رؤية متقدمة.. لماذا تحرص السنغال على دمج مدارس القرآن في التعليم الرسمي؟

تعد المدرسة القرآنية جزءا من تراث السنغال الثقافي ومكوِّنا أساسيا من هويته
في خطوة جريئة نحو تعزيز الهوية الإسلامية في التعليم، أطلقت السلطات السنغالية مبادرة غير مسبوقة لدمج المدارس القرآنية ضمن النظام التعليمي الرسمي، مؤكدةً على دور القيم الإسلامية في نهضة المجتمع.
وتأتي هذه الخطوة في إطار رؤية جديدة يقودها الرئيس السنغالي باسيرو جوماي فاي، الذي أشرف شخصيا على فعاليات اليوم الوطني للمدارس القرآنية (الدارات) في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ما يعكس التزام الدولة بترسيخ هذا التوجه على أعلى المستويات.
وقالت مجلة "الشمس" الأسبوعية السنغالية، الصادرة باللغة العربية في عدد 06 - 12 مارس/آذار 2025: إن الرئيس فاي "شدد على أهمية إعداد خريطة شاملة لجميع المدارس القرآنية، وتطوير نظام خاص لهذه المؤسسات ومعلميها من خلال تدريبهم في مراكز متخصصة".
كما دعا إلى تعزيز التكوين المهني للطلاب لتيسير اندماجهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. مبينا أن “المدارس القرآنية تمثل أحد الأعمدة الرئيسة في تعليم الأطفال بالسنغال”.
لكنه أبدى أسفه لأن هذه المؤسسات لم تدمج بشكل كافٍ في النظام التعليمي الرسمي، سواء العام أو المهني أو التقني.
حاجة مجتمعية
وفي هذا السياق، حث الرئيس وزير التربية الوطنية مصطفى غيراسي على استكمال الإصلاحات الجوهرية بالتشاور مع جميع الأطراف المعنية، لوضع إستراتيجية لتحديث عمل المدارس القرآنية وتطويرها بما يتماشى مع متطلبات العصر.
وتعد المدرسة القرآنية جزءا من تراث السنغال الثقافي ومكوِّنا أساسيا من هويته، وفق ما يقول الأستاذ الجامعي السنغالي المختص بالتعريب، سام بوسو عبد الرحمن.
وشدد عبد الرحمن في حديث لـ "الاستقلال"، على أن "إدماج هذه المؤسسات التعليمية في النظام التربوي الرسمي يلبي حاجة ملحة لشريحة واسعة في المجتمع السنغالي، تكرر التعبير عنها في مناسبات مختلفة".
و"منها الجلسات الوطنية حول التربية والتكوين لسنتي 1981 و2014، حيث يهدف هذا الإدماج إلى الحفاظ على القيم الأصيلة والتراث العريق للمجتمع السنغالي مع الاستجابة لمقتضيات التنمية الوطنية".
وأضاف عبد الرحمن: "منذ حوالي عقدين من الزمن بدأت السلطات التربوية في السنغال تنتبه إلى ضرورة الاهتمام بالمدارس القرآنية، وتُرجم هذا الاهتمام بالعديد من المشاريع التي تخصها".
وذكر أن "النظام السياسي الجديد أبدى بدوره اهتماما بالغا بالتعليم القرآني، وهو ما يتجلى من خلال رؤيته وسياسته التربوية".
وقال: إن "السلطات الجديدة تحمل رؤية تنموية شمولية تولي اهتماما بالغا للعدالة والإنصاف في المجتمع".
فمن بين المحاور الأربعة التي تقوم عليها رؤية "السنغال 2050" محور رأس المال البشري والإنصاف الاجتماعي، و"تعد المدرسة القرآنية من هذا المنظور فاعلا أساسيا في هذا المحور".
وأوضح عبد الرحمن أن "السياسة التربوية الجديدة للوزارة تجسد هذه الرؤية التنموية التي ترمي إلى ترسيخ مجتمع منفتح وتكوين مواطن متسلح بالقيم الإفريقية وقادر على رفع تحديات التنمية المستدامة والعلوم والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي".
التزام حكومي
وخلال الأشهر الماضية، اتخذت الحكومة خطوات عملية تؤكد التزامها بتطوير مراكز تحفيظ القرآن وإدماجها في النظام التعليمي.
وفي هذا الصدد، ذكر موقع "reveildakar"، في 25 نوفمبر 2024، أن وزير التربية الوطنية أبلغ خليفة (الزعيم الديني) مدينة باي، الشيخ محمد الماحي نياس، التزام وزارته بالعمل على إدماج المدارس القرآنية في النظام التعليمي؛ لتستعيد عافيتها ويسترد أبناء القرآن مكانتهم وكرامتهم.
وقال وزير التربية الوطنية خلال زيارة مجاملة للخليفة: "إننا نناضل من أجل دمج المدارس في نظام التعليم والاعتراف بها وبمكانتها في النظام".
وتابع غيراسي أن الوزارة بالتعاون مع معلمي القرآن وطلاب المدارس القرآنية، وجميع الفاعلين في هذا المجال، تمكنوا من وضع مشروع قانون توافقي قُدم لرئيس الجمهورية.
والنقطة الأخرى التي أثارها هي ربط "الدارات" القرآنية بالقضايا الراهنة، لا سيما الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية والعقلية المدنية والوطنية وقيم الصدق والمواطنة والروحانية.

وشدد الوزير على أن كل الإشكالات والتساؤلات التي يطرحها الفاعلون بخصوص مدارس القرآن تظهر أن الأمر يتعلق حقا بإعطاء المعرفة للعالم، والدارات هي المكان المناسب لذلك، يؤكد غيراسي.
وبالنسبة لوزير التربية الوطنية، فإنه لا يمكن غرس هذه القيم في سلوك الجميع إلا عندما يجرى دمج منهج المدارس القرآنية في نظام التعليم.
واسترسل: "هناك إصرار بين جميع المسؤولين على تحقيق ذلك وقد سمعتم رئيس الدولة يتحدث عن هذا الأمر في عدة مناسبات". مشيرا إلى أن جوماي فاي نفسه كان من طلاب المدارس القرآنية.
وقال الوزير "اليوم، كل شيء مهيأ لترسيخ قيمنا، وإثراء النظام المدرسي ليشبهنا أكثر"، مضيفا: "نريد مدرسة تشبه السنغاليين".
بدوره، قال موقع "thiesinfo"، إن وزارة التربية الوطنية، تخطط من خلال مشروع تحسين أداء المنظومة التعليمية (PAPSE)، لدمج 600 مدرسة قرآنية من أجل دعم التدريس التقليدي العربي الإسلامي بشكل أفضل في السنغال.
وأوضح منسق إدارة الصفوف موسى نيانج، أن هذا المشروع يأتي خلفا لمشروع دعم التعليم الأساسي والثانوي الذي مكّن من تسجيل 527 صفا.
وأوضح نيانج أن عملية الاختيار ستكون عن طريق القرعة على مستوى هيئات التفتيش التربوي والتدريبي، بمشاركة جميع مكونات المدارس، "وسيتم إجراء زيارات الامتثال للتحقق من الامتثال للمواصفات".
وستستفيد المدارس القرآنية المختارة من عدة مزايا، بما في ذلك التعاقد مع مزود خدمة لتقديم دروس اللغة الفرنسية والرياضيات لطلابها، مما يسهل اندماجهم في نظام التعليم الرسمي.
كما يتضمن المشروع تركيب المقاصف المدرسية والرعاية الصحية وتوفير المواد المدرسية والتدريسية، وأيضا تقديم منحة لمعلمي القرآن الكريم.
الآفاق المستقبلية
وأكد الأستاذ الجامعي السنغالي سام بوسو عبد الرحمن، أن إدماج التعليم القرآني في النظام الرسمي بصورة كاملة مدروسة سيفتح آفاقا مستقبلية مشرقة تمس جوانب مختلفة منه كالمدرسة القرآنية والعاملين فيها وخريجيها والنظام التربوي والمجتمع ككل.
ومن تلك الآفاق، إمكانية الوصول إلى وضع نظام تربوي متكامل يتناغم مع الرؤية الجديدة للسلطات التربوية ومتوافقا مع طموحات أهل القرآن والمجتمع السنغالي عموما، وفق ما قال عبد الرحمن لـ "الاستقلال".
كما يهدف هذا الإدماج إلى إزالة الفجوة بين خريجي التعليم الفرنسي ونظيره العربي الإسلامي، مما يعزز الوحدة الوطنية ويمنع أي تباين ثقافي قد يؤثر على تماسك المجتمع.
وذكر عبد الرحمن أن هذا الإدماج سيمكن شريحة واسعة في المجتمع تملك كفاءات مختلفة من الإسهام بصورة أكثر فعالية في بناء هذا الوطن ومن الانخراط في سوق العمل بسهولة ويسر.
وأردف: "ستتمتع أيضا المدرسة القرآنية بوضعية قانونية موائمة، تؤطّر عملَ مؤسسات التعليم القرآني، وتحفظ خصوصيتها وتضمن لها الاعتراف الوطني والدولي".
ورأى أن هذا الاعتراف يشكل خطوة أساسية نحو تنفيذ إصلاحات جوهرية، مثل تحديث مناهج المدارس القرآنية، بهدف تقليص مدة حفظ القرآن الكريم، مع تعزيز اكتساب الطلاب لمهارات إضافية تفتح أمامهم آفاقا أوسع لمواصلة دراساتهم في مختلف التخصصات.
إضافة إلى "تحسين ظروف المعيشة والدراسة في المدرسة القرآنية، بحيث تحترم معايير الجودة المطلوبة في المؤسسات التربوية".
وذلك مع "تسهيل عملية تمويل المدارس القرآنية من ميزانية الدولة، ومن مصادر تمويل أخرى مثل الأوقاف والاستثمارات والهبات ونحوهما".
ورأى عبد الرحمن أن هذا الإدماج سيمكن المدارس القرآنية من الاستفادة من اتفاقيات التعاون مع المؤسسات الدولية، ومن ثورة التكنولوجيات الجديدة، خاصة الذكاء الاصطناعي.
وبيّن أن هذا الإدماج سيساعد السنغال على تحقيق التمدرس العالمي وفق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة.
وكذا "تحسين وضعية السنغال فيما يخص مراعاة حقوق الطفل وفقا للاتفاقية 182 لمنظمة العمل الدولية بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال".
وخلص عبد الرحمن إلى أن "إدماج المدرسة القرآنية في النظام التربوي الرسمي يفتح آفاقا لها وللعاملين والمتخرجين فيها، وللمجتمع بشكل عام".
ولفت إلى أن نجاح هذا المشروع يتطلب تكاتف جميع الأطراف، من الحكومة إلى المجتمع المدني؛ لضمان تحقيق إصلاح تعليمي شامل يحفظ القيم الإسلامية ويواكب التطورات العالمية.
المصادر
- دمج منهج الدارات القرآنية: الوزير غراسي ملتزم بدمج الدارات في نظام التعليم السنغالي
- Enrôlement de 600 Daaras : Vers une Meilleure Intégration des Écoles Coraniques au Système Éducatif
- Le chef de l’ Etat appelle à un consensus pour améliorer l’école sénégalaise et mieux l’adapter aux besoins du marché du travail