"تأثيرات ضاغطة".. لماذا يواجه حزب الله صعوبات لإعادة هيكلته العسكرية في لبنان؟

"يواجه حزب الله حاليا تقنين أجور مقاتليه"
يبدو واضحا أن “حزب الله” اللبناني يواجه صعوبات في إعادة لملمة صفوفه عسكريا، بعد أكبر عملية إضعاف تعرض لها نتيجة المواجهة الأخيرة مع إسرائيل.
فقد تلت خسارة “حزب الله” قادته من الصف الأول والثاني منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 في المعارك مع إسرائيل، سقوط حليفه الأبرز نظام بشار الأسد وانقطاع طرق الإمداد عبر سوريا القادمة من إيران.
تحديات الترميم
وأمام ذلك، فإنه منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف النار بين حزب الله وإسرائيل في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بعد مواجهات اندلعت في الثامن من أكتوبر 2023، بدأ الحزب رحلة تعويض خسائره العسكرية وكسر الرقابة الحكومية على مصادر تمويله أيضا المهمة للنهوض مجددا.
وبينما يخوض الحزب تحديات إعادة ترميم قدراته العسكرية وملء الفراغ في مواقع قياداته الذين قتلوا، تمضي إسرائيل في حرب أمنية ضده في لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين.
وتقول إسرائيل: إنها ستواصل استهداف عناصر ومنشآت حزب الله، ولن تسمح له بإعادة بناء قدراته بعد الحرب.
فخلال مارس/ آذار 2025 قتل عدد من عناصر حزب الله، بينهم حسن عباس عز الدين القيادي في الحزب "ومسؤول منظومة الدفاع الجوي في وحدة بدر الإقليمية" التابعة للحزب.
وقال الجيش الإسرائيلي عبر بيان في 11 مارس 2025: إن عز الدين "قاد محاولات إعادة بناء منظومة الدفاع الجوي بعد أن كانت قد تضررت بشكل ملموس" أثناء القتال جراء الغارات التي شنها الجيش الإسرائيلي.
وكانت إسرائيل اغتالت في 28 نوفمبر 2024 أبو علي رضا قائد وحدة "بدر"، إحدى أبرز وحدات حزب الله، التي تنشط في القتال ضد الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، خاصة في المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني إلى مدينة صيدا.
وقتل قرابة 80 بالمئة من قيادات حزب الله عبر عمليات اغتيال مباشرة من قبل إسرائيل في أماكن وجودهم بلبنان، وعلى رأسهم الأمينان العامان السابقان حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، جراء ضربات متفرقة في ضاحية بيروت الجنوبية.
وفقا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، خسر حزب الله 5 آلاف مقاتل في المواجهة مع إسرائيل، ويعاني أكثر من 1000 آخرين من إصابات بالغة، بما في ذلك بتر الأطراف والعمى الدائم التي تسببت به تفجيرات أجهزة الاتصال "بايجر" التي كان يحملها بعض عناصر وقادة الحزب.
ولطالما كان حزب الله الذي تأسس على يد الحرس الثوري الإيراني عام 1982 يشير باستمرار إلى قوة احتياطاته الأمنية ومتانتها أمام الاختراق الإسرائيلي.
وقد كان تركيز إسرائيل على استهداف العنصر البشري لحزب الله المدرب وصاحب الخبرة القتالية الطويلة، بهدف تصفية وجود الحزب في لبنان.
حيث أضعفت تلك الاغتيالات سلسلة القيادة في الحزب التي كانت تتولى تنسيق العمليات والمواجهة مع إسرائيل.
جملة معوقات
وأمام هذه التطورات، فإن التحدي الأكبر بالنسبة لحزب الله هو ملء الشغور في المواقع القيادية بعد الاستهداف الكبير لأبرز قيادات الصف الأول والثاني من الجيل المؤسس للحزب.
إلا أن الأمين العام الحالي للحزب نعيم قاسم قال بعد اغتيال نصر الله: إن "عملية الاستبدال سلسة وتتم وفق الهيكل التنظيمي والخطط البديلة للأفراد والقادة التي وضعها نصر الله لملء الفراغات في حال الطوارئ".
وفي ظل هذه الحالة، فإن حزب الله بدأ مرحلة جديدة يسعى من خلالها إلى إعادة هيكلة بنيته العسكرية حتى يوحي للداخل قبل الخارج، ولجمهوره ولبيئته الحاضنة قبل الآخرين أنه “قادر على العودة للمواجهة العسكرية مع إسرائيل في كل لحظة”.
إلا أن هذه المعادلة التي يعمل حزب الله على ترتيبها، ما تزال تصطدم بجملة من المعوقات والتي شكلت ذات يوم الشريان الأساسي لبقاء نفوذه حاضرا.
واستعرض موقع "جنوبية" المحلي جملة من تلك المعوقات والتي على رأسها، مشكلة التمويل والتي قد تكون هي الأكبر بين المشكلات التي يواجهها حزب الله حاليا، والتي قد تصل إلى وقف أو تقنين أجور مقاتليه وتعويضات عائلاتهم، خاصة أن خزان الاحتياط يمكن أن ينضب إذا لم تتم تغذيته، في حين تبدو روافد التمويل مقفلة إلى حد كبير.
كذلك، هناك مشكلة لدى الحزب في التسلح والتجهيز واللوجستية؛ حيث يدرك أن قطع الطريق بين الضاحية وإيران جفف طرق تجهيزاته، ما قد يدفعه إلى وسائل تصنيع ذاتي تشبه أسلوب حركة المقاومة الفلسطينية "حماس".
كما شكلت خسارة حزب الله خبرات قيادات تملك سنوات من التمرس في القتال والتخطيط أحد أبرز المعوقات وفق "جنوبية"، وخاصة أن الحزب لا يمكنه ملء شواغر القيادات العسكرية بمقاتلين من الهواة الذين يحتاجون إلى كثير من الوقت لاكتساب الخبرات القتالية والميدانية المطلوبة للقتال.
وفي الوقت الراهن يكافح حزب الله لتغطية النفقات الطبية وتعويضات عناصره وعائلاتهم.
نقص التمويل
وتشير مصادر صحفية إلى أن حزب الله فكك عدة وحدات عسكرية بسبب الخسائر الفادحة، لكنه حاول تعزيز صفوفه بإعادة نشر مقاتلين من سوريا وإعادة هيكلة قواته استعدادا لأي مواجهات مستقبلية محتملة.
ولعقود، عمل حزب الله كدولة داخل الدولة في لبنان، موفرا فرص عمل وخدمات اجتماعية ودعما ماليا لأعضائه وعائلاتهم، إلا أن تكاليف الحرب الأخيرة جعلت هذه الالتزامات المالية غير قابلة للاستمرار.
وقد تلقى حزب الله هزة ثانية بسقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 الذي كان يُؤمِّن له خطوط إمداده المالية متعددة المصادر.
وقد كان لافتا أن حزب الله بات مرصودا حتى من قبل الحكومة اللبنانية التي منعت في الفترة الأخيرة دخول أموال له عبر مطار بيروت الدولي.
وتفاقمت الصعوبات المالية التي يواجهها الحزب بسبب الجهود الجديدة التي تبذلها الحكومة اللبنانية للحد من تدفق الأموال الإيرانية، المصدر الرئيس لتمويله.
ولا سيما أن تقارير صحفية تحدثت عن أن إيران تحاول دعم حزب الله عن طريق إرسال ملايين الدولارات على متن رحلات جوية قادمة إلى بيروت.
وسبق لحسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل في 27 سبتمبر/ أيلول 2024 أن قال صراحة في 24 يونيو/ حزيران 2016: إن "موازنة الحزب ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه تأتي من إيران".
اللافت أن المجتمع الدولي يطالب الحكومة اللبنانية بتحمل مسؤوليتها في منع أنشطة إعادة تسلح حزب الله، وتعزيز رقابة الجيش على المنافذ الحدودية الجوية والبرية والبحرية لمنع تهريب أسلحة أو وسائل قتالية للحزب.
وطالب وزراء في حزب القوات اللبنانية خلال جلسة برلمانية منتصف مارس 2025 بضرورة وضع روزنامة لسحب سلاح حزب الله، واقترحوا أن تكون المدة ستة أشهر.
وبعد نيل حكومة نواف سلام الثقة في 25 فبراير/شباط 2025، قال رئيس الجمهورية جوزيف عون، خلال مقابلة صحفية، إنه "إذا أردنا أن نتحدث عن مفهوم السيادة، فمفهومها حصر قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة، واحتكار السلاح أو حصر السلاح بيد الدولة".
وبحسب تقرير "مجموعة الأزمات الدولية" نشر في 27 فبراير 2025، فإن "محاولة فرض نزع سلاح حزب الله بالقوة لن تكون ناجحة، ومن غير المرجح أن يرضخ الحزب لمثل هذه الضغوط".