غرفة عمليات لإنعاش "الدعم السريع".. ما قصة مستشفى الإمارات بجنوب السودان؟

"الإمارات توسع دائرة العداء، فهي ورطت تشاد، ثم تنزانيا، وكينيا، وها هي الآن تورط جنوب السودان"
منطقة نائية في ولاية شمال بحر الغزال في دولة جنوب السودان، شهدت يوم 7 مارس/ آذار 2025، توجه وفد إماراتي برئاسة وزير الدولة للشؤون الخارجية شخبوط بن نهيان، لافتتاح مستشفى "مادهول" الميداني.
كان طبيعيا أن يحمل خبر افتتاح مستشفى في دولة جنوب السودان التي تعاني منذ انفصالها حروبا شتى، احتفاء وشكرا على الخطوة ذات الطابع الإنساني.
لكن مع سياسة الحكومة الإماراتية تجاه السودان القائمة على إشعال الحرب الأهلية، أثار الخبر جدلا واتهامات تفيد بأن المستشفى المشيد قرب حدود السودان ما هو إلا غطاء لدعم مليشيا الدعم السريع.
خاصة أن الأخيرة تعرضت لهزائم وفقدان لكثير من الولايات والمدن الحيوية، بينما تحاول أبوظبي إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ويبقى السؤال لماذا اختارت الإمارات ولاية بحر الشمال بجنوب السودان تحديدا؟ وهل كان هناك أمثلة مشابهة تدلل على أن الدولة الخليجية تتخذ من العمل الإنساني غطاء لإدارة الحرب الدائرة في السودان منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023.
الموقع الجغرافي
الموقع الجغرافي لمستشفى "مادهول" الإماراتي بجنوب السودان، تحديدا إقليم شمال بحر الغزال، يمنحه أهمية إستراتيجية خاصة، وذلك لقربه الشديد من الحدود السودانية، حيث يبعد عنها قرابة 64 كيلومترا.
كذلك توجد مسارات نقل رئيسة تربط جنوب السودان بغرب كردفان ودارفور، وهي مناطق تشهد نشاطا متزايدا، وتمركزا لقوات الدعم السريع المتمردة المدعومة إماراتيا.
ويوجد بشمال بحر الغزال أيضا، خط سكة حديد يمر من مدينة واو، إلى كردفان بالسودان، وتاريخيا تأثر هذا الإقليم بشكل كبير خلال الحرب الأهلية السودانية الثانية التي اندلعت في الفترة ما بين 1983 إلى 2005.
ويعد إقليم شمال بحر الغزال والأجزاء المجاورة من غرب كردفان ودارفور إلى الشمال، من بين أكثر المناطق حساسية من الناحية السياسية في السودان.

قاعدة عسكرية
وتوالت التعليقات من سياسيين وناشطين سودانيين، على إقدام الإمارات على تدشين مستشفى "مادهول" بجنوب السودان، وما وراء تلك الخطوة؟
ودون السياسي الدكتور أحمد مقلد، عضو مؤسس التجمع المدني الثوري، عبر "إكس": "الإمارات أصبحت عارية أمام العالم.. افتتحت الإمارات قاعدة عسكرية على حدود السودان جنوبا مع جنوب السودان تحت اسم مستشفى ميداني".
وأضاف: "مثل قاعدة أم جرس بالحدود التشادية للسودان غربا، ومثلما نقلت أسلحة وذخائر في شحنات دعم طبي مغلفة بشعار الهلال الأحمر الإماراتي".
وذكر حساب موثق باسم "وزير إماراتي" أيضا: "أن قرار بناء مستشفى ميداني إماراتي بجنوب السودان لم يكن قرارا إنسانيا، بل خطة إستراتيجية خبيثة".
وتابع: "تماما كما فعلوا في أم جرس بتشاد؛ حيث كان المستشفى غطاء لغرفة عمليات تدير إمداد المليشيات بالعتاد والجرحى".
ومما أورده أن اختيار الموقع الحدودي مع السودان ليس صدفة، بل جاء لتأمين خط إمداد آمن لمليشيا الدعم السريع.
وتحدث أن الافتتاح تم بحضور ضباط استخبارات إماراتيين، تحت غطاء الهلال الأحمر، بينما الحقيقة أنهم المنسقون للمرحلة القادمة.
وذكر أن الطائرات الإماراتية لن تحمل فقط معدات طبية، بل ستنقل ما هو أثقل وأخطر إلى الداخل السوداني.
واختتم تدوينته بأن محمد بن زايد لم ييأس بعد وهو ماض في دعم تقسيم السودان وعازم على السيطرة على ناسه، ذلك رغم أن السودان صفعه قبل أيام ووضعه في موقف صعب.
وفي حديثه لقناة "طيبة" الفضائية السودانية، يوم 12 مارس 2025، قال الخبير الأمني السوداني، عامر حسن: "الإمارات تقيم قاعدة لوجستية في جنوب السودان تحت غطاء الهلال الأحمر".
ومما أورده أن غرض الإمارات ليس فقط تطبيب وعلاج المصابين في الحرب من الدعم السريع أو الضباط الإماراتيين، فهذا يتم في عدة مناطق مثل تشاد أو الإمارات نفسها.
واستطرد أن إقامة تلك المستشفيات الميدانية في أعالي جنوب السودان، غرضها عسكري، حيث ستكون قاعدة لإطلاق الطائرات المسيرة، وسيتم تجنيد والدفع بالمرتزقة من هذه المعسكرات.
وطالب الخبير الأمني السوداني حكومة بلاده بتعامل واضح ومساومة واضحة مع دولة جنوب السودان.
وحذر من أن يتم التعامل مع الوضع مثل تشاد، حيث أسست الإمارات قواعد لوجستية وعسكرية من خلال مستشفيات ميدانية مشابهة، ثم دفع السودان الثمن غاليا.
توسيع الصراع
وتفاعلا مع المشهد، يشير الصحفي السوداني محمد نصر إلى بعد آخر لإقليم شمال بحر الغزال بجنوب السودان، قد يجعله متورطا في النزاع السوداني، ويجعله كذلك محط اهتمام للإمارات التي تحرك وتدعم المتمردين.
وقال لـ"الاستقلال": "لا شك أن قبيلة دينكا ملوال التي تقطن تلك المنطقة، أسهمت بقوة في ترجيح كفتها، لأنه مع بداية الحرب اتهمت القبيلة بأن بعض شبابها انضموا للدعم السريع، وشاركوا في الحرب ضد الجيش".
وأكمل: "استطاع حميدتي أن يستقطب شباب القبيلة بالمال وأن يجندهم وبالفعل وقع عدد منهم في الأسر، إضافة إلى الذين قتلوا وعثر على جثثهم".
وتابع نصر: "لكن بعيدا عن الدينكا فإن الإمارات تغامر بجعل النزاع إقليميا، وتوسع دائرته، فهي ورطت تشاد، ثم تنزانيا، وكينيا، وها هي الآن تورط جنوب السودان، ما يجعل الأمر أكثر تعقيدا وصعوبة".
وتعد قبيلة الدينكا المتهمة بانضمام بعض شبابها إلى الدعم السريع، من أكبر المجموعات الإثنية في دولة جنوب السودان.
ومنها انحدرت قيادات جنوب السودان وفي مقدمتهم جون قرنق وسلفاكير ميارديت (الرئيس الحالي للبلاد).
واتهامات إقامة مستشفيات ميدانية إماراتية، كستار لعمل عسكري وإمداد للتمرد في السودان، ليست جديدة.
إذ سبق أن قام سفير الإمارات في تشاد، سعيد الشامسي، بافتتاح المستشفى الميداني الإماراتي في مدينة "أم جرس"، الذي شيد بأمر محمد بن زايد لدعم اللاجئين السودانيين، في 4 يوليو/ تموز 2023.
بعدها كشف موقع "غريون" الهولندي المتخصص في الملاحة الجوية يوم 30 يونيو/ حزيران 2024، عن جسر جوي بين الإمارات ومطار "أم جرس" التشادي، وعن التقاط صور بالأقمار الصناعية لمعسكر عسكري بالقرب من المطار.
قال الموقع: "إن المعسكر يتوقع أن يكون هو نفسه المستشفى الميداني، الذي سبق أن أعلنت الإمارات إقامتها في تشاد لدعم اللاجئين السودانيين، الفارين من لهيب المعارك".
ستار الموت
وفي 16 يوليو/ تموز 2023، نشرت منصة "إيكاد" العربية، الخاصة باستخبارات المصادر المفتوحة، أنه رصدت تكثيف الإمارات رحلاتها نحو مطار "أم جرس" التشادي.
وكشفت عما مجموعه 28 رحلة شحن بين الإمارات وتشاد التقطت عبر الأقمار الصناعية.
التي أظهرت ما لا يقل عن انطلاق 6 طائرات شحن من طراز "إليوشن إل 76" من أبوظبي إلى أم جرس، في الفترة بين 20 و 30 يونيو 2023.
وأرجعت المنصة سبب ذلك الجسر الجوي إلى تحايل حكام الإمارات لدعم ميليشيات التمرد (قوات الدعم السريع في السودان) وتأمين إمداداها بالعتاد العسكري.

وعقبت المنصة أن الإمارات لو كانت تقصد اللاجئين السودانيين، كما زعم الرئيس الإماراتي محمد بن زايد.
وأنها كانت تسعى لتقليل الانعكاسات الإنسانية المأساوية عليهم، كانت ستتوجه إلى مدينة "أبشي" بطريقة أكثر منطقية، وتقيم المستشفى الميداني هناك.
فمدينة "أبشي" تقع في الوسط الشرقي لتشاد، على بعد 330 كم جنوب غرب أم جرس، والأكثر أهمية أن اللاجئين السودانيين يتمركز العدد الأكبر منهم في "أبشي" فوفقا لتقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 11 يونيو 2023، يقبع في مدينة "أبشي" التشادية حوالي 74 ألف نازح سوداني من المعارك.
كما أن "أبشي" بها مطار ممهد، به مدرج بطول 2800 متر، يستطيع استقبال أي طائرة، وبناء عليه فهي من جميع الأوجه الأكثر منطقية لاستقبال المساعدات الإنسانية من أم جرس.
لذلك فإن المساعدة الإماراتية والرحلات المكثفة نحو أم جرس ليس لها تفسير منطقي إلا وجود أغراض عسكرية، ودوافع إستراتيجية لتحقيق مصالح بعينها.
فلماذا يسفر الجسر الجوي المكون من 28 رحلة عن مستشفى ميداني بسعة 50 سريرا فقط؟ ولماذا يتم إنشاء مستشفى ميداني في منطقة نائية مع تدفق طفيف للغاية للاجئين؟
المصادر
- تنفيذاً لتوجيهات رئيس الدولة.. الإمارات تفتتح مستشفى مادهول الميداني في جنوب السودان
- الإمارات تفتتح مستشفى مادهول الميداني في جنوب السودان
- إغاثة إنسانية أم بوابة نفوذ؟.. تساؤلات حول التوسع الإماراتي في السودان وجواره
- الدينكا.. قبيلة في قلب الصراع بجنوب السودان
- بعد فضيحة مستشفى أم جرس .. بماذا ردت الإمارات