من "الأسياد والعبيد" إلى العزلة.. نهاية مذلة لوزير "إبادة الخصوم" في مصر

شدوى الصلاح | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعدما أفرغ مفهوم العدالة من مضمونه، وحوّل منصات المحاكم إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية والانتقام من القوى الثورية والسياسية المعارضة، ورسّخ فكرة أن المواطنين "عبيد" والقضاة "أسياد"، وثبّت أركان الدولة البوليسية، توفّي وزير العدل المصري ورئيس نادي القضاة الأسبق أحمد الزند.

وفجر 26 سبتمبر/أيلول 2026، توفي المستشار أحمد الزند، وزير العدل الأسبق ورئيس نادي قضاة مصر الأسبق، عن عمر ناهز 80 عامًا، بعد تعرُّضه لأزمة صحية مفاجئة ونقله إلى المستشفى منذ 17 سبتمبر/أيلول الجاري؛ حيث تدهورت حالته التنفسية، ما استدعى وضعه في العناية المركزة وعلى أجهزة التنفس الصناعي حتى وفاته.

وأعلنت أسرته أن صلاة الجنازة ستُقام عقب صلاة العصر مباشرة من مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس في القاهرة.

سلطوي مستبد

وُلِدَ أحمد علي حسن الزند، في محافظة الغربية عام 1946، وتشبع بالفكر السلطوي التقليدي الذي يرى في الجهاز القضائي سلطة مُطلقة فوق المساءلة الشعبية.

وتولّى رئاسة نادي قضاة مصر في توقيت حساس، وحوّل هذا الكيان النقابي من ساحة للدفاع عن استقلال القضاء إلى منصة سياسية وعسكرية للهجوم على ثورة 25 يناير/كانون الثاني وقواها المدنية والإسلامية.

وصعد الزند في عام 2009 إلى رئاسة نادي قضاة مصر، مدعومًا من أجهزة نظام الرئيس المخلوع الأسبق محمد حسني مبارك الأمنية، ليوجه ضربة قاصمة إلى “تيار استقلال القضاء” الذي كان يقوده مستشارون أحرار في 2005 و2006 لمواجهة تزوير الانتخابات.

وتحوّل نادي القضاة تحت إدارته بين عامي 2011 و2013 من كيان نقابي خدمي إلى "حزب سياسي عاتٍ" يمتلك منابر إعلامية.

وقاد الزند من داخل النادي معركة "العصيان القضائي" الشهيرة، وحرّض القضاة على الإضراب عن العمل والامتناع عن الإشراف على الاستفتاءات والانتخابات، بهدف شل مؤسسات الدولة وإسقاط التجربة الديمقراطية الوليدة بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

ويُعد الزند الأب الروحي لـ"القضاء المسيس" في مصر؛ حيث حثَّ القضاة علنًا على الانخراط في المعركة السياسية، وشرّع استخدام "القانون" كأداة قمع بديلة للترسانة العسكرية، ويوصف بأنه المهندس الهيكلي لتحويل القضاء المصري من "سلطة مستقلة" إلى "أداة قمعية مركزة" في يد الثورة المضادة.

وكان الزند أول من شرّع استخدام منصة القضاء بديلًا للمحاكم العسكرية في تصفية الحسابات؛ إذ حثَّ القضاة علنًا على إبداء مواقف سياسية مسبقة ضد المتظاهرين والمعارضين، ما مهّد الطريق لاحقًا لظهور ما يُعرف بـ"قضاة الإعدامات الجماعية".

ووفر الغطاء القانوني والشرعية القضائية للانقلاب العسكري على الرئيس الشرعي الراحل محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث، في يوليو/تموز 2013، والانتهاكات الحقوقية التي تلت ذلك الانقلاب؛ حيث سارع نادي القضاة إلى مباركة عزل مرسي.

كما أسّس نادي القضاة برئاسة الزند للملاحقات القضائية اللاحقة ضد قادة المعارضة والإسلاميين، وأصدر بيانات تشرعن الإجراءات الاستثنائية والقبض العشوائي الذي تلا ذلك التاريخ.

وتولى وزارة العدل بين عامي 2015 و2016 كـ"مكافأة" على دوره في الإطاحة بالمسار الديمقراطي، وعمل على صياغة وتمرير ترسانة من القوانين المقيدة للحريات، وتوسيع مفهوم "الإرهاب" ليشمل العمل السياسي السلمي والجرائم الإلكترونية، ما جعل منظومة العدالة في عهده غطاءً تشريعيًا للانتهاكات الحقوقية الواسعة.

وأسقط الزند من قاموسه المهني وقار القاضي وحياده المفترض، وظهر في مشهد تلفزيوني شهير متقمصًا دور "ولي الدم" وليس رجل القانون، عندما أعلن أنه لن يهدأ له بال حتى يُقتل 10 آلاف من المعارضين (جماعة الإخوان) مقابل كل جندي يسقط.

ويُعدّ هذا الخطاب وثيقة إدانة تاريخية تثبت تورّطه في التحريض العلني على القتل والتطهير السياسي.

وتبنّى الزند طوال مسيرته عقيدة راسخة تقوم على فكرة "حصانة القضاة الطبقية" وتميّزهم عن بقية أفراد المجتمع، ولم تكن عبارته الشهيرة "نحن الأسياد وغيرنا العبيد" مجرد زلة لسان عابرة، بل كانت تعبيرًا صريحًا عن فلسفة إدارية دافع عنها بشراسة.

وقاد الزند جبهة داخل نادي القضاة ترفض بشكل قاطع فتح باب التعيينات في السلك القضائي لأبناء الفئات الكادحة أو الحاصلين على تقديرات متواضعة من غير ذوي النفوذ.

ورأى أن القضاء "امتداد طبيعي وعائلي"، ما أسهم في تحويل النيابة العامة والمحاكم إلى إقطاعيات عائلية مغلقة، في هدم كامل لمبدأ تكافؤ الفرص الدستوري.

وكشفت نهاية مسيرته السياسية عن نرجسية حادّة بلغت مداها عندما صرح بقدرته على حبس أي شخص حتى لو كان "النبي صلى الله عليه وسلم"، وغيرها من التصريحات غير المنضبطة التي عجّلت بالإطاحة به بقرار إقالة مهين من رئيس الوزراء آنذاك شريف إسماعيل في مارس/آذار 2016.

وتأتي وفاة أحمد الزند بعد عقد كامل من إقصائه من المشهد السياسي الرسمي؛ فمنذ إقالته من وزارة العدل عام 2016 عقب موجة غضب عارمة تسبّبت فيها تصريحاته التلفزيونية الصادمة، عاش الزند في عزلة سياسية وإعلامية شبه كاملة.

ويُبرهن ذلك على أن النظام الاستبدادي يستخدم أدواته القضائية لتنفيذ مهمة محددة، وهي هدم المسار الديمقراطي وتصفية الثورة، ثمّ يتخلص منها فور انتهاء صلاحيتها أو تحولها إلى عبء إعلامي ودبلوماسي.

ويأتي رحيل الزند في سياق تاريخي مستمر من أزمة العدالة في مصر؛ حيث تعيش البلاد تحت وطأة أحكام قضائية جماعية، غيابية وحضورية، بالإعدام والسجن المؤبد ضد الآلاف من معارضي النظام.

القاضي الفاسد

واجه الزند العديد من بلاغات الاتهام والتحقيقات القضائية المتعلقة بقضايا فساد مالي واستغلال نفوذ والاستيلاء على أراضي الدولة؛ ومع ذلك، لم يصدر ضده أي حكم قضائي نهائي بالإدانة في تلك القضايا.

ومنها قضية أراضي مرسى مطروح؛ حيث اتُهم بالاستيلاء على نحو 172 فدانًا، وفي بعض البلاغات 170 فدانًا، من أراضي الدولة في مدينة الحمام بمرسى مطروح عبر "مزاد وهمي" بالتعاون مع الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، وقدمت نيابة الأموال العامة طلبات سابقة لرفع الحصانة عنه للتحقيق في هذه الواقعة.

كما أثيرت اتهامات ضد الزند بقيامه، أثناء رئاسته لنادي قضاة مصر، ببيع قطعة أرض مملوكة للنادي في مدينة بورسعيد لأحد أقارب زوجته بسعر يقل عن سعر السوق. وقد أحالت سلطات التحقيق لاحقًا عددًا من الصحفيين للمحاكمة بتهمة النشر والتشهير بالزند في هذه القضية.

وقُدّم ضد الزند بلاغات تتهمه بالاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الحزام الأخضر بـ6 أكتوبر، بأسعار زهيدة، وتغيير نشاطها واستغلالها بشكل يخالف القانون لتحقيق كسب غير مشروع.

وقدم المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق، تقارير رسمية إلى المجلس الأعلى للقضاء تتضمن اتهامات للمستشار أحمد الزند بإهدار المال العام وارتكاب مخالفات مالية.

ويُذكر أن معظم هذه البلاغات والتحقيقات بدأت في الظهور والتداول القضائي والإعلامي بشكل مكثف خلال عامي 2012 و2013، ثم تزايدت المطالبات بملاحقته قضائيًا عقب إقالته من منصب وزير العدل في مارس/آذار 2016 إثر تصريحاته المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ترسانة قانونية

ولم تقتصر معارك المستشار أحمد الزند على التصريحات الإعلامية العنيفة، بل امتدت لتشمل محاولات تغيير البنية التشريعية والقانونية في مصر خلال فترة توليه وزارة العدل بين عامي 2015 و2016.

ومرّر الزند قوانين وتشريعات كانت تهدف بالأساس إلى مأسسة "القانون الاستثنائي" وتوفير غطاء تشريعي فضفاض لقمع الخصوم السياسيين وتصفيتهم قانونيًا، وشرّع بهذه القوانين الاستثناءات، وقيّد الحريات، وانتقم من الخصوم.

ومن أكثر الأفكار التشريعية التي طرحها الزند، وأثارت صدمة في الأوساط القانونية، اقتراحه صياغة قانون يتيح معاقبة الأب والأم أو متولي التربية إذا تورط ابنهم في عمل إرهابي.

وعدّت المنظمات الحقوقية والقوى المناهضة هذا المقترح هدمًا صريحًا لأحد أقدس المبادئ الدستورية والقانونية المستقرة عالميًا، وهو مبدأ "شخصية العقوبة"، أي أن الجريمة لا يضار بها إلا فاعلها.

ورأت المعارضة في هذا الطرح تكريسًا لسياسة "العقاب الجماعي" التي تتبعها الأنظمة الديكتاتورية لترهيب العائلات والضغط على الناشطين السياسيين المعارضين في الخارج والداخل.

وشارك الزند بقوة، كوزير للعدل، في اللمسات الأخيرة وتفعيل قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، الذي تم تمريره في أغسطس/آب 2015، ويحمل تعريفات فضفاضة ومطاطة لمفهومَي "الإرهاب" و"الإخلال بالنظام العام"، ما سمح بملاحقة المعارضين السلميين والناشطين والصحفيين وإدراجهم على "قوائم الإرهاب".

كما منح القانون حصانة واسعة لرجال الشرطة والجيش من المسؤولية الجنائية أثناء استخدام القوة، وهو ما تصفه المعارضة بأنه "تقنين للقتل خارج إطار القانون".

وسعى الزند إلى تضمين مواد قانونية تفرض عقوبات سالبة للحرية (الحبس) على الصحفيين الذين ينشرون أخبارًا تتناقض مع البيانات الرسمية لوزارة الدفاع أو المؤسسات الحكومية، لا سيما في القضايا الأمنية وقضايا الفساد.

ورأت نقابة الصحفيين وقوى المعارضة المدنية في ذلك الوقت أن الزند يشنّ حربًا شعواء على حرية الصحافة، مؤكدة أن استغلاله للقوانين كان يهدف إلى فرض تعتيم كامل على انتهاكات النظام، وحظر أي تحقيق استقصائي يكشف ملفات الفساد داخل مؤسسات الدولة أو المنظومة القضائية نفسها.

ودفع الزند نحو تعديلات في قوانين الهيئات القضائية تستهدف زيادة صلاحيات وزير العدل والسلطة التنفيذية في التحكم بالترقيات والندب والنقل داخل السلك القضائي.

وعجّلت هذه التعديلات بالتخلص نهائيًا من أي قاضٍ يحمل فكرًا مستقلًا أو ينتمي تاريخيًا إلى "تيار الاستقلال"، وحوّلت مجلس القضاء الأعلى إلى أداة تابعة بالكامل للأجهزة الأمنية، ما أفرغ شعار "استقلال القضاء" من أي مضمون حقيقي، وجعل منصة العدالة بوقًا لخدمة السلطة.

ظالم وقاتل

وأبدى ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي ارتياحهم وشماتتهم بخبر وفاة الزند، معربين عن فرحتهم بوفاته، كونه "ظالمًا" و"قاتلًا"، واستذكروا تصريحاته السابقة المثيرة للجدل، مثل قوله: إن القضاة "أسياد والشعب عبيد"، وتصريحاته عن إمكانية سجن أي شخص حتى لو كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وكتبوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها #أحمد_الزند و#نادي_القضاة و#وفاة_أحمد_الزند وغيرها، عبارات مثل "الحمد لله مات القاتل الظالم" و"اشمتوا يرحمكم الله"، وتحدثوا عن المظالم التي في رقبته، مؤكدين أن الفرح بموت الظالمين أمر مشروع.

إرث الزند

وتحدث ناشطون عن دور الزند في تسيس القضاء، وركزوا على تصريحاته الشهيرة التي تعدّ دليلا على تسييس المؤسسة القضائية منذ عهد مبارك ودعمه للنظام السابق ثم معارضته الشديدة لحكم الإخوان، وعدوها تجسيداً لرؤية طبقية واستعلائية حولت القضاء إلى أداة لحماية السلطة بدلاً من تحقيق العدالة.

وذكروا بأن دوره امتد من دعم نظام مبارك إلى ترسيخ قضاء مسيس في مرحلة ما بعد 2013، متداولين تصريحاته التي دعا فيها إلى قتل 10 آلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين مقابل كل شهيد من الجيش والشرطة. 

وأكد الناشطون أن هذه التصريحات وثقت تحوله من قاضٍ يفترض فيه الحياد إلى "محرض على الإبادة الجماعية" والقتل على الهوية السياسية.

حساب الموت

وأشار ناشطون إلى أن الزند اختار الباطل أو وقف ضد الناس، ويدعون بمعاملته بالعدل لا الرحمة، عادّين وفاته رسالة لكل ظالم يستقوي على الشعب ويستخدم سلطته في قمع الحقوق والحريات، متسائلين إن كانت مواقفه تستحق، مع التأكيد على أن الموت يساوي الجميع أمام الحساب.