"سادات" التركية.. شركة دفاعية تدعم أردوغان وتقلق إسرائيل وتحبط الانقلابات

"سادات" تمثل رقما صعبا في سوق الصناعات العسكرية والدفاعية التركية
عندما توفي رائد الصناعات الدفاعية التركية، العميد "عدنان تانريفردي"، ودفن في مقابر "أيوب سلطان" بإسطنبول، يوم 4 أغسطس/ آب 2024، ترك إرثا عظيما مشهودا لدولته.
هذه الإرث هو شركة سادات (SADAT) للاستشارات والتدريب العسكري في مجال الدفاع، التي يقودها ويرأس مجلس إدارتها حاليا، نجله "مليح تانريفردي".
و"سادات" تمثل رقما صعبا في سوق الصناعات العسكرية والدفاعية التركية، فقد استهدف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ وصوله إلى سدة الحكم عام 2003، جعل تنمية الصناعات الدفاعية هدفا طويل الأجل لنظامه.
وبعد قرابة عقدين من الزمن أصبح حوالي 65 بالمئة من هذا القطاع مصنعا محليا، مقارنة بـ20 بالمئة عند صعود حزبه العدالة والتنمية للحكم، لتصبح تركيا خلال سنوات في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال.
لا سيما أن الشركات المدنية التركية المتخصصة في الصناعات العسكرية، أصبحت رائدة على الصعيد الإقليمي والعالمي.
ورغم وجود كثير من الشركات الدفاعية التركية المتقدمة التي لها باع في الأسواق الدولية، مثل "أسلسان" و"توساش" و"ريبكون" و"أركا".
لكن "سادات" اختلفت من حيث التوجه والأهداف، ولعبت أكثر من دور على أصعدة مختلفة مثل مناهضة الانقلابات العسكري ودعم الديمقراطية، ورفع شعارات أيديولوجية إسلامية واضحة.
ما جعلها هدفا لقوى خارجية وداخلية، بداية من إسرائيل وروسيا، وصولا إلى المعارضة التي استهدفتها أكثر من مرة.
تدشين "سادات"
كان العميد "عدنان تانريفردي" جنرالا عسكريا داخل القوات المسلحة التركية، وشغل العديد من المناصب المختلفة، منها قائد اللواء المدرع الثاني في منطقة "كارتال" بإسطنبول.
ورئيس إدارة الصحة في القوات البرية، لكن تمت إحالته للتقاعد في 30 أغسطس/ آب 1996، وقيل إن السبب الرئيس لذلك هو توجهاته الإسلامية.
ولم يكن قرار الإطاحة بـ "تانريفردي" من الجيش التركي، نهاية لمشوار الرجل، بل كان بداية حلقة جديدة ستكون الأكثر أهمية في حياته.
إذ انخرط في أنشطة مدنية، منها أنه شارك في 30 مايو/ أيار 2004، برفقة مجموعة من الضباط وضباط الصف المتقاعدين، أو الذين تم فصلهم من الجيش، في تأسيس جمعية المدافعين عن العدالة "ASDER".
والتي أسهمت في تعزيز أفكار إلغاء الوصاية العسكرية وتعزيز الديمقراطية، والعمل على وأد الانقلابات العسكرية.
وفي 28 فبراير/ شباط 2012، اتخذ الجنرال تانريفردي، واحدة من أكثر الخطوات أهمية في مسيرته عندما أسس شركة الاستشارات والتدريب العسكري في مجال الدفاع، سادات (SADAT).
الشركة يقع مقرها في منطقة "بيلك دوزو" في مدينة إسطنبول، وتأسست آنذاك برأس مال قدره 643 ألف ليرة تركية (سعر الدولار الأميركي، مقابل الليرة التركية عام 2012 = 1.80 ليرة).
كما ساعد نحو 23 ضابطا متقاعدا من القوات المسلحة التركية، تانريفردي، في تدشين مشروعه.
وكان الشعار الذي أعلنت عنه "سادات" بشكل علني، منذ اللحظة الأولى، هو العمل على "خلق بيئة للتعاون في مجال الدفاع والصناعة الدفاعية بين الدول الإسلامية".
مع تمكين العالم الإسلامي أن يصبح قوة عسكرية مكتفية ذاتيا، من خلال تقديم الخدمات في مجالات تنظيم القوات المسلحة والأمن الداخلي.
وهو الأمر الذي طالما عبر عنه الراحل "تانريفردي" في أحاديثه، وقال إنه استلهمه من الزعيم الإسلامي التركي، رئيس الوزراء الراحل، نجم الدين أربكان، في أن يعمل على أخذ العالم الإسلامي مكانه الصحيح بين القوى العظمى في العالم.

خدمات “سادات”
يذكر الأعضاء المؤسسون أنهم اختاروا اسم الشركة "سادات"، لأنها اختصار لمصطلح "استشارات الدفاع" وأنها تعني "السادة" بنفس معناها في اللغة العربية.
وسرعان ما انخرطت "سادات" في سوق الأنشطة العسكرية والتسليح، وأعلنت عبر موقعها الرسمي تقديم خدمات مثل التدريب العسكري والاستشارات الدفاعية، وشراء الذخيرة، والخدمات اللوجيستية، في قطاعات الدفاع الدولي والأمن الداخلي.
وتتمتع شركة “سادات” بالقدرة على توفير التدريب على العمليات الجوية في قطاعات المظلات وعمليات طائرات الهليكوبتر والحرب الإلكترونية والطائرات بدون طيار.
ويعمل موظفوها الخبراء في مجال تجهيز برامج لتدريب أفراد القوات الجوية الذين خدموا في القوات المسلحة التركية لسنوات عديدة.
كما تعلن “سادات” أنها تقوم بتقييم التهديدات العسكرية ضد البلدان، وتحديد الإمكانيات "الاستراتيجيات والموارد الدفاعية" للدولة بمفردها أو مع تحالفاتها العسكرية.
وتقدم توصيات وأبحاثا، تستطيع من خلالها أن تنظم القوات المسلحة للدول ضد التهديدات العسكرية المحتملة.
كذلك تقدم شركة “سادات” مجموعة متنوعة من الخدمات التفصيلية، مثل تصميم جميع أنواع الهياكل التي قد تكون هناك حاجة إليها في أي موقع عسكري.
مثل مباني التدريب والرماية والمرافق الرياضية وترسانة الأسلحة والتخزين.
ومباني مقرات القيادة والمرافق الاجتماعية والمبيت للضباط والجنود، والتي تحتاجها منظمات الدفاع والأمن عموما.
ويمكن لـ "سادات" أن تقوم بدور المستشار أو التاجر في الصفقات الدولية للدول والأنظمة في مجال الأسلحة والعتاد والمعدات اللازمة لوحدات الدرك الوطني وقوات الشرطة.
ويمكنها تقديم الاستشارات وإنشاء الخدمات الفنية على مختلف المستويات لصيانة وإصلاح الأسلحة والمركبات والمعدات العسكرية بمختلف تشكيلاتها.
وتتمكن " سادات" من إعادة تنظيم أقسام الشرطة الوطنية في البلدان من خلال فرقها المهنية الخاصة، التي يتألف أعضاؤها من ضباط شرطة من الدرجة الأولى، عملوا لسنوات في وحدات الشرطة التركية.
ومما تتميز به الشركة التركية هو قدرتها على إنشاء وحدات على مستوى الجندي الفردي، والفصيلة والكتيبة والفوج واللواء والفرقة والفيلق والجيش، والقوة العسكرية الخاصة، من الألف إلى الياء والبدء من مستوى الصفر.
وتشمل أيضا خدماتها المتعددة التدريب على الحرب غير النظامية، بالإضافة إلى تدريب القناصة، والتعريف بآخر ما وصلت إليه تقنيات الاغتيال.
وتقتصر خدمات "سادات" على القوات المسلحة وقوات الشرطة للدول الصديقة والحليفة تماشيا مع مصالح أنقرة.

أنشطة “سادات”
على المستوى العملي والنشاط الميداني، قدمت شركة "سادات" الدفاعية إسهامات عديدة مؤثرة. فالشركة تقول إنها قدمت الخدمة لـ20 دولة إسلامية في مجال التدريب والاستشارات الأمنية، والتدريب العسكري، منها أذربيجان والصومال وليبيا وجيبوتي والسودان.
وفي 2015 تحدثت صحف تركية عن أن "سادات" كان لها دور بارز في القضاء على التمرد الذي قام به تنظيم حزب الشعب الكردستاني (مصنف إرهابيا داخل تركيا)، في مدن جنوب شرق تركيا بعد أن أعلن حكما ذاتيا فيها.
ولعبت الشركة دورها الأكبر في مساعدتها للتصدي للانقلاب العسكري الفاشل في تركيا يوم 15 يوليو/ تموز 2016.
وتحدثت تقارير صحفة تركية مثل "سوزجو" و"هابر ترك" عن أن الشركة ساهمت في تسليح عناصر أمنية للتصدي للقوات الانقلابية، التي كانت تحاول السيطرة على المؤسسات الرسمية في إسطنبول وأنقرة.
لذا أصدر الرئيس أردوغان قرارا في أغسطس/ آب 2016، بتعيين عدنان تانريفردي، كمستشار عسكري كبير، وهو المنصب الذي استمر فيه حتى تقدم باستقالته منه عام 2020.
ومما يعزز مدى العلاقة بين "سادات" والقيادة العليا للدولة، أن رئيس شركة سادات، كثيرا ما يحضر الاجتماعات الأمنية عالية الخطورة جنبا إلى جنب مع "هاكان فيدان"، وزير الخارجية، الذي يوصف بأنه كاتم أسرار أردوغان، وكان الرئيس السابق للاستخبارات التركية.
والتنسيق بين الاستخبارات التركية و"سادات" لم يعد أمرا خفيا بعد أن صرح أكثر من مرة "مليح تانريفردي" الرئيس الحالي لـ"سادات"، بأن شركته تتعاون مع الاستخبارات التركية.

إسرائيل وروسيا والمعارضة
على الصعيد الدولي أحدثت شركة "سادات" قلقا لعدد من القوى، بسبب خلفيتها الإسلامية، وإسهاماتها في تعزيز النهضة التركية في مجال الصناعات الدفاعية.
ودخلت "سادات" في صدام مباشر مع إسرائيل، في فبراير/ شباط 2018، عندما اتهمها الاحتلال، بالمساهمة في تعزيز القوة العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية "حماس"، من خلال تقديم الدعم الاستشاري والعسكري والمالي للحركة.
بعدها اتهمت روسيا "سادات" بأنها هي التي تسوق للسلاح التركي في دول العالم الاسلامي، وأنها شحنت قرابة 10 آلاف قطعة من الأسلحة "مركبات مدرعات، قاذفات صواريخ، طائرات مسيرة"، إلى حكومة الوفاق الوطني في ليبيا.
لكن مكمن الخلاف الحقيقي بين روسيا وشركة "سادات" أن وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية، المعروفة بقربها من فلاديمير بوتين، زعمت أن مقاتلي الجيش السوري الحر، تلقوا تدريبات وتأهيل على يد المستشارين العسكريين بـ"سادات".
ولا يغفل الدور الذي لعبته "سادات" في أذربيجان، عندما دعمت تركيا النظام الأذري في حربه ضد أرمينيا عام 2020، لتحرير إقليم "قره باغ".
وأسهمت "سادات" في تقديم دعم كامل وقوي لجيش أذربيجان، من حيث التدريب والتسليح والاستشارات الميدانية والخدمات اللوجستية.

المعارضة التركية أيضا وضعت شركة "سادات"، على رأس مستهدفاتها، بسبب اتهامات ضد مؤسس الشركة تانريفردي، بأنه هو من أشار لأردوغان بالتحول للنظام الرئاسي لمنع أي انقلاب مستقبلي للجيش.
وتطور الأمر بين "سادات" والمعارضة في أتون معركة انتخابات الرئاسة التركية الشرسة التي حسمها أردوغان بالفوز يوم 28 مايو/ أيار 2023.
فقبلها بأشهر قليلة وضعت المعارضة بقيادة حزب الشعب الجمهوري، وزعيمه (آنذاك) كمال كليتشدار أوغلو، شركة سادات على جدول أولوياتها.
حيث قام مرشح المعارضة، بزيارة مفاجئة لمقر الشركة، وأعلن لوسائل الإعلام التي رافقته، أتيت إلى هنا لكنهم أغلقوا الباب بوجهي.
ثم توعدهم قائلا: "لا تستعجلوا ولا تنسوا في هذا البلد يوجد حزب اسمه الشعب الجمهوري".
في نفس التوقيت دعمت ميرال أكشنار زعيمة حزب "الجيد"، حينها كليتشدار أوغلو، وقالت: "إن سادات يوجد لديهم معسكر تدريب في قونيا".
وهو الأمر الذي رد عليه رئيس الشركة الحالي "مليح تانريفردي" نجل عدنان، ووصف التهم بأنها ترديد لما تقوله جماعة فتح الله غولن الانقلابية، المصنفة إرهابية.
وقال إن الادعاء التركي فتح تحقيقا بالقضية في 2018 وعندما لم يجد دليلا استدعى الصحفيين، الذين قالوا إنهم سمعوا ذلك من أكشنار، وعندما سأل الادعاء أكشنار عن مصدر ادعاءاتها رفضت الحديث.