بعد تطورات لبنان وسوريا.. هل اقترب حل المليشيات الشيعية في العراق؟

مراقبون أكدوا أن حلّ المليشيات الشيعية بالعراق لن يكون إلا بقوة خارجية
مع تدمير قدرات حزب الله اللبناني، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، بدأ الخناق يضيق على المليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق، وباتت ضغوطات المجتمع الدولي والولايات المتحدة تتزايد على بغداد من أجل حلّ هذه الجماعات التي تُشكل جسما موازيا للدولة.
التشكيلات الشيعية، تبلغ نحو 66 فصيلا، 44 منها توالي إيران وتعرف باسم “المليشيات الولائية”، وكل هؤلاء ينضوون ضمن قوات "الحشد الشعبي" التي تشكلت عام 2014 إبان اجتياح تنظيم الدولة للعراق، وعُدوا قوة رسمية بقانون أصدره البرلمان عام 2016.
تُتهم المليشيات الولائية بقتل آلاف المدنيين العراقيين إبان الحرب ضد تنظيم الدولة (2014 إلى 2017)، وارتكابها جرائم بحق متظاهرين خلال احتجاجات أكتوبر/ تشرين الأول 2019 في العراق، فضلا عن قتالها إلى جانب رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد عام 2012.
وعرفت هذه المليشيات بشن هجمات على الوجود العسكري الأميركي في العراق، وحتى سفارة واشنطن في بغداد، إضافة إلى إعلانها قصف أهداف إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك عقب اندلاع عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

ضغوطات غربية
ويواجه العراق ضغوطات خارجية من أجل حلّ المليشيات المسلحة، وفق ما أكد مسؤولون مقربون من رئيس الحكومة محمد شياع السوداني.
وقال إبراهيم الصميدعي، المستشار السياسي لرئيس الوزراء العراقي، خلال مقابلة تلفزيونية في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2024، إن الولايات المتحدة الأميركية دعت الحكومة العراقية لتفكيك الفصائل المسلحة بنفسها أو أن الأمر “سيتم بالقوة”.
وأضاف المسؤول العراقي أن “التفاهم السياسي مع الفصائل وصل إلى مراحل متقدمة، وهناك نوع من الاستجابة”.
وأردف: "ما نحتاج إليه اليوم هو تفكيك الفصائل، فالمجتمع الدولي لن يقبل بعد الآن وجود ثنائية الدولة واللا دولة في العراق".
وأوضح أن مسألة حلّ المليشيات “ليست جديدة”، بل هي اشتراط قديم فرضته الولايات المتحدة والدول الغربية على جميع الحكومات العراقية السابقة.
وأكد أن حلها “سيُفرض هذه المرة من الخارج وبالقوة وبشكل مختلف، إن لم نستجب له طواعية وبإرادتنا”.
وشدد على ضرورة إجراء مراجعات "فلا يمكن للعراق أن يبقى نصلا لمحور المقاومة بعد سقوط نظام الأسد وتراجع (حزب الله) في لبنان. علينا اليوم، ومن منطلق مسؤوليتنا الذاتية، مع الإخوة في الفصائل، أن نعيد التفكير في مسألة المبادرة إلى حلّها ودمجها في الوضع السياسي".
وعلى الوتيرة ذاتها، شدد محمد صاحب الدراجي، المستشار الفني لرئيس الوزراء العراقي، على ضرورة تغيير طريقة الحكم في النظام السياسي الحالي، و"إذا لم تستجب القوى السياسيَّة لهذه المتغيرات، فقد تحصل تغيرات لا تتفق مع رؤية الطبقة السياسية الحالية".
وطالب الدراجي خلال مقال له نشرته صحيفة "الصباح" الرسمية في 18 ديسمبر، بوجوب التفكير جديّا بتغيير أسلوب الحكم وطريقة إدارة الدولة، والتحول إلى المؤسساتيَّة فورا و"قطع الطريق على أي مخططات شريرة تجاه شعبنا وبلدنا، والتعامل مع المتغيرات ببراغماتيَّة حقيقيَّة".
وحذر المسؤول من "متغيرات مفاجئة لا يمكن التكهن بشكلها؛ سواء اقتصادية أو أمنية أو سياسية خارجية، ستعيد رسم المشهد باستخدام ممثلين ومخرجين جدد، قد لا يكون للاعبين الأساسيين الآن فيه شيء"، في إشارة إلى القوى السياسية الحاكمة منذ عام 2003.
على وقع تصريحات مستشاريه، خرج السوداني، في مقابلة على التلفزيون الرسمي في 19 ديسمبر، أكد فيها أنه "لا يوجد أي شروط لحل الحشد الشعبي. وغير مسموح لأحد أن يطلب ذلك".
لكنه بيّن أنه "كان مقررا أن يعلن عن جدول زمني لحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء أي وجود لأي مجاميع أو فصائل خارج نطاق المؤسسات الأمنية، وذلك بالتزامن مع الإعلان عن جدول انتهاء مهام قوات التحالف الدولي بالعراق".
وفي 27 سبتمبر، صدر عن الولايات المتحدة والعراق بيان مشترك، أكدا فيه أن المهمة العسكرية للتحالف الذي تقوده واشنطن في بغداد (ضد تنظيم الدولة) ستنتهي بحلول سبتمبر/أيلول 2025، على أن يجرى الانتقال إلى شراكات أمنية ثنائية.

خيار صعب
وعن إمكانية حلّ المليشيات منعا لإنهائها بالقوة وحصول تغييرات في النظام السياسي الحالي الذي يحكمه الشيعة منذ عام 2003، استبعد الباحث العراقي، إياد ثابت، أن تفلح الحكومة الحالية في هذه المهمة.
وقال ثابت لـ"الاستقلال" إن "ضمان بقاء المليشيات المسلحة المنضوية ضمن الحشد الشعبي، قائم على ابتزاز الحكومة ولي الأذرع، فهي تمتلك المال والسلاح الذي يحصنها، فضلا عن النفوذ السياسي، كون أغلبها ينتمي للإطار التنسيقي الشيعي الحاكم".
وأوضح أن مليشيات "عصائب أهل الحق ومنظمة بدر وكتائب سيد الشهداء وكتائب الإمام علي، وحتى كتائب حزب الله، كلها مليشيات ولائية لديها تمثيل برلماني، بل وحتى وزراء في الحكومة الحالية".
واستدرك أن: “تفكيك المليشيات الشيعية وإلقاء السلاح الثقيل والمتوسط والطائرات المسيرة وغيرها خيار مستبعد وصعب التطبيق، لكن يمكن تجميدها بطريقة شكلية، كحل إرضائي".
ولكن إذا تعرضت إلى قوة خارجية فستضطر إلى التخلي عن أسلحتها، وفق تقدير الباحث.
وبحسب مستشار مركز لندن للتدريب والدراسات الإستراتيجية، زيرفان برواري، فإنه على الرغم من أن "الحشد الشعبي لم يشترك مباشرة في الهجمات التي كانت تشن ضد إسرائيل، فإنه مازال يشكل خطرا على المعسكر الغربي".
وأكد برواري في حديث لقناة "الحرة" الأميركية في 18 ديسمبر، أن "إنشاء الحشد الشعبي كان لهدف محدود وهو القضاء على تنظيم الدولة" وقد تم ذلك عام 2017، لكنه غير من إستراتيجيته فيما بعد واستهدف مصالح واشنطن في المنطقة.
ولفت إلى أن "الحشد الشعبي خرج من مساره الذي وضع له، ونفذ أجندات خارجية، وهاجمت بعض فصائله قواعد عراقية تؤوي جنودا من الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى استهداف منشآت وشركات أجنبية في العراق وإقليم كردستان".
لذلك فإنه يرى أن فرضية "حلّ الحشد الشعبي"، وإن لم يدعُ إليها أحد، ستبقى قائمة، موضحا أن هناك محاولات لإنهاء ما يسمى بمحور المقاومة، في جميع البلدان ومنها العراق.
في حين يؤكد، برواري، أن احتمالية تطبيق هذه الفرضية (حلّ الحشد) في هذا الوقت الراهن تعد من أكثر الاحتمالات الواردة.
وقد عزا ذلك إلى إدراك معظم قيادات الفصائل المنضوية في الحشد الشعبي أنه لم يعد بإمكانها المقاومة.

المطالبة بفتوى
على الصعيد ذاته، نقلت صحيفة "الأخبار" اللبنانية التابعة لحزب الله اللبناني، عن مصدر عراقي مسؤول (لم تسمه) في 21 ديسمبر، أن “الحكومة العراقية تلقّت، أكثر من مرة، طلبات من أطراف دولية وإقليمية لحلّ الحشد الشعبي وتسليم سلاح الفصائل إلى الدولة”.
وبحسب الصحيفة، فإن "الزيارة الثانية لممثل الأمم المتحدة في العراق، محمد الحسان، إلى المرجع الديني الأعلى في النجف، علي السيستاني، (في 12 ديسمبر) كانت بهدف الطلب منه إصدار فتوى لتفكيك الحشد الذي تأسس بفتوى منه، أو دمجه مع الوزارات الأمنية، ليرفض الأخير استقباله".
وذكرت نقلا عن مصدرها، أن "قضية حلّ الحشد وتفكيك الفصائل رغبة غربية ليست جديدة، لا سيما من جانب الولايات المتحدة التي دائما ما تعبّر عن انزعاجها منها كونها مدعومة إيرانياً أو تنفّذ سياسة طهران في المنطقة".
وتابع المصدر، أن السوداني “دائما ما يشدّد على عدم تدخل الحشد الشعبي في الصراعات الداخلية والإقليمية”.
وحتى إن الحشد أبعد تمام عن أحداث غزة ولبنان، لكن هناك أطرافا دولية وإقليمية ترى أن الفصائل تهدّد مصالحها وتتحكم بها إيران، وفق قوله.
وفي مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أصدر السيستاني، بيانا بعد لقائه لأول مرة الممثل الأممي، محمد الحسان، شدد فيه على منع التدخلات الخارجية في العراق بمختلف وجوهها، وتحكيم سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد.
من جانبه، رأى بهاء الأعرجي، نائب رئيس الوزراء السابق، المقرّب من السوداني، أن "تحركات الحسان واجتماعاته المختلفة وزيارته لإيران طبيعية جدا، على تقدير وجود مكتب هناك للأمم المتحدة".
وأشار الأعرجي إلى أن "الحشد الشعبي مؤسسة رسمية، مشرّعة بالقانون، والحديث عن دعوات إلى حلّها غير حقيقي. أما في ما يخصّ الفصائل المسلحة، فإن قرارا بشأنها من تفكيك أو غيره تتخذه الدولة العراقية حصرا، فهي قضية داخلية".
وخلص المسؤول العراقي السابق إلى أن “أصحاب الحلّ والعقد هم من يقرّرون مصير تلك الفصائل، علما أن بقاءها مرهون بوجود الاحتلال (الأميركي). وعند انعدامه لن تكون موجودة”.
المصادر
- مستشار رئيس الوزراء العراقي: إذا لم نبادر إلى حل الفصائل فسيحلها الآخرون بالقوة
- العراق.. هل سيصبح الحشد الشعبي قربانا لفصائل المقاومة؟
- ضغوط متفاقمة على بغداد: السيستاني يرفض الإفتاء بحلّ «الحشد»
- إعلان الاتفاق على إنهاء مهمة التحالف الدولي بالعراق
- السوداني يخير الفصائل بين الدمج أو العمل السياسي: لا يوجد مبرر لبقائهم خارج الدولة
- تفكيك الفصائل وحل الحشد.. الأعرجي: القرار تتخذه الدولة العراقية حصراً