شروط مسبقة.. هكذا تربط ألمانيا دعمها لسوريا الجديدة بملف اللاجئين

"ألمانيا استثمرت باللاجئين السوريين بشكل كبير ولن يكون استسهال في شأن عودتهم لسوريا"
مستغلة الوضع الإنساني الصعب في سوريا، تسعى بعض الأطراف في الحكومة الألمانية إلى وضع شروط تتعلق بإعادة اللاجئين، قبل تقديم أي مساعدة لدمشق.
وتضم ألمانيا أكبر جالية سورية في أوروبا بعد استقبالها مليون لاجئ عقب اندلاع الثورة في بلدهم عام 2011، وهي من أولى الدول الغربية التي فتحت قنوات تواصل مع القيادة الجديدة في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024.

شروط مسبقة
وبينما تعمل لجنة الميزانية في البرلمان الألماني لتمهيد الطريق لشراكات مع سوريا لمساعدتها على التعافي والنهوض من جديد، قدمت بعض الوزارات الألمانية وجهة نظرها حول شكل التعامل المرتقب مع دمشق.
وبحسب وزيرة العدل الألمانية ماريون جينتجيس، فإن المساعدات المخصصة لإعادة إعمار سوريا يجب أن تكون مرتبطة بتعاون السلطة الجديدة في عمليات إعادة اللاجئين السوريين لوطنهم.
وأضافت جينتجيس في 30 يناير/ كانون الثاني 2025 أن عمليات الإعادة تتطلب درجة معينة من الاستقرار في البلاد، مردفة: "لكن لا يمكنك وضع معايير عالية جدا".
ونوهت وزيرة العدل الألمانية، إلى أنه من الضروري تقييم ما إذا كان لا يزال هناك حالة خطر في سوريا، وراحت تقول: "الأسباب الرئيسة للهروب التي طرحت حتى الآن لم تعد موجودة".
وبعد الإطاحة بنظام الأسد، بدأ نقاش في ألمانيا حول حوالي 975 ألف سوري في البلاد، معظمهم قدموا منذ عام 2015 فرارا من بطش الأجهزة الأمنية وعمليات القصف العشوائية للمنازل والاعتقالات التعسفية.
وراهنا هناك أكثر من 300 ألف من اللاجئين السوريين في ألمانيا يتمتعون بوضع الحماية الفرعية، حيث لم يتم قبولهم بسبب الاضطهاد الفردي، ولكن بسبب الحرب في وطنهم.
وعينت قيادة العمليات العسكرية السورية، التي أطاحت بالأسد، في 29 يناير 2025، أحمد الشرع رئيسا للدولة خلال المرحلة الانتقالية، مبينة أن الشرع (43 عاما) "سيتولى مهام رئيس الجمهورية العربية السورية ويمثل البلاد في المحافل الدولية".
وقبيل هذا التعيين المهم في طريق تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في سوريا، أبدت برلين انفتاحها على القيادة الجديدة في هذا البلد حيث أجرت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك برفقة نظيرها الفرنسي في أوائل يناير 2025 زيارة إلى دمشق والتقيا الشرع.
وعقب ذلك، قامت وزيرة التنمية الألمانية سفينيا شولتسه بزيارة دمشق منتصف يناير 2025، وأكدت أن سوريا أمام "فرصة تاريخية" لبداية جديدة، مع تولي سلطة جديدة إدارة البلاد في مرحلة انتقالية.
وقالت شولتسه في بيان على هامش زيارتها إلى العاصمة السورية "بعد 50 عاما من الديكتاتورية و14 عاما من الحرب لدى سوريا الآن فرصة لتحقيق تنمية سليمة ومستقرة".
وأضافت "سيكون خطأ ألا نستغل هذه الفرصة التاريخية لدعم سوريا في الشروع ببداية جديدة وسلمية"، مؤكدة أن "ألمانيا يمكنها أن تفعل الكثير لدعم البداية الجديدة للمجتمع السوري".
وأجرت وزيرة التنمية الألمانية حينها لقاءات مع منظمات إغاثية وممثلين عن المجتمع المدني "لتحديد الكيفية التي ستدعم فيها ألمانيا تنمية مجتمع سلمي ومستقر وشامل"، وفق البيان.
وأعلنت شولتسه كذلك أن برلين ستوسع برنامج الشراكات الدولية للمستشفيات، ليشمل المرافق الصحية في سوريا، وذلك كجزء من جهود التعافي التي تهدف أيضا إلى الاحتفاظ بالكوادر الطبية في ألمانيا.
وذكرت دراسة ألمانية نهاية عام 2024 أن ألمانيا قد تواجه نقصا في اليد العاملة إذا عاد السوريون إلى وطنهم، لا سيما في قطاع الرعاية الصحية.
وفي إطار برنامج الشراكات الموسع، "يمكن للأطباء من ألمانيا زيارة سوريا لإجراء دورات تدريبية طبية أو لتدريب زملائهم السوريين على استخدام المعدات الجديدة"، وفق الوزيرة. كذلك "يمكن للأطباء السوريين المجيء إلى ألمانيا للحصول على تدريب في القضايا الطبية والتنظيمية على حد سواء".
ويعمل 5800 طبيب يحملون الجنسية السورية في ألمانيا.
وقالت شولتسه إنه بينما "يحرص حكام سوريا الجدد على استعادة العمالة الماهرة والمهنيين الذين فروا من البلاد... فإن لألمانيا أيضا مصلحة في الاحتفاظ بهم"، مشيرة إلى "دورهم الحيوي في نظامنا الصحي".

"مجرد مناقشات"
وأمام ذلك، يبدو جليا أن ألمانيا تدرس جديا عدم تعرضها لأضرار ونقص في العمالة الماهرة والفاعلة من اللاجئين السوريين.
لا سيما أن المستشار الألماني أولاف شولتس خرج في 13 ديسمبر 2024 وشدد على أن اللاجئين السوريين "المندمجين" في ألمانيا "مرحب بهم".
وقال المستشار الديموقراطي الاشتراكي في رسالة على منصة إكس إن "كل من يعمل هنا، ومندمج بشكل جيد، هو موضع ترحيب في ألمانيا وسيظل كذلك".
وجاء كلام شولتس ردا على دعوات المحافظين من اليمين المتطرف بإعادة اللاجئين إلى بلدهم بعد سقوط نظام بشار الأسد.
إذ قالت مرشحة حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف لمنصب المستشارة أليس فايدل، في منشور على منصة إكس “لن نقبل أحدا بعد اليوم”، وإن محاولة بعض أقطاب الحكومة الألمانية ربط تقديم المساعدات لسوريا في المرحلة الحالية بملف اللاجئين، ما يزال ضمن دائرة النقاشات العريضة.
فهذه وزيرة العدل الألمانية ماريون جينتجيس ذاتها قالت لوكالة الأنباء الألمانية "إذا كنت تدعم جهود إعادة الإعمار بسوريا، فعليك أن تقدم للحكام الجدد المبادئ التوجيهية في نفس الوقت".
وأردفت: "يجب أن تعتمد بعض الخدمات على تعاون الحكومة السورية وخلق وضع على الأرض يجعل العودة ممكنة".
وضمن هذا السياق، قال الباحث السوري مدير موقع "اقتصادي"، يونس الكريم، إن "وزيرة العدل الألمانية ماريون جينتجيس تحاول تقديم رؤيتها كعضو في الحكومة بشأن تقديم مساعدات إنسانية مقابل قبول دمشق بإعادة اللاجئين إلى وطنهم، ويقصد هنا السوريين الصادر بحقهم قرارات ترحيل نتيجة أحكام جرمية صدرت بحقهم بشكل مباشر".
وأضاف لـ"الاستقلال"، أن "تصريحات جينتجيس المنتمية للحزب الديمقراطي المسيحي هي تصريحات حزبية نابعة من محاولة هذا الحزب لتشديد سياسة اللجوء في ألمانيا وليست بالضرورة أن تتجه برلين لوضع شروط تتعلق باللاجئين عموما لتقديم مساعدات لسوريا التي تعاني وضعا اقتصاديا قاسيا".
ورغم دعم اليمين المتطرف، فشل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحليفه الاتحاد الاجتماعي المسيحي نهاية ديسمبر 2024 في حشد الأصوات لتمرير تشريعات صارمة متعلقة بملف الهجرة، حيث صوّت النواب الألمان ضد مشروع قانون مثير للجدل.
وقوبلت هذه النتيجة بتصفيق من قبل نواب الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم وحزب الخضر، وهما أكبر حزبين معارضين لهذا الاقتراح.
وقد كان يتضمن مقترح حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحليفه البافاري الاتحاد المسيحي الاشتراكي ما يسمى قانون الحد من التدفق والذي من شأنه أن يفرض قيودا على لم شمل الأسر لطالبي اللجوء المرفوضين مع إجراءات ترحيل.

"ليس سهلا"
وأشار الكريم إلى أن "ألمانيا استثمرت باللاجئين السوريين بشكل كبير ولن يكون استسهال في شأن عودتهم لسوريا".
ونوه الكريم إلى أن "الاتحاد الأوروبي يركز على حركة الإنفاق من الموجودين على أراضيه حيث تدفع عمليات الإنفاق اللاجئين إلى العمل والبحث عن مصادر تمويل ما".
اللافت أن حديث ألمانيا هذا يأتي في ظل تزايد حجم التحديات الوطنية التي تواجهها سوريا ويتطلب التنسيق والموارد التي لا تستطيع الجهود المحلية وحدها توفيرها.
إذ أعلنت ألمانيا تخصيصها 60 مليون يورو لمشاريع مختلفة في سوريا "بهدف تحسين الوضع الإنساني" فيها.
وذكرت وزارة التنمية الألمانية، في بيان، لها نهاية ديسمبر 2024 أنها ستقدم المبلغ المذكور إلى سوريا عبر الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني.
وبعد أربعة أيام من سقوط نظام بشار الأسد، أعلنت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، إن بلادها ستقدم ثمانية ملايين يورو إضافية (8.4 ملايين دولار) في صورة مساعدات إنسانية لسوريا، وستزيد من وجودها هناك وتجعل وزير الدولة توبياس ليندنر ممثلا لألمانيا هناك.
وأردفت تقول وهي تقدم خطة عمل من ثماني نقاط "نرى لحظة أمل"، لكنها ذكرت أن الوضع "ليس مستقرا على الإطلاق".
وأضافت أنه يجب تنسيق عودة اللاجئين السوريين مع الشركاء في أوروبا والأمم المتحدة.
إن الاحتياجات الإنسانية في سوريا في أعلى مستوياتها على الإطلاق عقب سقوط الأسد وبدء عمليات عودة ضئيلة إلى المدن والبلدات السورية المدمرة.
ففي عام 2024 سجل احتياج 16.7 مليون شخص سوري إلى المساعدة، ولعبت المساعدات الخارجية، خاصة من الولايات المتحدة، دورا مهما.
وعلى الرغم من ذلك، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أخيرا بنقص مستمر وشديد في التمويل لخطة الاستجابة الإنسانية في سوريا.
حيث تم تلبية 34.5 بالمئة فقط من متطلبات التمويل البالغة 4.1 مليار دولار بداية من عام 2025.
وكانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قد منحت عقب سقوط الأسد تخفيفا محددا للعقوبات على سوريا لمدة ستة أشهر من خلال وزارة الخزانة الأميركية لتسهيل تقديم الخدمات العامة والمساعدات الإنسانية.
وقد تم تطبيق هذا التخفيف على العقوبات المتعلقة بالمعاملات مع الحكومة السورية ومعالجة التحويلات الشخصية إلى البلاد من خلال البنك المركزي السوري.
وتهدف هذه الخطوة إلى تمكين المساعدات الحاسمة ومساعدات التنمية في قطاعات تتراوح من الطاقة والزراعة إلى التكنولوجيا والرعاية الصحية.
بالمقابل تستخدم دول أخرى، فضلا عن الاتحاد الأوروبي ، نهج "خطوة بخطوة" لرفع العقوبات عن سوريا كوسيلة ضغط لضمان تلبية الحكومة الجديدة للمؤشرات الرئيسة للانتقال السياسي الناجح والمستدام.
لا سيما أنه طوال العقد الأخير في سوريا كان القطاع الخاص، بدعم من المجتمعات المحلية، يمول سبل العيش ويوفر الخدمات الأساسية في غياب الدعم الحكومي.
ولهذا يؤكد الخبراء أنه لتعزيز الاستقرار وإعادة بناء الاقتصاد السوري، يتعين على المجتمع الدولي رفع العقوبات المفروضة على المؤسسات المالية الحيوية، مثل البنك المركزي، فضلا عن تسهيل الاستثمار الأجنبي وتمكين الشركات الخاصة.
إذ إنه بدون مثل هذه التدابير، فإن الضغوط الاقتصادية على السوريين سوف تشتد، مما يعرض التقدم الهش الذي تحقق حتى الآن للخطر.