حكومتان وجيشان.. هل يسير السودان بخطى متسارعة على طريق ليبيا؟

إسماعيل يوسف | منذ ١٣ ساعة

12

طباعة

مشاركة

يسير السودان المنهك بالحرب والانقسام منذ أبريل/نيسان 2023، بخطى متسارعة نحو سيناريو شبيه بالنموذج الليبي، حيث تتنازع حكومتان وجيشان على السلطة.

ففي 22 فبراير/شباط 2025، جرى الإعلان عن توقيع ميثاق سياسي يمهّد لتشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ما يعمّق الانقسام ويهدد بمزيد من الفوضى.

ووقعت قوات الدعم السريع وقوى سياسية وحركات مسلحة سودانية، بالعاصمة الكينية نيروبي، الميثاق، وسط احتجاج المجلس السيادي السوداني على استضافة كينيا "مؤامرة تأسيس حكومة" للدعم السريع.

وأظهرت الوثيقة أن الميثاق الموقع بين مليشيات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها يدعو إلى إقامة "دولة علمانية ديمقراطية غير مركزية".

ومن بين الموقعين على الميثاق عبد العزيز الحلو، وهو زعيم متمرد يسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي والقوات في ولاية جنوب كردفان، ويطالب منذ وقت طويل بأن يتبنى السودان النهج العلماني. 

وجاء الإعلان بعد يوم واحد من إعلان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إدخال تعديلات على "الوثيقة الدستورية" تمهيدا لتشكيل حكومة "كفاءات وطنية" في بورتسودان، ما يعني قرب وجود حكومتين.

لكن المفارقة أن فكرة تشكيل "حكومة الدعم السريع" كان يجرى التلويح بها حين كانت هذه المليشيات تسيطر على العاصمة الخرطوم بالكامل، لكنها بدأت في خسارتها شيئا فشيئا.

وهو ما يطرح تساؤلات حول: لماذا الآن؟ وهل هي مجرد خطوة يائسة من قائد مليشيات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، للضغط سياسيا على الجيش بحكومة موازية والبحث عن شرعية؟

أم أنه ينوي بالفعل تقسيم السودان وتكرار تجربة ليبيا المقسمة سياسيا وعسكريا؟ مع ما سيترتب على ذلك من تعقيد حل أزمة البلاد؟

حكومتان متصارعتان

ويعني الميثاق السياسي الجديد أن يصبح هناك دستوران للبلاد، الأول: "الوثيقة الدستورية" التي وُضعت عقب إنهاء حكم الرئيس السابق عمر البشير، والتي سيعدلها الجيش ليلغي كل ما يمت فيها بصلة للدعم السريع.

والثاني: هو "الميثاق السياسي" الذي وضعه حميدتي مع قوى موالية له ويعد مضادا للأول.

ولتوفير أساس شرعي لحكومته الانفصالية، استضافت العاصمة الكينية نيروبي في 21 فبراير 2025 فعاليات مؤتمر لقوات حميدتي وأنصاره، بهدف التوقيع على وثيقة الإعلان الدستوري الجديد، بما يسمح بتشكيل حكومة ومجلس رئاسي وتشريعي بمناطق سيطرة الدعم السريع.

لكن مصادر مطلعة ذكرت لموقع "سودان تربيون" 21 فبراير أن خلافا نشب حول رئاسة مجلس السيادة الموازي بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية (شمال) بقيادة عبد العزيز الحلو، ما أخر التوقيع، ولم يعلنوا عن موعد جديد له.

ويتوقع أن يكون مقر حكومة حميدتي "الموازية" في دارفور أو "كاودا" جنوب كردفان، لا الخرطوم التي يوشك أن يفقد السيطرة عليها.

وذلك بموازاة حكومة البرهان القادمة والتي تعمل من بورتسودان ويتوقع أن تتحول إلى الخرطوم حال إحكامه السيطرة الكاملة عليها.

وحين خرج البرهان لأول مرة من مقر قيادة الجيش في الخرطوم، أغسطس/آب 2023، والذي كانت تحاصره داخله قوات حميدتي، جرى تسريب أنه سيشكل حكومة جديدة في بورتسودان.

وقد حذر حينها سياسيون مؤيدون لحميدتي، البرهان من إعلان حكومة جديدة قائلين إن ذلك سيدفع قوات الدعم السريع إلى تشكيل "سلطة موازية".

وتردد أن مصر ضغطت على البرهان لعدم إعلان حكومة جديدة، غير أن تحقيق الجيش في الشهرين الماضيين، سلسلة انتصارات على الدعم السريع وتحرير أغلب مناطق العاصمة الخرطوم، دفعه لإعادة طرح الفكرة.

ويريد البرهان تشكيل حكومة "كفاءات" جديدة مؤقتة تقود البلاد، فيما جرى تعديل الوثيقة الدستورية في 19 فبراير 2025 لهذا الغرض.

وأعلن وزير الإعلام والثقافة السوداني خالد الإعيسر أن مجلس السيادة ومجلس الوزراء وافقا في اجتماع مشترك على تعديل الوثيقة الدستورية التي تنظم حكم البلاد، في خطوة قد تمهد الطريق لتقاسم السلطة مع الحركات المسلحة والقوى السياسية المتحالفة مع الجيش.

ودفع هذا حميدتي بدوره لإثبات وجوده، عبر وضع وثيقة دستورية مضادة وتشكيل حكومة موازية.

وتؤيد مليشيات الدعم السريع قوى سياسية وحركات مسلحة، أبرزها الحركة الشعبية شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، ومنشقون عن تيار "تقدم" بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.

فيما يدعم الجيش قوى سياسية عديدة أبرزها الأحزاب التقليدية في الخرطوم والحركات الإسلامية وقوى قبلية وعشائرية أخرى.

مخاطر التقسيم

وحذر محللون سودانيون من مخاطر تقسيم السودان رسميا حال أقدمت قوات حميدتي على تشكيل حكومة موازية ووضع ميثاق أو وثيقة دستورية تبرر لهم ذلك، وتسمح بتشكيل مجلس رئاسي وربما برلمان مصغر ينافس برلمانا آخر قد يشكله الجيش.

الكاتبة المتخصصة في شؤون السودان "صباح موسى"، أوضحت لـ "الاستقلال" أن حميدتي يعلم أنه لن تعترف بحكومته أي دولة، مثلما هو الحال مع الحكومة الموازية في شرق ليبيا، لكن هناك مخاطر محلية لو شكل حكومة موازية تزيد من انقسام البلاد.

ورأت أن حميدتي لا يمكنه عمليا إعلان حكومة إلا إذا حقق انتصارات في دارفور على الأقل وسيطر على مدينة الفاشر شمال الإقليم.

وبذلك تكون له السيطرة على كل أقاليم دارفور الخمسة وتكون كل هذه المنطقة هي قاعدة حكومته.

وتسيطر قوات حميدتي على 4 من أصل 5 ولايات في دارفور هي: جنوب دارفور وعاصمتها مدينة نيالا، وغربها وعاصمتها الجنينة، وشرق دارفور وعاصمتها الضعين، ووسطها وعاصمتها زالنجي، فيما يحاول السيطرة على الولاية الشمالية وعاصمتها الفاشر.

وتعتقد "موسى" أن البرهان لا ينظر لتشكيل حكومة جديدة كأولوية بقدر ما يسعى لطرد قوات حميدتي من المناطق التي تسيطر عليها.

وبينت أن تشكيل حكومة كفاءات مؤقتة مجرد وسيلة للبرهان لا غاية (لفرض الاستقرار في البلاد).

ويقول الكاتب المحلل السياسي السوداني "وائل محجوب" إن ما جرى بالعاصمة الكينية نيروبي من جانب قيادات سياسية وعسكرية داعمة لمشروع حكومة حميدتي الموازية، "هو تدشين فعلي للتقسيم والتفكيك المناطقي والجهوي للبلاد".

وأبدى تخوفه من أن يصطحب هذا التقسيم توسيع لنطاق الحرب، وتعقيد لمجرياتها داخليا وخارجيا، وتوسعها جغرافيا، وامتداد آثارها لمختلف القوى السياسية والكيانات المدنية، بحسب مقال نشره في موقع "التغيير" السوداني 21 فبراير 2025.

وأوضح أن انضمام رئيس "الحركة الشعبية شمال"، وقائد الجيش الشعبي عبد العزيز الحلو، وقيادات الجبهة الثورية، لموقف الدعم السريع، "يحمل إشارات بتطور العمل العسكري، ولا يمكن احتسابها لمصلحة السلام".

وتوقع أن يتبع ذلك تكثيف حميدتي وأنصاره محاولات السيطرة على الفاشر (شمال دارفور)، كي يضع يده على كامل ولايات دارفور الخمسة.

كما توقع أن تحاول قوات الحركة الشعبية، المتحالفة معه، التمدد وبسط سيطرتها على كادوقلي والدلنج، لتحكم السيطرة على كامل ولاية جنوب كردفان، لأنه بدون ذلك لن يكون للولاية بعدها السياسي والعسكري الإستراتيجي.

وأوضح أن انضمام "الحلو"، وما يتردد عن انضمام عبد الواحد محمد نور (رئيس حركة جيش تحرير السودان) لحميدتي (بعد أن كان يقاتل ضده) يضفي على تحالفه ثقلا سياسيا، ويعزز من قدراته العسكرية، ويضيف مناطق واسعة لحيز سلطته المتوقعة.

ولفت إلى أنه “من المؤكد أن هؤلاء القادة لن يقفوا عند حدود المناطق الحالية التي يسيطرون عليها”.

إمكانيات النجاح

بالتزامن مع انتصارات الجيش، أعلن البرهان في 9 فبراير 2025، ما أسماه "خريطة طريق" لرسم معالم استقرار السودان مستقبلا، تضمنت إطلاق حوار وطني شامل ومشاورات موسعة مع القوى السياسية المجتمعية كافة.

وشملت: تشكيل "حكومة من الكفاءات الوطنية المستقلة" لاستئناف مهام الفترة الانتقالية، و"إعانة الدولة على تجاوز تبعات الحرب"، والمتمثلة في "تطهير كل السودان من المتمردين".

إضافة إلى: إجراء التعديلات اللازمة في الوثيقة الدستورية، وإجازتها من القوى الوطنية والمجتمعية، ومن ثم اختيار رئيس وزراء مدني، وفق البرهان.

وقد أرجع البرهان تعديل الوثيقة الدستورية "لكي تكون مختلفة عما كانت عليه مع الشركاء السابقين الذين أصبحوا أعداء اليوم".

وذلك في إشارة لقوى التغيير وتقدم اليسارية والليبرالية التي شاركته مع حميدتي الحكم عقب الانقلاب على البشير.

لكن قوى سودانية بدأت تتساءل عن قدرة هذه الخطة على استئناف العملية السياسية وتذليل العقبات أمام وقف الحرب المستمرة منذ 15 أبريل 2023، والوصول بالبلاد إلى مرحلة انتقالية، تتوج بإجراء تعديلات دستورية وانتخابات عامة.

وهاجمت القوى التي وصفها قائد الجيش بـ “الأعداء”، خاصة تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية "تقدم"، الخطة وقالت: إن هدفها طمع البرهان في الحكم وسعيه للسلطة وأن يصبح رئيسا للسودان.

انقلاب على الإسلاميين

ومع أن التشكيلات العسكرية الإسلامية ومليشيا قبلية أخرى قريبة من الإسلاميين كانت سببا في انتصارات الجيش على قوات حميدتي ولعب "التيار الإسلامي" دورا مهما في النصر، فقد أطلق البرهان تصريحات معادية لهم.

فبدلا من أن يعترف بدورهم ويفتح الباب أمام حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقا، خلق البرهان بهذه التصريحات مزيدا من القلق حول احتمالات المواجهة بينه وبين الإسلاميين.

فقد استثنى الإسلاميين والمؤتمر الوطني، وهو يخاطب ممثلي أحزاب سياسية اجتمعت في مدينة بورتسودان لإعداد خريطة الطريق للحوار السوداني.

وقال البرهان: إنه "لا يمكن لهم العودة مجددا إلى الحكم"، برغم أن دعوته للمشاركة شملت الجميع. 

وبين أن حزب المؤتمر: “إذا أراد أن يحكم، فعليه المنافسة في المستقبل مع بقية القوى السياسية في السودان”.

وسارع "المؤتمر الوطني"، الذي جرى حله منذ عام 2019 لإصدار بيان استغرب فيه اتهام البرهان له بالرغبة في الحكم على أشلاء السودانيين.

ومنذ تولي البرهان السلطة في السودان منفردا أو بشراكة مع آخرين، تأرجحت علاقته بـ "المؤتمر الوطني" والإسلاميين عامة.

فمع بدء فترة البرهان في الحكم، ألقى القبض على عدد من رموز النظام السابق وقدم بعضهم لمحاكمات بمن فيهم عمر البشير.

ولاحقهم بالطرد من مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات الأمنية والعسكرية، ووافق على خطط شركائه اليساريين في الحكم بشأن لجنة "إزالة التمكين"، التي هدفت إلى تفكيك نظام البشير بفصل العديد من الإسلاميين من مناصبهم.

ومع هذا سانده الإسلاميون بعد انقلابه في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، على شركائه اليساريين فأطلق بعد الانقلاب سراح بعضهم، وأعيدت ممتلكات عدد من قيادات "المؤتمر الوطني" التي صودرت منهم.

لكنه ظل يتعامل مع التيار الإسلامي بتحفظ صعودا وهبوطا ربما خشية أن يجرى التخلص منه مستقبلا بسبب قوة الأخير ودعمه للجيش.

أو تحسبا من رفض أنظمة عربية وأجنبية عودة الإسلاميين إلى السلطة مرة أخرى.

وعقب اندلاع الحرب عام 2023، لم يتردد الإسلاميون وحزب البشير في إعلان دعمهم المطلق للجيش، واستنفروا قواعدهم المدربة للقتال إلى جانبه.

كما ظهرت "كتيبة البراء" المحسوبة على الإسلاميين ولعبت دورا كبيرا في انتصارات الجيش.

وقال "المؤتمر الوطني" في بيانه: إنه اختار المعارضة السلمية ونبذ العنف حتى لا ينجر السودان نحو الفوضى.

وبعد الحرب، اختار الحزب الوقوف إلى جانب الجيش الوطني، والتصدي لمخطط ابتلاع الدولة السودانية.

وأشاد الحزب بمواقف البرهان في الحرب، لكنه انتقد مهاجمته المؤتمر الوطني "في كل سانحة تسنح له تقربا وتزلفا لقوى متهالكة هشة لا تملك في جعبتها سوى صكوك الولاء لقوى الشر التي تحارب الوطن، ولن يجد منها سوى الغدر والخيانة". 

وحذر من "الخلاف والشقاق والبحث عن المكاسب السياسية"، مضيفا: "لن يصادر إرادتنا أحد، فنحن حزب ضاربة جذوره في المجتمع السوداني وطالما أن كلكم تتحدثون عن فترة انتقالية تنتهي بانتخابات، فمرحبا بصناديق الاقتراع، وحينها لكل حادث حديث".

ولا يستبعد محللون سودانيون أن يضطر البرهان للتعاون مع "المؤتمر الوطني" في نهاية المطاف بسبب فرص فوزه الكبيرة في أي انتخابات حرة.

كما أن لديه العديد من نقاط القوة، بعد استعادة الكثير من زخمه الشعبي الذي فقده بعد الثورة، فضلا عن تغلغله في كل مؤسسات الدولة.