"تهديد أمني".. لماذا يرفض التركمان والعرب عودة حزب بارزاني إلى كركوك؟

يوسف العلي | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

على وقع قرار من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، يقضي بإعادة افتتاح مقرات "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني في كركوك، شهدت المدينة احتجاجات شعبية واسعة يقودها المكونان العربي والتركماني رفضا لهذه الخطوة، التي عدها البعض بداية لاندلاع "حرب أهلية".

الاحتجاجات التي تفجرت في 25 أغسطس/ آب 2023، قُطع خلالها الطريق الرابط بين كركوك وإقليم كردستان العراق، الأمر الذي رفضه أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني بمظاهرات أخرى منددة في 2 سبتمبر/أيلول 2023، حصل فيها صدام بين الطرفين أدى إلى سقوط قتيل و5 جرحى.

من جهتها، أعلنت الشرطة العراقية فرض حظر تجوال في مدينة كركوك شمالي البلاد، فيما دعا بيان صادر عن شرطة المدينة، سكان المحافظة للعودة إلى منازلهم بسبب الاحتجاجات.

على ضوء هذه التطورات، وجه السوداني بالتريث في إخلاء مقر العمليات المتقدم في كركوك (تابع للجيش) وتسليمه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، فيما أعلن محافظ المدينة راكان الجبوري أن الأخير أمر أيضا بالحديث مع المتظاهرين الذين قرروا إنهاء اعتصامهم وفتح الطريق، وفقا لوكالة الأنباء العراقية في 3 سبتمبر 2023.

عرقلة متعمدة

قرار رئيس الوزراء الصادر في 24 أغسطس، لإعادة مقار الحزب الديمقراطي الكردستاني في كركوك، والتي تقدر بنحو 33، جاء كجزء من اتفاق ائتلاف "إدارة الدولة" الذي بموجبه تشكلت حكومة السوداني، حسبما ذكرت وكالة "شفق نيوز" العراقية.

وتأسس ائتلاف "إدارة الدولة" الذي تبنى تشكيل الحكومة في 25 سبتمبر 2022، ويمثل الأغلبية التشريعية كونه مشكلا من "الإطار التنسيقي" الشيعي، والحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الكرديين، وتحالفي السيادة وعزم السنيين، وحركة بابليون المسيحية.

ونقلت الوكالة العراقية عن النائب "الديمقراطي الكردستاني" في البرلمان، جياي تيمور، إن "الحزب اتفق مع الحكومة الاتحادية على استعادة مقراته السابقة في كركوك، لكن هناك جماعات تعود لقوى سياسية وبعضها عسكرية تمنع وجود الحزب سياسيا مرة ثانية في المحافظة".

وشدد تيمور على أن "عرقلة عودة مقرات الديمقراطي الكردستاني إلى داخل كركوك يضر بالعملية السياسية وبالاتفاقات المبرمة بين حكومتي الإقليم والاتحادية من جهة، وبين الحزب وائتلاف إدارة الدولة من جهة أخرى".

ويطالب النائب عن الحزب الديمقراطي، "الحكومة الاتحادية بتنفيذ القانون، وإزاحة الذين يقطعون الطرق ويتظاهرون، واسترداد مقرات الحزب في كركوك، وكذلك في محافظة نينوى التي تسيطر عليها جماعات وتنظيمات سياسية (لم يكشف عنها)".

وترك الحزب الديمقراطي وقوات البيشمركة الكردية، جميع مقراتهم في كركوك، على خلفية "استفتاء تقرير المصير" الذي أجراه رئيس الإقليم في وقتها، مسعود بارزاني، عام 2017، وتسبب في أزمة سياسية مع الحكومة في بغداد، دفعت القوات المركزية إلى فرض سيطرتها على المدينة.

وكانت قوات البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان العراق، قد انتشرت في قواعد أخلاها الجيش بمحافظة كركوك عقب ظهور "تنظيم الدولة" في 2014، وتولت سلطة الأمن في المدينة طوال 3 سنوات.

وبعد دخول القوات العراقية إلى كركوك عام 2017، أخلى الجيش مبنى الحزب الديمقراطي الكردستاني وحوله إلى مقر قيادة العمليات الأمنية المشتركة في المحافظة.

وفي مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، برزت مشكلة المناطق المتنازع عليها بين إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد، والتي تشكل أهم محاور الخلاف بين الطرفين.

وتشمل المناطق المتنازع عليها أراضي بمحافظات في شرق وشمال العراق، وهي: نينوى، أربيل، صلاح الدين، ديالى، وكركوك، التي تعد أبرز ما تتنازع عليها بغداد وأربيل.

ويقدر عدد الأكراد في المناطق المتنازع عليها نحو 1.2 مليون، إذ تبلغ مساحتها 37 ألف كلم مربع، ومن بينها شريط طوله ألف كلم يمتد من الحدود مع سوريا حتى الحدود الإيرانية، حيث يقع هذا الشريط جنوب محافظات الإقليم الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك.

رفض للعودة

ويرى معظم التركمان والعرب في المدينة أن محاولة الحزب الديمقراطي الكردستاني فصل كركوك عن الحكومة المركزية عبر ما يسمى "استفتاء الاستقلال" عام 2017 "خيانة"، لذلك يعدون عودة الحزب إلى المدينة مجددا "تهديدا أمنيا".

وأعرب رئيس الجبهة التركمانية العراقية، حسن توران، عن رفض تسليم الحكومة العراقية مبنى قيادة العمليات المشتركة بمحافظة كركوك إلى أي حزب سياسي، حسبما نقلت عنه وكالة "الأناضول" التركية الرسمية في 2 سبتمبر 2023.

وأوضح توران، أن مبنى قيادة العمليات المشتركة "يعد رمزا للاستقرار والأمن والهدوء" في كركوك.

وأضاف: "مبنى القيادة في كركوك تابع لوزارة النفط، ولا نريد لأي حزب أن يستخدمه لنشاطه السياسي".

وأكد توران أن جميع الأحزاب القانونية في العراق لها حق ممارسة عملها السياسي بأنحاء البلاد، ولدى جميع الأحزاب بما فيها "الديمقراطي الكردستاني" الحق في شراء أو استئجار مبنى في أي بقعة بكركوك.

وشدد رئيس الجبهة التركمانية على أن "التركمان لن يقبلوا استخدام هذا المبنى الرمزي لأغراض سياسية".

ولفت إلى أن "الإدارة المحلية في كركوك أنفقت نحو مليار دينار عراقي (نحو 760 ألف دولار) على إعادة إعمار هذه المبنى لوضعه تحت خدمة قيادة العمليات المشتركة".

وأكد توران أنه على تواصل مع رئيس الوزراء منذ اليوم الأول للاحتجاجات أمام مبنى قيادة العمليات المشتركة، وأنه قدم للسوداني عددا من المقترحات لحل الأزمة.

من جهتها، حذرت البرلمانية، ساهرة عبد الله الجبوري، من مخاطر وتداعيات عودة الأحزاب الكردية إلى محافظة كركوك، مؤكدة رفض المكون العربي "عودة العبث" الذي كان قبل عملية فرض القانون في أكتوبر/ تشرين الأول 2017 جراء وجود هذه الأحزاب.

واتهمت الجبوري، في بيان نشرته في 28 أغسطس، الديمقراطي الكردستاني بقتل وتعذيب المواطنين من المكون العربي إبان سيطرته على المقر المتقدم لقيادة العمليات في كركوك.

ونشرت الجبوري صورا لجثث قالت إنها "كانت داخل قنوات الصرف الصحي في مقر عمليات كركوك، وتعود لمواطنين من المكون العربي، عذبوا وقتلوا على يد أفراد الحزب الديمقراطي الكردستاني إبان سيطرته على هذا الموقع".

وشددت على أنه "لن نسمح بالرجوع إلى المربع الشنيع، حيث القتل والخطف والتغييب والتهديد والترحيل قسرا والتمييز بين المكونات والتجاوز على حقوق ومكتسبات المكونات".

وتابعت الجبوري: "هذه الجثث التي عانت ما عانت من التعذيب وانتهاك حرمة الإنسان والكل يعلم ماذا حصل قبل 17 أكتوبر 2017، لن نسمح بالرجوع إلى المربع الشنيع، حيث القتل والخطف والتغييب والتهديد والترحيل قسرا والتمييز بين المكونات والتجاوز على حقوق ومكتسبات المكونات".

أبعاد مختلفة

وبخصوص الأسباب الحقيقية وراء الرفض التركماني والعربي لعودة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى كركوك، قال الباحث في الشأن العراقي، علي المساري، إن "الصراع القومي حاضر في القضية، لأن الأكراد عندما سيطروا على المدينة، تعاملوا بعنصرية مع هذين المكونين".

وأوضح المساري لـ"الاستقلال" أن "توقيت الاحتقان الحاصل قبيل انتخابات مجالس المحافظات (المحلية) المقرر إجراؤها في 18 ديسمبر 2023، يشير إلى وجود استثمار انتخابي أيضا من المكونات الموجودة في كركوك، لأن إبعاد الديمقراطي الكردستاني حاليا، هو التخلص من منافس مهم".

من جهته، قال المحلل السياسي، ظافر الشمري، خلال تغريدة على منصة "إكس" (تويتر سابقا) في 30 أغسطس، إن "حكومة إقليم كردستان وافقت على نشر قوات عراقية اتحادية على طول حدود الإقليم مع إيران مقابل تسليم كركوك لقوات الإقليم".

وأشار الشمري إلى أن "عملية نشر القوات العراقية تأتي بعد أن هددت إيران قبل أيام باجتياح عسكري لمناطق من الإقليم تنطلق منها المعارضة الإيرانية الكردية لتنفيذ عمليات (إرهابية) داخل إيران".

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، قد أعلن أن  "إيران والعراق توصلا إلى اتفاق يلتزم بموجبه العراق بنزع سلاح المسلحين الانفصاليين والجماعات الإرهابية الموجودة على أراضيه، وإغلاق قواعدها، ونقلها إلى أماكن أخرى قبل 19 سبتمبر 2023".

وفي الوقت الذي لم يكشف فيه كنعاني خلال إفادته الصحفية الأسبوعية في 28 أغسطس، عن أماكن نقل هذه الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، فإنه أكد "إذا لم ينفذ الاتفاق في موعده، فسنقوم بمسؤولياتنا تجاه الجماعات الإرهابية في كردستان العراق".

وعلى الصعيد ذاته، قال المتحدث باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي، خلال مؤتمر صحفي له في 29 أغسطس، إن "العراق وقع اتفاقا مع إيران ينص على منع تسلل المسلحين وتسليم المطلوبين ونزع السلاح وإزالة المعسكرات وقد نفذ التزامه".

ولفت العوادي إلى أن "أهم مبادئ السياسة الخارجية ألا يكون العراق طرفا في الإضرار بجيرانه، كما أن السيادة العراقية تقتضي تفاهمات أمنية لحماية حدوده من أي اعتداء".

ويحتضن إقليم كردستان العراق منذ أكثر من أربعة عقود أحزاب كردية إيرانية معارضة، منها، كادحي كردستان، ومنظمة خبات الثورية، والحياة الحرة (البيجاك)، ومنظمة النضال الكردستاني، وحزب سربستي، لكن الأبرز هما، الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني "حدك"، وحزب عصبة الكادحين الثوريين الإيراني "كومله".