الحجاب في مواجهة الإرث الاستعماري.. كيف تعيد السنغال تعريف هويتها؟

عالي عبداتي | منذ ٨ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تواصل السلطات السنغالية الجديدة خطاها لتعزيز حضور مظاهر الثقافة الإسلامية في البلاد، والقطع مع الموروث الاستعماري الفرنسي العلماني، ومنه ما تعلق بارتداء الحجاب.

وأصدر وزير الداخلية والأمن العام في السنغال، محمدو بامبا سيسي، تعليمات إلى المشرفين على مراكز تسجيل بطاقة الهوية الوطنية البيومترية الخاصة بمجموعة دول غرب إفريقيا “إيكواس”، تقضي بالسماح للنساء المحجبات بالتسجيل دون إلزامهن بكشف شعر الرأس.

وثيقة هامة

ويأتي القرار، وفق بيان نشر في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2025، بعد تسجيل حوادث في بعض المراكز حيث طلب من نساء محجبات نزع غطاء الرأس أثناء عملية التصوير.

وأوضح الوزير أن عملية التسجيل يمكن أن تتم بمجرد أن يكون الوجه مكشوفا بشكل كاف، دون الحاجة إلى إظهار الأذنين، مؤكدا أن هذا الإجراء يهدف إلى احترام المعتقدات الدينية للمواطنات وتسهيل حصولهن على الوثائق الرسمية.

وتعكس الخطوة الجديدة -بحسب البيان- حرص السلطات على ضمان وصول جميع المواطنات إلى بطاقة الهوية البيومترية، مع مراعاة خصوصيتهن الدينية، في وقت يتواصل فيه برنامج تعميم هذه البطاقة في أنحاء البلاد.

وتعد بطاقة الهوية الوطنية البيومترية في السنغال وثيقة بالغة الأهمية، ليس فقط كإثبات شخصية محلي، بل لكونها تتماشى مع المعايير الأمنية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.

وتوفر هذه البطاقة لحاملها مزايا عديدة، ومنها حرية التنقل، من حيث تسهيل حركة الأفراد بين الدول الأعضاء في المنظمة الإقليمية.

وأيضا ما تعلق بالأمان العالي، بتوفرها على تقنيات تشفير بيومترية تمنع التزوير وتضمن حماية البيانات الشخصية.

إضافة إلى "الوصول للخدمات"، وذلك على مستوى الاستفادة من الخدمات المصرفية، والانتخابية، والاجتماعية داخل فضاء دول "إيكواس".

ومنذ وصول الرئيس باسيرو ديوماي فاي إلى الرئاسة في 2 أبريل/نيسان 2024، وهو أصغر رئيس منتخب في تاريخ البلاد، وتعيينه لعثمان سونكو رئيسا للوزراء، والسنغال تشهد تغييرات مستمرة للقطع مع الإرث الفرنسي، ومنه إخلاء الوجود العسكري لفرنسا بالبلاد.

ترحيب مجتمعي

لاقت هذه الخطوة ترحيبا واسعا من منظمات حقوق الإنسان، لا سيما داخل المجتمع المسلم.

وفي هذا الصدد، نقل موقع "بي أفريكا" في 28 ديسمبر 2025، إشادة منظمة "جمرا" غير الحكومية، المعنية بتعزيز القيم الإسلامية، بهذه المبادرة الحكومية، التي تعدها خطوة هامة نحو احترام كرامة النساء المحجبات.

ووفقا للمنظمة، فإن هؤلاء النساء يُعانين باستمرار من عدم الارتياح عند اضطرارهن لخلع حجابهن لتقديم أو الحصول على وثيقة هوية.

وبحسب المصدر ذاته، أكدت مديرة "جمرا"، مامي مختار غوي، أن "توجيه الوزير يتماشى مع مبدأ لطالما دافعت عنه منظمتنا: من الممكن تماما التعرف على هوية المرأة دون الحاجة إلى كشف رأسها، مع الاستمرار في ارتداء الحجاب الإسلامي بشكل يومي".

ورحبت منظمة "جامرا" بهذه المبادرة من الحكومة السنغالية، مشددة على أن هذا الإجراء سيعيد الكرامة للنساء المحجبات، اللواتي يشعرن بالحرج في كثير من الأحيان بسبب اضطرارهن لخلعه كلما احتجن إلى إبراز هويتهن.

أسباب أمنية

ونقل موقع "إفريقيا 24" المحلي في 29 ديسمبر 2025، تأكيد الناشط الحقوقي أليون تين، أن النظام السابق كان يمنع الحجاب في التصوير لبطاقة الهوية لأسباب أمنية في المقام الأول.

ورأى الناشط أن كشف الوجه يزيل أي لبس أو شك حول هوية الشخص المعني، ويضمن هذا الإجراء لجميع المواطنات السنغاليات الحصول على بطاقة الهوية البيومترية، مع ضمان الاحترام الكامل لمعتقداتهن الدينية.

وأشار إلى أن المذكرة الوزارية الأخيرة التي تُجيز تسجيل النساء المحجبات لأغراض التحقق البيومتري دون إلزامهن بخلع حجابهن “لم تُثر أي جدل حتى الآن، رغم النقاشات السابقة”.

وذكر تين أن هذا الإجراء ليس معزولا، فهو مُطبق بالفعل في دول أخرى بالمنطقة تشترك في نظام بطاقة الهوية البيومترية التابع للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.

وألمح إلى أن دولا مثل بوركينا فاسو ونيجيريا، الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان في غرب إفريقيا، اعتمدت أحكاما مماثلة.

في قراءته لكل هذه التفاعلات، أكد الكاتب والناشط السنغالي فاضل كي، أن السلطة السنغالية الجديدة تواجه تحديا جديا وهو إعادة ترتيب الأمور العقدية في بلاد يشكل المسلمون فيها 97 بالمئة.

وأضاف كي لـ"الاستقلال"، أنه “ينبغي الإشارة إلى أن  قانون احترام حجاب المرأة السنغالية عند تصويرها لغرض بطاقة الهوية أو جواز السفر سبقه موقف حازم من قبل رئيس الوزراء سونكو”.

واسترسل، ويتعلق هذا الموقف بمنع الطالبات السنغاليات من ارتداء الحجاب في المدارس ذات التوجه المسيحي مثل "جندارك" وغيرها.

وأردف كي، حيث أعلن سونكو فور تعيينه رئيسا للوزراء بأن أي مدرسة خاصة أو معهد يمنع الطالبة السنغالية من ارتداء الحجاب سيتعرض للعقاب.

وبناء عليه، يرى أن النظام الجديد يحرص على الحفاظ على الهوية الدينية للسنغاليين والسنغاليات.

وذكر الكاتب أن “المنهج الدراسي المتبع يتعرض للتعديل للاقتراب أكثر من الواقع السنغالي، مع الوضع في الحسبان هويتنا الإسلامية”.

توجه إستراتيجي

هذا التوجه الجديد الذي تبناه ديوماي وسونكو، يبرز ترسيخ الاتجاه الهيكلي الراسخ للسنغال في الانخراط في قضايا الهوية والتركيز على استثمار المجال الديني في الشأن العام، أكد عليه الخبير الإستراتيجي والاجتماعي مامادو بوديان.

وفي هذا الصدد، ذكر بوديان في تحليل نشره بموقعه الإلكتروني في 13 سبتمبر/أيلول 2025، أن الحكام الجدد يحرصون على تقديم السنغال كنموذج للإسلام المتسامح، الذي يحظى بالاحترام في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وأشار إلى أن رئيسي الجمهورية والوزراء حرصا منذ وصولهما للسلطة إلى التوجه للمحور الإسلامي، سواء بالمغرب العربي خاصة المغرب أو دول الخليج، لا سيما السعودية وقطر والإمارات، مقابل تركيز سلفهما ماكي سال على المحور الغربي-الصيني.

وذكر بوديان أن السنغال تقدم نفسها كمختبر ديني وسياسي حقيقي، قادر على تحويل حالة التفرد الداخلي إلى نموذج قابل للتصدير، حيث توفق الدولة بين الإسلام الصوفي والحركات الإصلاحية، دون الانزلاق إلى الصراع.

في المقابل، ما يزال التمدد المسيحي بالسنغال وحرصه على جعل العلمانية صفة للنظام السياسي يثير العديد من الانتقادات، ومن ذلك ما جاء في افتتاحية مجلة "يور" المحلية لشهر فبراير/شباط 2025، حملت توقيع رئيس تحريرها عمر طويل.

وذكرت المجلة أنه منذ استقلال السنغال عام 1960، ما تزال الأقلية المسيحية التي لا تتجاوز 5 بالمئة من السكان تهيمن على الحياة العامة الرسمية بالبلاد.

ولفت إلى أنه “حتى الدعم المقدم للمدارس المسيحية الخاصة يفوق بكثير الدعم المقدم للمدارس القرآنية (الدارات) أو المدارس الفرنسية-العربية”.

وفي المحاكم، تردف المجلة ذاتها، يُستمد القانون المدني والجنائي العلماني من القانون المدني الفرنسي الذي لا يمت بصلة إلى القانون المدني والجنائي الإسلامي.

وذكرت أن قانون الأسرة العلماني الذي أقره الرئيس ليوبولد سنغور سرا في الجمعية الوطنية عام 1972 من قبل حزبه، في ظل نظام الحزب الواحد، عارضه زعماء دينيون إسلاميون لكنه مايزال ساري المفعول.

ودعت المجلة الحكومة الجديدة بقيادة حزب باستيف إلى تقديم تعديل دستوري يلغي المادة القائلة بأن "السنغال دولة علمانية ديمقراطية"، ويقر كونها دولة إسلامية تستمد أحكامها وتشريعاتها من الدين الإسلامي، خاصة أننا نتحدث عن دولة يشكل المسلمون فيها 95 بالمئة من سكانها".