الكوارث الطبيعية في المغرب وليبيا.. هل تتحول إلى فرصة للمصالحة إقليميا؟

الكوارث الطبيعية التي ضربت كلا من المغرب وليبيا، مع بداية الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول 2023، تحدث في خضم "ديناميكيات داخلية معقدة" وسط توقعات أن يكون لها "تداعيات سياسية وإقليمية مهمة".
وفي المغرب، ارتفعت الحصيلة الرسمية للزلزال المدمر الذي ضرب عدة مناطق ليل الجمعة 8 سبتمبر إلى أكثر من 2900 قتيل و5500 جريح، وفق أحدث بيانات لوزارة الداخلية في 12 سبتمبر، وهي حصيلة مرشحة للارتفاع.
بالتزامن، اجتاح ليبيا إعصار "دانيال" شبه المداري مدمرا سدين يعود تاريخهما إلى السبعينيات، وتسبب في مقتل أكثر من 6 آلاف ضحية في مدينة درنة، أكثر المناطق تضررا فيما لايزال حوالي 10 آلاف شخصا في عداد المفقودين.
كارثة جديدة
وعلق "معهد الدراسات السياسية الدولية" الإيطالي بأن ما حدث في ليبيا "كارثة جديدة تضرب حوض البحر الأبيض المتوسط في الأشهر الأخيرة، وربما تكون أسوأ كارثة بالنسبة للبلد وواحدة من أخطر الكوارث بالنسبة لشمال إفريقيا".
من جانبه، أفاد وزير الصحة في حكومة الاستقرار غير المعترف بها دوليا، عثمان عبد الجليل، بأن الحصيلة قد تتفاقم مع مرور الساعات، خاصة أن عدد المفقودين قد يصل إلى أكثر من 100 ألف.
من جهتها، أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أنها تتابع حالة الطوارئ عن كثب.
وقالت في بيان "نعرب عن تعازينا القلبية لأسر الذين فقدوا حياتهم، كما نعرب عن تعاطفنا الصادق مع جميع المتضررين"، مؤكدة "دعم السلطات المحلية في الاستجابة لحالة الطوارئ".
وأشار المعهد الإيطالي إلى أن "عملية الإنقاذ والبحث عن الناجين تتواصل في المغرب، فيما تبدو عمليات المساعدة معقدة، لا سيما في المدن والبلدات الأكثر تضررا من جراء زلزال 8 سبتمبر، خاصة في منطقة الحوز الريفية وعلى طول سلسلة جبال الأطلس".
ورغم حجم الأضرار، لم تقبل الرباط حاليا سوى مساعدات من أربع دول، هي الإمارات وقطر والمملكة المتحدة وإسبانيا، وفق إعلان لوزارة الداخلية.
وجاء في بيان للوزارة أن "السلطات أجرت تقييما دقيقا للاحتياجات، آخذة في الحسبان أن عدم التنسيق في مثل هذه الحالات سيؤدي إلى نتائج عكسية".
فرص للمصالحة
ولفت المعهد إلى أن "الكارثة الطبيعية في المغرب تضاف إلى جملة من المسائل الجيوسياسية الإقليمية الرئيسة".
وأشار في هذا السياق إلى "رفض عرض المساعدة المقدم من فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي توترت العلاقات معها في السنوات الأخيرة".
وأنهى المغرب منذ أشهر مهام سفيره لدى باريس، واضطر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تأجيل زيارة كان من المقرر أن يقوم بها إلى الرباط الشتاء الماضي، دون أن يتم إعادة تحديد موعد جديد لها.
وذكر المعهد أن "قضية برنامج التجسس بيغاسوس، الذي تستخدمه المخابرات المغربية للاستماع إلى سلسلة من السياسيين الفرنسيين، أدت قبل عامين إلى تفاقم الخلافات بين البلدين خاصة في مسألة النزاع حول (إقليم) الصحراء الغربية".
وشرح بأن "باريس تواصل رفض الاعتراف بسيادة المغرب على الإقليم لتجنب خلافات مع الجزائر وذلك على عكس موقف إسبانيا".
ورجح المعهد الإيطالي إمكانية أن يتحول الزلزال في المغرب والإعصار في ليبيا "بشكل غير متوقع إلى فرص للمصالحة على المستوى الإقليمي".
وفي هذا الصدد، نوه بتعريف حكومة الجزائر للمغرب بأنه "دولة شقيقة" وإعادة فتح مجالها الجوي الذي كان مغلقا لمدة عامين للسماح بمرور المساعدات الإنسانية.
كما أعربت وزارة الخارجية المغربية عن "تضامنها الكامل مع ليبيا الشقيقة" إثر العاصفة والفيضانات التي ضربت الجزء الشرقي من البلاد.
ديناميكيات معقدة
وبحسب المعهد، تدخل كارثة إعصار دانيال "في إطار ديناميكيات سياسية معقدة داخل ليبيا".
وذكر تخصيص حكومة الوحدة الوطنية الليبية، التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، ملياري دينار (446.4 مليون دولار) لإعادة إعمار مدينتي بنغازي ودرنة الأكثر تضررا من الكارثة وإعمار البلديات المنكوبة وتأهيل المناطق التي دمرتها السيول والأمطار شرق البلاد.
وأكد أن "هذه الخطوة جديرة بالملاحظة، لا سيما أن المناطق المتضررة تقع تحت سيطرة الحكومة الموازية المتمركزة في إقليم برقة الذي تسيطر عليه فعليا قوات الجنرال (الانقلابي) خليفة حفتر".
وأردف معهد الدراسات الإيطالي بأن "الكوارث الطبيعية التي ضربت طرفي المغرب العربي، مخلفة وراءها آلاف الضحايا والدمار الذي لم يسبق له مثيل من حيث الحجم والشدة، قد تكون لها أيضا تداعيات على المستوى السياسي".
في المغرب، يرجح أن يواجه "النظام الملكي والحكومة التداعيات المحتملة على قطاع السياحة وتكاليف إعادة الإعمار، وتأثير التأخير وعدم الكفاءة في جهود المساعدة على الرأي العام، فضلا عن فقدان البنية التحتية الرئيسة مثل الطرق والمدارس".
وأضاف أن "المخاطر الناجمة عن مزيج من الهشاشة والفقر المتزايدين، وعدم اليقين الاقتصادي، بالإضافة إلى عدم وجود استجابات من جانب السلطات، قد يكون لها تداعيات سياسية واجتماعية مهمة".
وفي ليبيا، انتقد المعهد ما أبرزته الفيضانات والدمار الذي أصاب درنة من "نقاط الضعف واختلالات التي تعود جذورها إلى ما يقرب من 10 سنوات من الانقسامات ومراكز القوى المتنافسة والإهمال والفساد المستشري".
لذلك يتوقع "اندلاع اضطرابات واحتجاجات ضد السلطات في الشرق المتهمة بتغليب مصالحها الخاصة على سلامة السكان".