فشل "المتحدة" وهيمنة السعودية وغضب الشارع.. لهذا انتقد السيسي الدراما

انتقد مصريون الإنتاج الفني لشهر رمضان الحالي في مصر باعتباره الأضخم تكلفة
على الرغم من سيطرته على الإعلام والسينما، وضمان عزفها على نغمة السلطة دون مهاجمتها، انتقد رئيس النظام المصري، عبد الفتاح السيسي، حال الدراما في رمضان، وكأنه لا يشرف عليها ولا يتحكم بها.
هجوم السيسي المفاجئ على الدراما التي تصنعها أجهزة مخابراته من الألف إلى الياء، فسره نقاد وسياسيون بأنه محاولة لإرضاء الشارع المصري الغاضب من الأعمال الدرامية التي تعرض خلال رمضان 2025، بسبب كم الانحلال والعنف الذي تحتويه.
وفسره آخرون بأنه "نقد اقتصادي" من السيسي بسبب الإنفاق الضخم الذي تتكلفه شركة المخابرات المشرفة على الدراما، والتي أنفقت أكثر من 3.5 مليارات جنيه (1 دولار = 50,63 جنيها) على إنتاج 40 مسلسلًا رمضانيًا، وتعاني من خسائر كبيرة وعزوف عن المشاهدة.
وفسره فريق ثالث بأنه غضب من سحب الدراما السعودية البساط من تحت أقدام نظيرتها المصرية، وجذب هيئة الترفيه بقيادة تركي الشيخ مستشار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الممثلين المصريين، بالمال، ما أفقد القاهرة الريادة العربية لهذا القطاع.
لكن مسارعة كل أجهزة الدولة من "الهيئة الوطنية للإعلام"، إلى الشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية" للاستجابة لمطالب السيسي وتشكيل لجان لبحث موطن الخلل، أظهر مفارقة، أن من تسبب في المشكلة يسعى للتصدي لحلها.
وأن خسائر شركة المخابرات بسبب عزوف المصريين والدول العربية عن مسلسلاتها لضعف وتدني محتواها، باتت جرس انذار يشير لانهيارها.
غث وهزل!
كان وصف السيسي، خلال حفل إفطار رمضاني مع الجيش، في 17 مارس/آذار 2025، لدراما رمضان هذا العام بـ"الغث" و"الهزل"، وامتعاضه من مضمونها المشين، وأنه يرى أنها لا تمثل مصر، ومطالبته بتقديم أعمال إيجابية_ أمرا محيرا.
وذلك لأن مسلسلات رمضان تنتجها شركة المتحدة للإعلام التابعة للمخابرات المصرية والتي يوجهها السيسي بنفسه ويشرف على تجنيد الصحفيين والإعلاميين والفنانين لإنتاج جميع مسلسلاتها.
كما أن سيناريوهات هذه المسلسلات تجرى مراجعتها بالتفصيل في أكثر من جهاز أمني قبل الموافقة على إنتاجها وبعد الإنتاج، بما فيها مكتب السيسي.
ونبه إلى عدم رعاية “الغث والهزل والكلام الذي لا يبني أمة فقط”، مطالبا بالبحث عن الصالح، وكأنه يعترف بفشل "دراما المخابرات".
ثم دعا إلى إنتاج بديل يتمثل في "العمل الإيجابي الذي يتضمن جدية والتزاما"، و"محتوى جديا أكثر إلى جانب الكوميديا".
وجاء ذلك بالرغم من قتله شخصيا هذا المحتوى الجدي بالرقابة وإنتاج مسلسلات على طريقة "التوجيه المعنوي العسكري"، مثل "الاختيار" وغيرها.
لذا رأى نقاد ومحللون مصريون انتقاد السيسي للدراما، أن وراءه عدة أسباب، من بينها محاولته التماهي مع انتقادات المصريين وسخطهم على هذه المسلسلات التي امتلأت بالعري ومظاهر الخيانة والبلطجة والتفاهة.
وأيضا محاولة إلصاق تهمة انهيار الدراما بالسعودية وقنواتها خاصة “إم بى سي مصر”، التي عرضت خلال رمضان مسلسل "معاوية" المثير للجدل.
وأثار المسلسل سخط وسخرية المصريين، ومنع الأزهر عرضه، لتضمنه مشاهد مهينة لمعاوية بن أبي سفيان، وصلت حد إظهاره شبه عار وسط جوارٍ.

من سبب الفشل؟
وصف الصحفي المصري "سليم عزوز"، حديث السيسي بأنه اعتراف رسمي من رأس النظام نفسه، المسؤول عن المنظومة، من دين الناس، إلى مسلسلاتهم، بأن الدراما المصرية فاشلة.
لكنه أكد، في مقال نشره بصحيفة "القدس العربي" 21 مارس 2025 أن "الدراما كانت طيلة سنوات حكمه، تدار بعلمه وإشرافه"، وكان هو "سيناريست مصر الأول"، وبالتالي فهو المسؤول عن هذا الفشل.
قال: “شاهدناه من قبل يتحدث عن مسلسل الاختيار، كما لو كان مؤلفه، ويسوّق له كما لو كان منتجه”.
وأردف: “شاهدناه يوجه سيناريست في مداخلة تلفزيونية فانتهى الأمر بفشل المسلسل لأنه تحول للعمل وفق قيم المنظومة”.
ويوضح "عزوز" أن الشركة المتحدة، تنتج كل رمضان 22 مسلسلاً، تكفي لاستيعاب كل فناني مصر الكبار، لكن السلطة عملت على تشغيل "كومبارس"، و"عديمي الموهبة" وأصبح الكبار يتسولون العمل.
وضرب مثالا بالمخرج محمد سامي (تتبناه شركة المتحدة)، الذي أعلن أخيراً اعتزاله الدراما، بعد الانتقادات التي وجهت لأعماله من المصريين والسيسي ضمنا.
وعده "حالة كاشفة عن فلسفة الحكم، والجمهورية الجديدة للقادمين من الخلف، وصناعة دولة في حدود معسكر وتقزيم غير مسبوق لتاريخ مصر".
فهو مخرج ومؤلف وكاتب سيناريو، وزوجته ممثلة فاشلة أيضا، ووالدته عضو في مجلس الشيوخ، ووالده عضو في مجلس النواب، كما يقول الصحفي المصري.
وأعلن محمد سامي، أحد من يهيمنون على هذا القطاع، اعتزاله الدراما التلفزيونية بعد 15 سنة من العمل في مجال الإخراج.
ورغم أن المخرج الشاب برر قراره برغبته في السفر لاستكمال دراسته، وخشيته من الوقوع في فخ التكرار فإن البعض ربط الأمر بانتقادات السيسي.
وكذلك تشكيل لجنة لمراجعة المحتوى الدرامي، وتأكيد الحكومة على أهمية تقديم أعمال تعزز القيم المجتمعية، وفق "بي بي سي" البريطانية 21 مارس/آذار 2025.
وقبل اعلان اعتزاله، عدل المخرج محمد سامي مسلسله وكتب بعد آخر تترات المقدمة، أن "المسلسل من وحي خيال المؤلف ولا يمت للواقع بصلة".
وجاء ذلك في محاولة لتمرير باقي حلقات المسلسل دون أن يبدو القائمون عليه وكأنهم يتحدون السيسي.
وقال الصحفي جمال سلطان إن جميع المسلسلات يتم عرض سيناريوهاتها كاملة على أكثر من جهاز أمني للموافقة عليها قبل أي خطوة في الإنتاج، بما فيها مكتب الرئيس نفسه.
وفسر مطالبة السيسي بإصلاح دراما المخابرات الفاشلة بمحاولة التفاعل مع سخط المصريين منها على مواقع التواصل، والظهور كأنه "بعيد عن الموضوع، وأنه تفاجأ به مثلنا!، وأنه "واحد مننا" ويطالب بإصلاحها.
ويقول نقاد: إن تركيز الدراما المصرية المخابراتية على قصص أمنية واستخبارية فقط بغرض تلميع السلطة والأجهزة الأمنية يفقد مصر تدريجيا قوتها الناعمة القديمة في مجال السينما لصالح نظيرتها التركية والعربية الأخرى.
ويشيرون إلى أنه بعدما كانت الدراما تركز على تقوية الشعور الوطني بالدولة المصرية أصبحت تتركز حول تعظيم دور السيسي والشرطة والجيش فقط وتحولت لسينما النظام، ما أدى لصرف الأنظار عنها.
وسبق أن اشتكى منتجون وأصحاب شركات فنية خاصة لوكالة رويترز البريطانية عام 2019 من مضايقات أمنية ورفض إعطائهم تصاريح ومداهمة أماكن تصوير، ويقول ممثلون ممن ينتقدون الحكومة المصرية إنهم يخشون القبض عليهم.
وقال جمال العدل صاحب شركة "العدل جروب" هو وبعض القائمين على أعمال درامية إنهم أيدوا تدخل الدولة في البداية في سوق التلفزيون لأسباب اقتصادية وتنظيم أسعار أجور الممثلين، لكن التدخل زاد والسلطات الآن هي التي تحدد من يعمل في الإنتاج الفني ومن لا يعمل.
أيضا قال المخرج خالد يوسف عضو مجلس النواب السابق: إن الحكومة "بدأت تتدخل في المحتوى الدرامي نفسه"، ودفعت شركات الإنتاج الخاصة إلى التوقف عن العمل لفرض سيطرتها، وقال: "هما مش عايزين حد يفكر".
ووصل الأمر لإبلاغ شركات الإنتاج غير المخابراتية بقائمة الموضوعات المحظور تناولها في المسلسلات، بعدما أنشأت المخابرات مجموعتين على تطبيق واتساب لتوجيه تعليمات بما تنشره وسائل الإعلام الإخبارية وعينت رقباء في القنوات التلفزيونية للإشراف على ما يذاع.

أصحاب المشكلة يحلونها!
المفارقة أن السيسي والشركة المتحدة والمجلس الأعلى للإعلام، الذين يعدون السبب في مشكلات الدراما في مصر، وتحويلها لتمجيد السلطة وغياب الإبداع والنقد، عينوا أنفسهم لحل المشكلة.
ففي 19 مارس 2025، تحدث رئيس الوزراء مصطفي مدبولي عن "تشكيل مجموعة عمل لضبط الإعلام والدراما تنفيذا لتكليفات الرئيس السيسي"، مؤكدا أن "الأعمال التي ظهرت في رمضان لا تعبر عن المجتمع المصري".
ثم أعلنت شركة "المتحدة للخدمات الإعلامية"، أنها تشكل لجنة من شخصيات وخبرات متنوعة لوضع خطط للمحتوى الدرامي والإعلامي، ومتابعة ورصد أعمال الشركة لتحقيق رؤية إنتاجية قائمة على "تحليل دقيق للواقع".
وأوضحت أن اللجنة "ستجري مراجعة شاملة للأعمال المقدمة، لتقييم نقاط القوة والضعف، ووضع توصيات مدروسة تضمن توافق المحتوى مع الأهداف الوطنية والتوعوية، بما يسهم في التطوير المستدام للمشهد الإعلامي المصري".
وأكدت “المتحدة” التي تستحوذ على معظم الإنتاج الدرامي، استرشاد التلفزيون المصري بـ"الرؤية الرئاسية" في إنتاجه الدرامي المرتقب، برغم أن نفس هذه الرؤية هي سبب الفشل.
ومن المقرر بحسب بيان "المتحدة" أن تضم اللجنة "نخبة من الشخصيات البارزة وأصحاب الخبرات في مختلف المجالات، بما يضمن تمثيلا متوازنا لمختلف القطاعات والفئات، وتحقيق رؤية أكثر شمولا للارتقاء بالمحتوي الإعلامي ككل".
وكذلك أعلن رئيس “الهيئة الوطنية للإعلام” أحمد المسلمانى عقد مؤتمر بعنوان "مستقبل الدراما في مصر" في أبريل/نيسان 2025، وذلك بحسب ما نشر موقع "بوابة الأهرام" الحكومي المصري.
وقال المسلماني أيضا: إن عقد المؤتمر يأتي استجابة لرؤية السيسي، التي طرحها في حديثه بحفل إفطار القوات المسلحة، والتي تقضي بضرورة تعزيز القيم في صناعة الدراما والسينما.
"وكذلك ضرورة مواجهة موجات العنف والجريمة وتعاطي المخدرات، وإشعال الصراع المجتمعي، وترويج الابتذال اللفظي، والانحراف السلوكي، وتدمير قيم العائلة"، بحسب موقع "بوابة الأهرام".
أيضا تحرك حزب السلطة الجديد "الجبهة الوطنية"، وشكل لجنة من المؤلف مدحت العدل، ونقيب المهن التمثيلية أشرف زكي، لإعداد دراسة عن وضع الدراما وحلول لتقديمها للمسؤولين، وذلك "حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد على الشاشة مرة أخرى".

علاقة السعودية
ولأن حديث السيسي ضمنا، هو وأبواق إعلامه، ألمحت إلى دور الرياض في سحب البساط من تحت أقدام الدراما المصرية، وأن هذا سبب انهيارها، فقد جندت الرياض عمرو أديب مذيعها المصري الذي تجنس بالجنسية السعودية ليدافع عنها.
إذ يعد أديب صوت الدفاع عن السعودية، ومذيعها البارز الذي يرى نفسه الأغلى في العالم العربي براتب سنوي 2.5 مليون دولار في قناة “أم بي سي مصر”، وفق ما صرح سابقا.
وقد أشار أديب إلى محاولة إلصاق تهمة انهيار الدراما بالسعودية وقنواتها خاصة “إم بى سي مصر”.
وانتقد ضمنا ما قاله السيسي وفسره بتقديره تحميل جهات مصرية إعلامية للقناة مسؤولية "انهيار الدراما".
بل ولوح "أديب"، ربما بتعليمات سعودية، بحجب هيئه الترفيه وموسم الرياض رعايتها لمسلسلات مصرية رمضانية والعديد من إنتاجات شركة المخابرات (المتحدة)، ومقاطعة المملكة للأفلام المصرية، ردا على التحريض بوقف الإعلانات في قناة "إم بي سي".
قال: "أن نتخلص من المشكلة بإلقائها على الغير، هذا لن يصلح شيئا وليس من مصلحة أحد".
ويُعد مسلسل "معاوية بن أبي سفيان" من أكثر الأعمال الدرامية التي أثارت غضب الجماهير المصرية والعربية هذا العام.
فالمسلسل، الذي ألفه الصحفي خالد صلاح المقرب من النظام، رغم عدم امتلاكه أي خبرة سابقة في كتابة الدراما، بلغت تكلفته الإجمالية 100 مليون دولار.
وكان من المقرر عرضه في العام 2024، لكنه تأجل بسبب اعتراض الأزهر على تجسيد الصحابة، ليُعرض في الموسم الحالي وسط جدل واسع، وبعد بدء عرضه، شددت هيئة كبار العلماء بالمؤسسة الدينية على تحريم مشاهدته.
وتزامن هجوم أديب مع آخر شنه موالون للسلطة ضد الدراما السعودية وقناة "إم بي سي مصر" والمطالبة بغلقها ومنعها "لو أرادت مصر تحسين الإنتاج الدرامي".
قالوا إن معظم المسلسلات التي تشوه المصريين من إنتاج سعودي بداية من مسلسل الأسطورة لمحمد رمضان وصولاً لمسلسل سيد الناس لعمرو سعد.
نزيف أموال
وتشكل مسلسلات رمضان وحدها نزيفا كبيرا في موازنة شركة المخابرات (المتحدة) التي تنتج أغلبها.
إذ تكلفت دراما رمضان لعام 2025، قرابة 3.5 مليارات جنيه، بواقع 40 مسلسلا، وفق تقرير لموقع "إنسان للدراسات الإعلامية" 13 مارس 2025.
وكان من بينها 15 مسلسلا حافلا بمظاهر العنف والبلطجة وبكم غير مسبوق من العري والألفاظ الخادشة، بينما تجاهلت دراما رمضان حرب الإبادة في غزة ولم تتعرض للأحداث المرتبطة بـ"طوفان الأقصى".
وقد انتقد مصريون الإنتاج الفني لرمضان الحالي بوصفه الأضخم تكلفة، ولكنهم قالوا إن هدفه إلهاء المصريين عن واقعهم المأزوم ومناقشة قضايا فاسدة مثل الخيانة الزوجية والانحلال والبلطجة في المجتمع وغيرها.
وبمجرد عرض الأعمال الرمضانية هذا العام، تصاعدت موجة واسعة من الانتقادات تجاه العديد من المسلسلات التي روّجت للعري والرذيلة والخيانة الزوجية، الأمر الذي أثار استياءً كبيرًا بين المصريين.
في الأسبوع الأول من ديسمبر/كانون الأول 2024، أثيرت أحاديث كثيرة بين الإعلاميين في مدينة الإنتاج الإعلامي حول أزمات في "الشركة المتحدة" المسؤولة عن توحيد الإعلام المصرية وتسييره بأوامر أجهزة الأمن المخابرات لخدمة نظام السيسي.
تصاعد الحديث عن خسائر الشركة وحجم الإنفاق الباذخ، واختلاسات لأموال الشركة من بعض المسؤولين، وتراجع في نسب مشاهدة فضائياتها، وتقلص توزيع صحفها، وكان هذا سببا في استدعاء خبير الدعاية والإعلان "طارق نور" لقيادة الشركة.
ترددت أنباء أن خسائر الشركة، المسؤولة عن احتكار الإعلام المصري والدراما، بلغت 20 مليار جنيه خلال عام 2024 فقط.
وقبل هذا، وخلال العرض الذي قدمته الشركة عام 2021 وهي تتحدث عن "إنجازاتها"، تبين أن حصيلة المكاسب والخسائر على مدار أربعة أعوام منذ سيطرة شركة المخابرات على الدراما تزيد عن 380 مليون جنيه.
كما أظهرت الأرقام المعلنة تحقيق شركة المخابرات خسائر خلال أعوام 2017 و2018 و2019 و2020.
ولم تحقق مكاسب سوى في شهر رمضان 2021، بلغت 260 مليون جنيه، مقابل خسائر في موسم 2017 بلغت 470 مليون جنيه.