"نقطة تحول تاريخية".. هكذا فسر تقرير ألماني خروج الجيش الفرنسي من إفريقيا

منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

تحول تاريخي في السياسة العسكرية الفرنسية في إفريقيا، حيث بدأت باريس في سحب قواتها من ثلاث دول إفريقية رئيسة، هي تشاد والسنغال وكوت ديفوار، بعد عقود من الوجود العسكري.

وبشكل عام، أكد موقع "تيليبوليس" الألماني أن الانسحاب الفرنسي من هذه الدول “يعكس تزايد الضغط الشعبي والرغبة في التحرر من الاستعمار الجديد”.

لكنه يثير- في الوقت ذاته- تساؤلات حول "ما إذا كانت هذه الدول ستتجه نحو الديمقراطية أم نحو سيطرة أنظمة استبدادية جديدة".

وتناول الموقع كذلك الوضع في مالي؛ حيث وصلت الحكومة العسكرية إلى السلطة بعد انقلاب في 2020.

وأوضح أن هذه الحكومات العسكرية بدأت في تعزيز سيادتها والتوجه نحو الاستقلال عن النفوذ الفرنسي.

"صندوق الرمل"  

وبدأ الموقع الألماني تقريره بالإشارة إلى أن حقبة معينة “تقترب من نهايتها بشكل نهائي”. 

ومن المتوقع أنه في غضون أسابيع قليلة، ستسحب فرنسا قواتها التي تمركزت لعقود في ثلاث دول إفريقية رئيسة في وقت واحد، وهي السنغال وكوت ديفوار وتشاد.

وأوضح الموقع أنه منذ 10 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بدأت فرنسا تدريجيا بسحب قواتها المتمركزة منذ عقود في الدولة الصحراوية الواقعة وسط إفريقيا، تشاد، بدءا بالمقاتلات من طراز "ميراج".

ومن المقرر أن يكتمل هذا الانسحاب بحلول 31 يناير/ كانون الثاني 2025. 

وأبرز الموقع أن فرنسا ستفقد بذلك آخر قاعدة عسكرية لها في منطقة الساحل، باستثناء القاعدة الواقعة على نفس خط العرض في جيبوتي بشرق إفريقيا قرب البحر الأحمر.

وبالحديث بشكل تفصيلي أكثر، ذكر "تيليبوليس" أن الحكومة التشادية دعت نظيرتها الفرنسية بشكل شبه حاسم إلى تنفيذ هذا القرار. 

وبعد ساعات قليلة من زيارة نظيره الفرنسي، جان-نويل بارو، أعلن وزير الخارجية التشادي، عبد الرحمن كولا مالاه، عبر فيسبوك عن "إلغاء "اتفاقيات الدفاع" السارية سابقا"، مطالبا باريس بـ"سحب وحداتها العسكرية المتمركزة في البلاد".

وفي هذا السياق، قال الموقع إن القوات الفرنسية، التي تُوصف تشاد أحيانا بأنها "صندوق الرمل الإفريقي" الخاص بها، كانت موجودة هناك منذ عام 1986 بشكل مستمر وفي وضع قتالي. 

جدير بالذكر، أنها أنقذت النظام التشادي مرارا، كما حدث أثناء هجوم المتمردين في فبراير/ شباط 2008، الذي كاد أن يؤدي إلى الإطاحة بالديكتاتور آنذاك إدريس ديبي إتنو.

وفي هذه النقطة، استشهد الموقع بتصريح الوزير كولا مالاه بأن "فرنسا شريك مهم"، لكنه استدرك بعد ذلك قائلا إن "تشاد نمت وأصبحت أكثر نضجا ومتمسكة بسيادتها".

عفا عليها الزمن

وفي إطار هذا الحدث، لفت الموقع إلى أنه في الأول من ديسمبر 2024، أعلن الرئيس التشادي في خطاب تلفزيوني أن الاتفاقيات العسكرية السابقة مع باريس "عفا عليها الزمن".

لكنه أكد في الوقت نفسه أن "نظامه لا يسعى لاستبدال قوة عظمى بأخرى".

وهذا التصريح -بحسب الموقع الألماني- يعني أن تشاد، على عكس الدول المجاورة التي انضمت منذ عام 2023 إلى "اتحاد دول الساحل" (AES) مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لن تطلب مساعدة عسكرية من الاتحاد الروسي.

علاوة على ذلك، في الخامس من ديسمبر 2024، أضاف وزير الخارجية، كولا مالاه، في مقابلة مع قناة "فرانس 24"، أنه "لن تكون هناك لا قوات فرنسية ولا روسية في تشاد مستقبلا".

وبنقل الحديث إلى السنغال، أفاد موقع "تيليبوليس" بأن الرئيس باسيرو ديوماندي فاي، الذي يشغل منصبه منذ أبريل/ نيسان 2024، أعلن في مقابلة مع صحيفة "لو موند" الفرنسية أنه "لن يكون هناك جنود فرنسيون في السنغال قريبا".

جدير بالذكر أنه في الوقت الحالي، لا يزال هناك 350 جنديا فرنسيا متمركزين في قاعدة عسكرية في داكار، مقارنة بأكثر من 1200 قبل تسليم القاعدة رسميا إلى الدولة السنغالية في 1 أغسطس/ آب 2011.

وبعد ذلك، ذكر الموقع أن السنغال تولت إدارة المنشأة، لكن حوالي ثلث القوات الفرنسية التي كانت متمركزة هناك بقيت بموجب اتفاقية "منصة للتعاون العسكري".

وأضاف كذلك أنه في الماضي، انطلقت القوات الفرنسية من داكار لشن عمليات، مثل قصف حركة "البوليساريو" التي كانت تقاتل المغرب في إقليم الصحراء الغربية بين عامي 1977 و1978، أو للإطاحة بالرئيس الإيفواري السابق لوران غباغبو عام 2011.

من جانبه، أوضح الرئيس السنغالي أن طلبه سحب القوات الفرنسية المتبقية من البلاد لا يعني "قطع العلاقات مع فرنسا". 

وأضاف أن "السنغال تحتفظ أيضا بعلاقات ثنائية مع دول مثل الصين والولايات المتحدة وتركيا والسعودية، دون أن يعني ذلك وجود قوات أجنبية متمركزة في البلاد".

وفي هذا السياق، نوه الموقع الألماني إلى أن هذا الإعلان جاء قبيل الاحتفالات بالذكرى الثمانين لمجزرة "تياوري". 

ففي الأول من ديسمبر 1944، ارتكبت القوات الفرنسية مجزرة في المعسكر العسكري قرب داكار، حيث راح ضحيتها ما بين سبعين إلى مئات من الجنود السنغاليين القدامى في الحرب العالمية الثانية.

وهنا سلط الموقع الضوء على أنه للمرة الأولى يتم إحياء ذكرى هذا الحدث في فرنسا عام 2024.

إذ استخدم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لأول مرة في رسالة وجهها إلى الرئيس فاي، في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، مصطلح "المجزرة" الذي كان محظورا في السابق.

تنقيب اليورانيوم  

وفي هذا الإطار، لفت الموقع النظر إلى أن "الدعم الشعبي لمطلب سحب القوات الفرنسية، وكذلك الشركات الفرنسية، أصبح أمرا ملموسا". 

فعلى سبيل المثال، لجأت شركة "أورانو" النووية الفرنسية، في 20 ديسمبر 2024، إلى هيئة تحكيم دولية بعد أن سُحبت منها فعليا حقوق التنقيب عن اليورانيوم في النيجر.  

ولتجنب حدوث أزمة في الصناعة النووية الفرنسية، ذكر "تيليبوليس" أن الشركة أعلنت في 28 ديسمبر 2024، عن "اتفاق جديد لاستخراج اليورانيوم مع منغوليا".  

وبالإشارة إلى أن الإعلان عن القطيعة مع فرنسا الاستعمارية الجديدة في الدول التي تديرها حكومات عسكرية حديثا في المنطقة، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، أثار "موجة أمل" حقيقية، عكس الموقع أن هذا الأمل “يتلاشى تدريجيا بسبب الممارسات السلطوية”. 

فعلى سبيل المثال، أوضح أنه في مالي، كان من المفترض أن تعقد الحكومة العسكرية التي وصلت إلى السلطة في أغسطس 2020 عقب احتجاجات جماهيرية ضد الرئيس آنذاك إبراهيم بوبكر كيتا، انتخابات وتسلم السلطة إلى المدنيين بحلول فبراير 2024 وفق التزاماتها الذاتية.  

وفي خطاب ألقاه في 27 نوفمبر 2024، أشار الرئيس الرسمي الذي يحمل لقب "الرئيس الانتقالي"، أسيمي غويتا، إلى احتمال عقد انتخابات مستقبلية، لكنه لم يحدد تاريخا لذلك.  

ومع ذلك، يبدو أن غويتا -كما نوه الموقع- يخطط لترشيح نفسه للرئاسة، مع إجراء الانتخابات بما يلائم احتياجاته.

وبهذا الشأن، نقل الموقع عن وسائل التواصل الاجتماعي منشورات ومقاطع فيديو تدعو إلى "تأجيل الانتخابات حتى عام 2030 أو حتى 2050"، مفضلة الإبقاء على غويتا كـ"منقذ للأمة".

وعلى الرغم من ذلك، من المحتمل أن يُحدد موعد للانتخابات إذا تم ترشيح غويتا رسميا.

مطالب بالانسحاب

ومن ناحية أخرى، أضاف الموقع أنه في الأسابيع الأخيرة، شهدت كل من مالي وبوركينا فاسو إعادة تشكيل حكومية. 

ففي باماكو، عُين الجنرال عبد الله مايغا رئيسا جديدا للوزراء في 21 نوفمبر 2024، خلفا للسياسي المدني شوجيل مايغا، الذي أُقيل من منصبه بعد مواقفه المتأرجحة بين دعم العسكريين وانتقادهم.

وفي هذا السياق، أكد "تيليبوليس" على أنه "بالرغم من الترحيب الكبير بالتحول في السياسة الخارجية للحكومات الجديدة وابتعادها عن الهيمنة الفرنسية السابقة، فإن آمال التحرر المجتمعي قد خابت". 

وهذا هو الحال على الأقل في الدول الرئيسة بمنطقة الساحل، بينما قد تكون الديمقراطية في السنغال، البلد الساحلي الأكثر استقرارا اقتصاديا، أكثر قدرة على المقاومة، على حد قول الموقع.  

ورغم ذلك، لفت إلى أن الحكومة في داكار نشرت في 3 ديسمبر 2024، قائمة بوسائل الإعلام المسموح لها بالعمل، حيث تمت الموافقة على 112 فقط من أصل 380 طلبا.

وهو ما يعني -بحسب ما خلص إليه الموقع- أن “حرية الصحافة هناك ليست مضمونة، إذ إن الأمل في التغيير لا يعني بالضرورة تحقيق ديمقراطية فعلية”. 

وفي تطور آخر، أظهر أن حكومة كوت ديفوار أعلنت أنها تسعى أيضا إلى إجلاء سريع للقوات الفرنسية. 

جدير بالذكر أن كوت ديفوار تُعد أقوى اقتصاد بين الدول الناطقة بالفرنسية في غرب إفريقيا، رغم أنها تأتي خلف نيجيريا، القوة الإقليمية الناطقة بالإنجليزية.

وبالحديث عن انسحاب القوات الفرنسية منها، أوضح الموقع أن رئيس كوت ديفوار الحالي، الحسن واتارا، الذي تولى منصبه عام 2011 عقب تدخل عسكري فرنسي أطاح بسلفه لوران غباغبو، يطالب حاليا بـ"استعادة القاعدة العسكرية الفرنسية في بورت-بويت، وهو حي في العاصمة الاقتصادية أبيدجان". 

ومن المتوقع أن يتولى البلد إدارة القاعدة، مع انسحاب ألف جندي فرنسي متمركزين هناك، بحلول يناير/ كانون الثاني 2025.  

واختتم "تيليبوليس" الألماني تقريره بالتنويه إلى أن “باريس تواصل وجودها العسكري في القارة الإفريقية عبر جيبوتي، حيث حضر ماكرون، أخيرا احتفالا بعيد الميلاد مع الجنود الفرنسيين هناك”.