"أسرار المدينة".. لماذا استولى إمام أوغلو على بيانات سكان إسطنبول؟ ولمن باعها؟

يواجه رئيس بلدية إسطنبول الكبرى 7 تهم رئيسية من بينها تسريب البيانات
يعد الحصول على بيانات سكان إسطنبول، وتسريبها لشركات خاصة، واحدا من مجموعة اتهامات يواجهها أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية هذه المدينة الموقوف مؤقتا بقرار وزارة الداخلية التركية.
وبحسب التحقيقات يواجه رئيس بلدية إسطنبول الكبرى سبع تهم رئيسة، تتضمن قيادة منظمة إجرامية وعضويتها، والاحتيال الشديد، والرشوة، إضافة إلى الاستحواذ غير القانوني على البيانات الشخصية لسكان المدينة، وتزوير المناقصات، والمحسوبية واستغلال الوظيفة العامة.
وشهدت تركيا صباح 19 مارس/ آذار 2025 زلزالا سياسيا، عندما توجهت قوة من الشرطة إلى منزل إمام أوغلو واعتقلته على خلفية قضايا فساد وإرهاب، لتبدأ النيابة العامة استجوابه مع آخرين.
ولطالما تكررت قصة تسريب البيانات في تركيا وأثارت جدلا على مدار السنوات الماضية، فسبق أن حدث نفس الأمر عام 2016 الذي شهد محاولة انقلابية، بما شمل معلومات عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه.
كذلك جرى تسريب بيانات عموم السوريين في تركيا خلال عام 2024، وهي قضية مازالت مستمرة في أروقة المحاكم حتى اليوم.
لكن هذه المرة حملت التسريبات طابعا خاصا؛ لأنها جاءت من قبل الرجل الذي كان ينتظر أن يكون المرشح القادم لرئاسة الجمهورية عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، إضافة إلى مجموعة تابعة له من المسؤولين داخل البلديات، ما يجعل المسألة تمس الأمن القومي للبلاد.

تسريب صوتي
وواجهت النيابة العامة أكرم إمام أوغلو، خلال تقديم إفادته، بتسجيل صوتي مسرب، يظهر أن البيانات الشخصية لملايين السكان في إسطنبول جرى تسريبها وبيعها بشكل غير قانوني لشركات خاصة عبر مناقصات وهمية.
وبحسب ما ورد في التسجيل، جرى جمع بيانات سكان المدينة من قبل شركة ريكلام إسطنبول "Reklam İstanbul" عبر مناقصات غير قانونية.
إذ جرى تمريرها عن طريق شركة "Medya A.Ş" التابعة لبلدية إسطنبول الكبرى، بين عامي 2022 و2024.
ومالك شركة "Reklam İstanbul" يدعى مصطفى نهاد سوتلاش، وهو أحد المقربين من مراد أونغون، المتحدث باسم بلدية إسطنبول ورئيس مجلس إدارة Medya A.Ş.
وأونغون من أقرب الأشخاص إلى أكرم إمام أوغلو، ويعهد إليه بمهمة تنظيم عمليات الدعاية له، من خلال منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.
وأظهر التسجيل الصوتي المسرب الذي قدم للنيابة من قبل “شاهد سري”، أن الممول الحقيقي للشركة ولعمليات جمع البيانات، كان مراد أونغون نفسه، ما يعزز الشبهات حول استغلال نفوذه داخل البلدية.
كيف تم التسريب؟
وذكرت وسائل إعلام تركية أنه جرى تحويل مبالغ ضخمة لم يعلن عن قيمتها لشركة “ريكلام إسطنبول” المتورطة في تسريب البيانات عبر 73 مناقصة أجريت بطرق غير قانونية، وتحديدا ما يتعلق بالتوريد المباشر.
وهو ما يعد التفافا على القوانين المتعلقة بإجراء المناقصات داخل البلديات، لتثار علامات استفهام كبيرة حول الشفافية في إدارة المال العام، والحفاظ على أمن البيانات.
وكان من أخطر ما ورد في التسجيل الصوتي، أن أحد الأشخاص المتورطين قال: "إذا اكتشف أننا نمتلك بيانات إسطنبول بالكامل، فستكون كارثة بالنسبة لنا".
وقال آخر: "أنا لا أستخدم هذه البيانات فقط لتحقيق ربح مالي، بل أعدها استثمارا سياسيا أيضا".
لذلك، بدأت النيابة العامة تحقيقا لتحديد ما إذا كانت هذه البيانات قد جرى بيعها أو تسريبها لجهات خارجية، بما فيها كيانات مشبوهة أو جماعات متطرفة، خاصة أن هذه المخاوف طرحت سابقا بشأن إمكانية وصول المعلومات الشخصية الحساسة إلى أيدٍ غير أمينة.
وخلال 2024 العام الذي جرى فيه تداول البيانات، وصل عدد سكان مدينة إسطنبول إلى 15 مليونا و701 ألف و602 نسمة.
وتخطى بذلك عدد سكان 131 دولة منفردة، بحسب بيانات هيئة الإحصاء التركية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ما يوضح مدى خطورة تسريب المعلومات في هذه المدينة.

قضية أمن قومي
وعلق عدد من السياسيين والصحفيين الأتراك على تسريب البيانات والمعلومات الخاصة بسكان إسطنبول، منهم الكاتب التركي إبراهيم كاراغول، الذي نشر عبر صفحته بموقع "إكس" تدوينة، قال فيها: "هذا تجسس.. هذه قضية أمن قومي!".
وتساءل: “هل جرى إرسال هذه المعلومات إلى الموساد (جهاز الاستخبارات الإسرائيلي)؟ هل تم نقلها إلى حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)؟”
ومما تحدث عنه أنه جرى استخدام جميع التطبيقات الرقمية لـ IMM (بلدية إسطنبول الكبرى)، ومن ضمنها بطاقة المواصلات الخاصة بها كمصيدة للمواطنين.
وأكد أنه تمت سرقة المعلومات الشخصية من خلال هذه التطبيقات، معقبا: "لقد استخدموا هذه البيانات لأغراض سياسية ووضعوا خططا لاستخدامها".
وتابع كاراغول: "هذه كلها تكتيكات منظمة فتح الله غولن (المصنفة إرهابية في تركيا) والموساد، وقد طبقوا ويطبقون مثل هذه الأساليب، والأمثلة لا تعد ولا تحصى".
وأضاف: "يتحدثون عن هذا التكتيك فيما بينهم، يقولون كل شيء علانية أثناء محادثاتهم خلال الهواتف، حتى إنهم استخدموا بنك Akbank لهذا الغرض".
وأتبع أن ما فعلوه هو بمثابة نسخ بيانات بلدية إسطنبول الكبرى مباشرة بعد الانتخابات الأولى.
وأردف: “يقال إن البيانات الشخصية لنحو 16 مليون مواطن مسجلين في تطبيق الهاتف المحمول المسمى -إسطنبول لك- يمكن استخدامها لتحقيق مكاسب تجارية”.
وأنهم لم يكتفوا بإسطنبول، بل استعدوا لنسخ معلومات البلد بأكمله، وفي محادثاتهم، اعترفوا بأنهم سيعملون على نسخ جميع بيانات سكان تركيا، وفق الكاتب.
وحذر في نهاية تدوينته من استخدام أي منتجات رقمية خاصة ببلدية إسطنبول، سواء كان كرت المواصلات الخاص بها أو غيرها وطالب بإلغائها.
وهو ما أكد عليه أيضا الصحفي التركي نديم شنر، الذي كتب عبر حسابه بـ “إكس”: “تأكد من تسجيل الخروج من تطبيقات IMM الرقمية، بما في ذلك كرت إسطنبول”.
وأضاف: "مراد أونغون أقر أنهم نسخوا المعلومات الشخصية لجميع سكان إسطنبول لأغراض سياسية، ويعترف بأنهم سينسخون بيانات جميع سكان تركيا".
وأكمل: "تخيلوا، عندما تضغطون على الإعلانات التي يقدمونها، فإنهم قد اشتروا نظاما يمكنه مطابقة الشخص الذي يتم نسخ بياناته الشخصية باستخدام كاميرا التتبع، وكل هذا من أجل مشروع إمام أوغلو".
ثم ذكر في النهاية: "خذ بضع دقائق فقط وستفهم لماذا أسمي هذه الأمور قضية أمن قومي.. لن تصدق أذنيك".
بيانات السوريين
وجاءت قضية الاستيلاء على بيانات سكان إسطنبول بطريقة غير قانونية، لتذكر بعملية تسريب معلومات نالت السوريين في عموم تركيا.
ففي 4 يوليو/ تموز 2024، فوجئ أكثر من 3 ملايين سوري في تركيا بتسريب بياناتهم الرسمية عبر قناة على تطبيق تلغرام.
ونشرت مجموعة مجهولة الهوية هذه البيانات التي شملت حاملي بطاقات الحماية المؤقتة والإقامات السياحية، بالإضافة إلى السوريين الحاصلين على الجنسية التركية.
ومما تضمنته القوائم المسربة التي صنفت بحسب توزع السوريين في مختلف المناطق التركية، معلومات مثل الأرقام الوطنية (TC)، وأسماء الأب والأم، ومكان وتاريخ الولادة، ومنطقة السكن لكل فرد.
وأرفقت المجموعة قوائم بصور جوازات سفر سورية، لكن تبين بعد فحصها من قبل وزارة الداخلية التركية، وجود كثير من الأخطاء الإملائية فيها، ما يرجح كونها مزورة.
حينها أثارت هذه العملية قلقا بالغا لدى عموم اللاجئين السوريين في تركيا؛ حيث كانت المعارضة التركية تشن حملات إعلامية وتحريضية ضدهم.
وهو ما جعلهم يخشون من استغلال هذه البيانات لأغراض تضر بهم وبعائلاتهم، أو لعمليات احتيال وابتزاز.
بعدها كشفت وزارة الداخلية التركية، أن بيانات السوريين جرى تسريبها من خلال مجموعة على منصة "تلغرام" تحمل اسم "انتفاضة تركيا"، ويديرها طفل عمره 14 عاما.
ثم أعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، أن إدارة الهجرة تأكدت أن بيانات السوريين المنشورة تعود لتاريخ قبل 8 سبتمبر/أيلول 2022.
وأضاف أنه جرى تكليف المدعي العام بالتحقيق في جوانب هذه القضية كافة لمعرفة متى وكيف ومن أي مصدر جاءت هذه التسريبات؟

بيانات الشعب التركي
ولطالما مثلت وقائع تسريب البيانات ألغازا وأزمات، ومن أخطرها، ما حدث في 6 أبريل/ نيسان 2016، عندما فتحت وزارة العدل التركية تحقيقا في قضية تسريب قاعدة معلومات عبر الإنترنت.
هذه القاعدة تضمنت معطيات شخصية لحوالي 50 مليون مواطن تركي، بمن فيهم الرئيس أردوغان.
وذكر موقع "يورو نيوز" أن المعلومات التي جرى وضعها على شبكة الإنترنت، قد سرقت من المكتب التركي للسكان.
حينها أعلن رئيس الوزراء آنذاك أحمد داوود أوغلو، "أن الحكومة ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية بيانات المواطنين".
وقال: "إن بيانات المواطن العادي لا تقل أهمية عن بياناتي الشخصية كرئيس الوزراء".
ثم تحدث وزير العدل في ذلك التوقيت، بكير بوزداغ، ورأى أن عملية التسريب قد يكون مصدرها المجلس الأعلى للانتخابات.
ليرد رئيس المجلس الأعلى للانتخابات وقتها سادي غوين، قائلا: "إن خبراء المعلومات أجروا تحقيقاتهم، وبالرغم من أن البيانات متطابقة لقواعدنا الخاصة، فلا يوجد أي عملية تسريب من جهازنا".
وذكرت صحيفة "حرييت" المحلية، أنه لا بد من تعديل القانون الانتخابي كي لا تحصل الأحزاب السياسية على المعلومات الشخصية، وتستفيد من عمليات التسريبات، بغرض سياسي.
وبالفعل في اليوم التالي 7 أبريل، أقرت الحكومة التركية قانونا طال انتظاره لحماية البيانات في تركيا، ومنع تداولها.
وكان يجرى العمل على هذا القانون لأكثر من عشر سنوات، فيما كانت تركيا تحاول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
حينها عملت تركيا على تعديل بعض قوانينها بشأن استخدام المعلومات الخاصة لتنسجم مع القوانين الأوروبية.
المصادر
- تطور خطير ضمن تحقيقات الفساد في بلدية إسطنبول الكبرى
- 15.7 مليون نسمة.. إسطنبول تتجاوز 131 دولة بعدد السكان
- أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول المعتقل بـ"تهم فساد"
- تسريب بيانات أكثر من 3 ملايين لاجئ ومهاجر سوري في تركيا على "تليغرام"
- تسريب بيانات "الشعب التركي" على الانترنت بينهم أردوغان
- من وراء تسريب معلومات شخصية تتعلق ب 50 مليون تركي؟