منحازة ضد المقاومة.. لماذا لا تحاكم الجنائية الدولية إسرائيل على جرائمها في غزة؟

مع كل عدوان إسرائيلي على الفلسطينيين، تؤكد منظمات حقوقية ارتكاب قوات الاحتلال جرائم حرب واضحة، سواء إبادة جماعية أو استخدام أسلحة محرمة دوليا، أو غيرها، وتقول المحكمة الجنائية الدولية إنها ترصد ذلك، لكن دون محاسبة.
وعلى مدار أكثر من 5 مواجهات وحروب على غزة، أكدت تلك الجهات الدولية ارتكاب إسرائيل جرائم وأنها تجمع الأدلة وتحقق بشأن ذلك.
لكن قبل أن ينتهي التحقيق، يتغير قضاة المحاكم ويقع عدوان إسرائيلي جديد، يسهل طمس العدالة، التي تبدو واضحة للعيان من خلال الصور والمشاهد الحية.
مدخل للتحقيق
وبعد انطلاق عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفي حرب اختلفت عن أي من سابقاتها، مارس الاحتلال جرائم حرب واضحة من خلال قطع المياه والطعام والكهرباء عن أهالي قطاع غزة.
كما وصل الأمر إلى قصف وتهديد المستشفيات كما حدث في مجزرة مستشفى المعمداني وسط مدينة غزة، والتي خلفت نحو 500 شهيد.
هذه الجرائم الجديدة وأدلتها الواضحة القوية، والتي لم تعد تحتاج لرصد، هي وغيرها، تطرح تساؤلا أساسيا: هل ستتم محاكمة الإسرائيليين هذه المرة أمام الجنائية الدولية؟
الأكثر غرابة أن يتحرك المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو، ولكن بعدما ترك منصبه (الذي رفض خلال وجوده فيه التحقيق مع إسرائيل).
وقال أوكامبو عبر تويتر في 15 أكتوبر/تشرين أول 2023 إن المحكمة الجنائية الدولية" عليها أن تحقق في الحصار الكامل على غزة بوصفه جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
لكن "أوكامبو"، الذي كان رئيسا للجنائية الدولية (2003–2012) نصح قادة الاحتلال ألا يقتلوا الآلاف في غزة كي يصلوا لهدفهم وهم قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس بعدما كان يتحدث عن محاكمتهم، مذكرا إياهم أن القادة يجري استبدالهم بآخرين.
ومع هذا عد خبراء قانون دولي ما قاله "أوكامبو"، مدخلا يمكن البناء عليه لإعادة طرح محاكمة قادة الاحتلال أمام الجنائية الدولية، خاصة أن السلطة الفلسطينية سبق أن تقدمت بطلب بذلك 3 مرات، وانضمت للمحكمة فعليا ووقعت على ميثاقها.
ومن ثم باتت "الجنائية الدولية" مختصة بالنظر في الجرائم التي تجري في الأرض المحتلة، بحكم انضمام فلسطين إلى "نظام روما الأساسي"، وهو دستور المحكمة المذكورة.
لكن "أوكامبو" ليس له سلطة حاليا والمحكمة لها رئيس جديد هو المحامي والحقوقي البريطاني المسلم "كريم أحمد خان" الذي تولى رئاستها في يونيو/حزيران 2021 بدلا من القاضية الغامبية فاتو بنسودا، والذي قال بدوره إنه "يحقق" فيما يجري في غزة.
وانضمت فلسطين إلى عضوية الجنائية الدولية أول يناير/كانون الثاني 2015، وأعيد انتخابها بالإجماع، للمرة الثانية على التوالي، عضوا في المكتب التنفيذي للمحكمة 19 ديسمبر 2020، ما أعطاها شرعية قانونية لمواجهة الاحتلال وجرائمه.
وفي فبراير/شباط 2021، أصدرت الدائرة التمهيدية بالمحكمة الجنائية قرارا يقضي بولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة) ما مهد الطريق لفتح تحقيق في جرائم الحرب الناتجة عن الأعمال العسكرية الإسرائيلية.
وفي كل مرة تحدث جرائم تعلن المحكمة الجنائية وغيرها مثل مفوضية حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أنها تجمع أدلة وتراقب، لكنها لا تتخذ أي خطوات جدية.
والأغرب أن المنظمات الدولية والغرب كافة باتوا يساوون بين الاحتلال وبين أبناء الأرض المحتلة، بزعم ارتكاب حماس أيضا جرائم حرب، مثل إسرائيل، رغم اعترافها بأن هذه "أرض محتلة"، ومن ثم يجوز قانونا لأبنائها المقاومة.
هل تُحاكم؟
مع استعار المجازر الإسرائيلية عقب "طوفان الأقصى"، أعلنت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، والمعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك شرق القدس وإسرائيل، أنها "تجمع أدلة عن ارتكاب جرائم حرب من قبل جميع الأطراف".
قالت في بيان أصدرته 10 أكتوبر 2023 "هناك بالفعل أدلة واضحة على أن جرائم حرب ربما تكون قد ارتكبت في احداث العنف الأخيرة في إسرائيل وغزة".
أكدت أنها تعمل على "جمع وحفظ الأدلة بشأن جرائم الحرب التي ارتكبتها جميع الأطراف"، مشددة على أنه "يجب محاسبة جميع أولئك الذين انتهكوا القانون الدولي واستهدفوا المدنيين عمداً على جرائمهم".
لكن بيان الأمم المتحدة أظهر تحيزا مسبقا ضد المقاومة، بادعاء أن "قيام مجموعات مسلحة (كتائب القسام) بقتل مئات المدنيين العزل" يعد أمرا "بغيضا ولا يمكن التسامح معه، وأخذ رهائن مدنيين واستخدامهم دروعا بشرية يعد جرائم حرب".
ودعمت اللجنة مطالب إسرائيل وأميركا بالدعوة إلى "الإفراج الآمن وغير المشروط عن جميع الأفراد الذين احتجزتهم الجماعات الفلسطينية المسلحة كرهائن".
وعدت ذلك "انتهاكا للقانون الدولي ويشكل جريمة دولية"، دون أن تتطرق لأسير واحد من أصل أكثر من 5 آلاف أسير فلسطيني لدى الاحتلال.
وفيما يتعلق بجرائم الاحتلال، اكتفى بيان "لجنة التحقيق الدولية" بالقول إن "اللجنة تشعر بقلق بالغ إزاء إعلان إسرائيل فرض حصار كامل على غزة يشمل وقف المياه والغذاء والكهرباء والوقود، والذي يزيد من الخسائر في أرواح المدنيين ويشكل عقابا جماعيا"، دون أن تتحدث عن أي "تحقيق".
أيضا طلبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من الجنائية الدولية، في 13 أكتوبر 2023، إصدار بيان فورا يوضح اختصاصاتها في ظل صمتها عما يجري.
قالت إن عليها أن تحدد دورها "فيما يتعلق بالأعمال العدائية الدائرة حاليا بين الجماعات الفلسطينية المسلحة وإسرائيل".
لكن هيومن رايتس ساوت بين إسرائيل وحماس بزعم أن "الأطراف المختلفة ارتكبت انتهاكات مروعة للقانون الإنساني الدولي ترقى إلى جرائم حرب".
والأغرب أن بيانا ثانيا لـ "هيومن رايتس ووتش" صدر في 18 أكتوبر قال إنه تحقق من "جرائم حرب" ارتكبتها حماس من أربعة فيديوهات لهجماتها في السابع من ذات الشهر، دون أن يذكر أي جريمة للاحتلال.
وبعد يومين من بيان "هيومن رايتس" الأول، كتب المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية السابق لويس مورينو أوكامبو عبر تويتر يقول إن "الحصار الكامل على غزة جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية، ويمكن أن يجري التحقيق فيه".
A full blockade of Gaza could be considered a crime against humanity and a genocide. It could be investigated by the International Criminal Court.
— Luis Moreno Ocampo (@MorenoOcampo1) October 15, 2023
أضاف أنه "يمكن التحقيق في قتل المدنيين في غزة بوصفه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من قبل المحكمة الجنائية الدولية".
Killing civilians in Gaza could be investigated as war crimes and crimes against humanity by the International Criminal Court. Israel's answer to Hamas crimes should not be a pogrom in Gaza.
— Luis Moreno Ocampo (@MorenoOcampo1) October 15, 2023
وعام 2019 قالت المدعية العامة السابقة للمحكمة، فاتو بنسودا، إن هناك "أساسا معقولا" لفتح تحقيق في جرائم الأعمال العسكرية الإسرائيلية بقطاع غزة، والنشاط الاستيطاني في الضفة الغربية.
لكنها طلبت إقرار قضاة المحكمة بهذا الاختصاص، وهو ما حصلت عليه رسميا في 5 فبراير 2021 لكنها لم تلاحق مجرمي الحرب الإسرائيليين.
ووافق غالبية قضاة المحكمة الجنائية الدولية 5 فبراير 2021، على قرار يرى أن الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة والقدس الشرقية) تقع ضمن اختصاصها، ما يعني فتح تحقيق في جرائم الاحتلال وملاحقة القادة الصهاينة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
حينئذ أبلغت "بنسودا" قرارها بشأن إجراء تحقيق برسالة وجهتها إلى الطرفين، وردت إسرائيل بأنها لا ترى أنه جرى ارتكاب جرائم حرب، وزعمت أن "الجنائية الدولية" ليس لها اختصاص.
ولم يكن قرار بنسودا بدء "الإجراءات القضائية" للتحقيق في جرائم الحرب يعني بالضرورة أن المسؤولين السياسيين والعسكريين من الجانب الإسرائيلي سيجدون أنفسهم في قفص الاتهام في لاهاي، فهو البداية فقط.
كما أن "نظام روما الأساسي" يفسح المجال أمام المحكمة للامتناع عن اتخاذ الإجراءات القضائية إذا كان ذلك لا يُعد "في مصلحة العدالة"، أو حتى لإعادة النظر في قرار أولي لإجراء تحقيق بناءً على معلومات جديدة.
أين رئيس "الجنائية"؟
حل المحامي "كريم خان"، وهو بريطاني مسلم، محل "بنسودا" كمدع عام للمحكمة الجنائية الدولية في 16 يونيو/حزيران 2021، وسيبقي في منصبه 9 أعوام، لكن منذ توليه لم يفعل شيئا بشأن جرائم الاحتلال.
حين تولي "خان" منصبه رحبت به إسرائيل، رغم أنها تواجه تحقيقا محتملا في جرائم حرب في لاهاي بدأته المدعية السابقة "فاتو بنسودا".
وقالت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إنه "لا دليل على أنه سيقوم بإلغاء التحقيق (الذي لم يسفر عن شيء حتى الآن) في جرائم الحرب".
ونقلت الصحيفة 17 فبراير 2021 عن بعض المحللين الإسرائيليين أنهم متفائلون بشأن اختياره، لأنه لم يقدم جديدا بشأن التحقيقات، كما أنهم فرحون يرحيل فاتو بنسودا، التي فرضت عليها واشنطن عقوبات.
وعقب الجرائم الاسرائيلية الأخيرة في غزة، لم يتحرك "خان" إلا بعدما سألته وكالة "رويترز" البريطانية في 12 أكتوبر، عن رأيه، فكرر نفس ما قاله أسلافه، من أنه يراقب ويحقق.
وقال "خان" إن "هجوم حماس والرد الإسرائيلي يقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ليساوي أيضا بين الضحية والجلاد.
أضاف أن الولاية القضائية للمحكمة تخول لها "النظر في جرائم الحرب التي ارتكبها مسلحو حماس (في المستوطنات) وارتكبها الإسرائيليون في قطاع غزة، على الرغم من أن إسرائيل ليست دولة عضوا فيها".
وأكد في المقابلة مع رويترز: "إذا كان هناك دليل على أن الفلسطينيين، قد ارتكبوا جرائم، فنعم، لنا ولاية قضائية أينما ارتكبوها بما في ذلك على أراضي إسرائيل"، وفق قوله.
وقال إن صور هجوم حماس وإسرائيل "تفطر القلب"، مضيفا "ما يحدث وما نراه على شاشات التلفزيون أمر مروع، يجب أن تكون هناك عملية قانونية لتحديد المسؤولية الجنائية".
أما الغريب فهو أنه لم يتحدث بوضوح عن إسرائيل بقدر ما تحدث عن جرائم حماس"، وحتى حين قصف الاحتلال المستشفى المعمداني وقتل 500 مدني أعزل في جريمة حرب واضحة المعالم، لم يعلق.
لكن المؤرخ الاسرائيلي "راز سيجال" المتخصص بدراسة "المحرقة" قال إنه قانونيا وفعليا تنفذ إسرائيل بـ "إبادة جماعية"، لكن الساسة الغربيين، والرئيس الأميركي جو بايدن استخدموا ألفاظا مثل "شر وشرير وأشرار" ليتمكنوا من تمرير مخطط قتل الفلسطينيين.
وظل قادة وجنود الاحتلال دون محاكمة أمام الجنائية الدولية التي أنشئت لمحاكمة أفراد عكس "العدل الدولية" التي تُحاكم دولا، بسبب حجج تتعلق بعدم انضمام إسرائيل للمحكمة، حسبما يرى حقوقيون دوليون.
ومع أن انضمام فلسطين للمحكمة جاء ليفتح بابا أمام محاكمة المعتدين، إلا أن المحكمة لم تفعل شيئا جديا رغم وقوع عدة مجازر.
وحتى لو أصدرت الجنائية الدولية أوامر اعتقال في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن المحكمة ليس لديها قوة شرطية وستعتمد على الدول الأعضاء لتنفيذ الاعتقالات.
وقد ساعد في نجاة إسرائيل من المحاكمة الجدية أمام المحكمة استراتيجية السلطة الفلسطينية المائعة التي لا تريد محاكمتها بقدر ما تسعى لاستغلال ذلك كورقة ضغط على إسرائيل عند الحاجة، لتذكيرها بضرورة الاعتراف بحل الدولتين، وإيقاف مشاريعها الاستيطانية بالضفة الغربية.
لكن تحليلا بموقع "صدى كارنيغي" 21 يوليو/تموز 2022 يرى أن إستراتيجية السلطة الفلسطينية للضغط على إسرائيل عبر المحكمة الجنائية الدولية "لن تنجح بشكل فعال، لأن القادة الإسرائيليين لا يكترثون بنتائج التحقيقات الدولية".
ففي كل مرة تحدث فيها مجزرة فلسطينية تهدد السلطة باللجوء للجنائية الدولية ثم تتراجع تحت وطأة الضغوط الأميركية والعقوبات الإسرائيلية.
وفي أغسطس 2014 سحب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وتحت ضغوط غربية، شكوى أودعتها السلطة لدى الجنائية الدولية ضد الجرائم التي اقترفها الجيش الإسرائيلي في غزة في نفس العام، وكان كرر الأمر ذاته في عدوان 2009 وسحب شكوى مشابهة.
ويشير خبراء القانون الدولي إلى أنه جرى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بتطلعات عالمية، ومع ذلك لم يجر منحها الولاية القضائية العالمية، ما جعل عملها يتوقف على عضوية الدول المشاركة فقط، أو تتم إحالة حالة معينة إليها من قبل مجلس الأمن الدولي.
وحتى إن الدول الأعضاء التي يجرى أي تحقيق في جرائمها، تتجه للانسحاب من عضوية المحكمة، ليتعرقل فتح ملفات بشأنها أو لا تنضم إليها من الأساس كحال إسرائيل.