهب المحلل السياسي غسان محمود الياسين إلى أن ضربة أميركية ضد إيران باتت وشيكة، ويرى أن ما يجرى هو لحظة انتقام تاريخية ممن تسببوا في تدمير دول مثل سوريا والعراق واليمن، على حد وصفه، في موقف يعكس نزعة تصعيدية واضحة تجاه النظام الإيراني.

ورأى الكاتب مروان الغافوري أن الولايات المتحدة قد تتدخل مباشرة في المشهد الإيراني، عبر استهداف البنية الرمزية للنظام، بما يشمل القصور، والمنصات الإعلامية، ومراكز القيادة والسيطرة، إضافة إلى الجيش والشرطة. وأوضح أن شروط التدخل الأميركي قد تنضج على مستويين: الأول يتمثل في تورط النظام في إراقة الدماء، والثاني في وصول المتظاهرين إلى مرحلة امتلاك اليد العليا في الشارع. ويرى أن هذين الشرطين "قيد التنفيذ".

وأشار الغافوري إلى أن النظام الإيراني مرّ بمحن سابقة، إلا أن الوضع الحالي أكثر تعقيدًا وخطورة، لافتًا إلى أن خياراته محدودة، وأسهلها اللجوء إلى شيطنة المواطنين وإطلاق النار عليهم، وهو خيار يفتح "باب الجحيم"، وينتهي غالبًا بمأساة تمس النظام ذاته، كما حدث في التجربتين الليبية والسورية.

وحذر من أن بقاء النظام الإيراني يمثل كارثة، في حين أن سقوطه يحمل مخاطر جسيمة. مؤكدًا أن القوى الكبرى لا تقبل بالفراغ، وأن محور واشنطن–تل أبيب سيسارع إلى ملء أي فراغ محتمل، بما يمنح الولايات المتحدة مكاسب إستراتيجية ضخمة، من بينها السيطرة على موارد حيوية، مثل ثاني أكبر مخزون لليثيوم في العالم، وهو ما يعزز موقعها في صراع الهيمنة مع الصين.

وأكد الغافوري أن سقوط المرشد علي خامنئي سيؤدي إلى تغيير عميق في الجغرافيا السياسية، مضيفًا أن ما يجرى في إيران يأتي ضمن سلسلة أحداث عالمية تشهدها عشرات الدول، تعكس أفول نظام دولي وبروز آخر لم تتضح ملامحه بعد.

تحذيرات وتنبيهات

في سياق التحذير من تداعيات الاحتجاجات، رأى الكاتب ياسين التميمي أن ما يجرى في إيران، رغم وجود أسباب حقيقية له، قد يكون ذا كلفة إقليمية باهظة، مشبهًا إياه بالثورة السودانية التي دعمتها الإمارات، وفق تعبيره.

وأشار إلى أن العقوبات الأميركية والغربية أسهمت في إنهاك الاقتصاد الإيراني، كما فعلت سابقًا في السودان، ما فاقم حالة السخط الشعبي.

ولفت التميمي إلى أن إيران حقَّقت إنجازات اقتصادية ملموسة، إلا أن العقوبات الثقيلة، إلى جانب سياساتها الإقليمية، أسهمت في تفجير الأوضاع الداخلية. محذرًا من أن سقوط النظام الإيراني قد يفضي إلى هيمنة إسرائيلية شبه كاملة على المنطقة، وتنامي نفوذ الدول المتحالفة معها.

بدوره، رأى الإعلامي ستيفن نبيل أن سقوط النظام الإيراني في المرحلة الراهنة لا يخدم مصالح العرب. مشيرًا إلى أن إيران سبق أن سيطرت على أربع عواصم عربية، واستغلت موارد دول عدة، ونشرت الفوضى والانقسامات، خدمة لمصالح نظامها فقط.

في السياق ذاته، رأى أبو معاذ العسقلاني أن سقوط إيران يعني سقوط أبرز أعداء إسرائيل في المنطقة، وانهيار معظم جبهات المقاومة، ما يفضي إلى فراغ إستراتيجي يدفع إسرائيل للبحث عن أعداء جدد.

سقوط حتمي أم مخاطرة كبرى؟

في مقابل هذه التحذيرات، سخر الكاتب محمد جميح من المخاوف المتعلقة بإمكانية استفادة إسرائيل من سقوط النظام الإيراني، ويرى أن تل أبيب استفادت من عداء نظام خامنئي أكثر مما استفادت من صداقة الشاه.

وأكد أن مدنًا إيرانية كبرى، من بينها طهران وتبريز ومشهد تشهد تظاهرات ليلية واسعة ضد نظام الملالي.

ورأى جميح أن النظام الإيراني سيرحل عاجلًا أم آجلًا، لكنه سيكون قد غادر بعد أن ارتكب، باسم الدين، جرائم كبرى في الداخل والخارج. ويرى أن منظومة الفساد والطائفية والجريمة المنظمة اجتمعت تحت مسمى "الجمهورية الإسلامية".

من جانبه، رد المحلل السياسي صباح الخزاعي على من يحذرون من سقوط النظام، مؤكدًا أن أي نظام بديل سيكون أفضل من النظام القائم، واصفًا إياه بـ"الصفوي الطائفي".

في المقابل، عبّر الإعلامي الإيراني ماجد العباسي عن موقف أكثر حذرًا، إذ قال إنّه ناضل لعقود ضد نظام الملالي، لكنه يرى أن سقوطه في الظرف الحالي، وصعود معارضة قومية علمانية متطرفة مدعومة من الغرب وإسرائيل، قد يكون أسوأ من استمرار النظام الحالي.

كما رفض الكاتب إسماعيل كلم أي خطاب يدافع عن النظام الإيراني أو يبرر بقاءه، مؤكدًا أن دماء المسلمين في سوريا والعراق واليمن لا يمكن تجاهلها، وأن كل التحليلات التي تبرر استمرار النظام لا قيمة لها. على حد تعبيره.

ورأى الباحث حسين المؤيد أن الشعب الإيراني أثبت مرارا، أنه ضدّ نظام ولاية الفقيه، ويجدد اليوم موقفه عبر احتجاجات تتصاعد وتتسع وترفع شعارات سياسية واضحة في رفض نظام الملالي. متسائلا: "كيف يسوغ التنكر للشعب من أجل هواجس غير واقعية ولا تبرر الوقوف ضد الإرادة الشعبية". 

مشهد مركب

وعلى الضفة الأخرى، استبعد الإعلامي علاء الصالح سقوط النظام الإيراني في الوقت الراهن، معتبرًا أن سقوطه، إن حدث، سيكون مكسبًا من حيث إسقاط فتنته في وعي بعض العرب، ما يتيح مواجهة أوضح مع إسرائيل.

أما الباحث في الشأن السياسي سعيد زياد، فرأى أن ما يجرى في إيران لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا آنيًا أو انفجارًا اجتماعيًا معزولًا، بل هو مشهد مركب تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية الداخلية مع صراع إدراكي خارجي يستهدف صورة الدولة والنظام. ورأى أن التعاطي مع الاحتجاجات بصفتها مقدمة حتمية لانهيار سياسي يتجاهل طبيعة المجتمع الإيراني وقدرة النظام على امتصاص الصدمات.

وأكد زياد أن جذور الاحتجاجات اقتصادية بالأساس، لا سياسية، وأن قرارات إصلاحية حساسة، مثل إلغاء نظام العملة التفضيلية، استهدفت شبكات مصالح مترسخة، ما دفع هذه القوى إلى نقل المواجهة إلى الشارع.

وفي الاتجاه ذاته، قال مغرد يدعى علي: إن النظام الإيراني لن يسقط بسهولة، مشيرًا إلى أن غياب تدخل أميركي مباشر يجعل مصير أي حراك داخلي محصورًا بين القمع والاعتقال والتصفية.

تداعيات أمنية

وفي تعليق ساخر على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن دعم الشعب الإيراني، قال السياسي الفلسطيني فايز أبو شمالة إن من المفارقات أن رئيسًا دعم إسرائيل بالسلاح والمال لقتل الفلسطينيين، واختطف رئيس فنزويلا المنتخب، يقدّم نفسه اليوم كداعٍ لحرية الإيرانيين.

من جهته، حذر أستاذ العلوم السياسية عبد الله الشايجي من خطورة الوضع. مشيرًا إلى أن إدارة ترامب، بحسب مصادر أميركية، وضعت خططًا وبنك أهداف أولية، تشمل خيارات لعملية عسكرية واسعة ضد إيران، في حال لجأ النظام إلى قتل المتظاهرين السلميين.

ولفت إلى أن تصاعد الاحتجاجات، واتساعها لتشمل جميع المحافظات، إلى جانب تحريض نتنياهو ودعم نجل الشاه السابق، ينذر بتداعيات أمنية خطيرة على إيران والمنطقة بأسرها.

الكلمات المفتاحية