"حزب الله" يسمي مرشحه للرئاسة والسعودية ترفض.. إلى أين يتجه لبنان؟

في خطوة من شأنها أن تحرّك المياه الراكدة في ملف انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، أعلن أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، عن دعم ترشيح رئيس "تيار المردة"، الوزير الأسبق، سليمان فرنجية (ماروني، يمين الوسط) في الانتخابات الرئاسية.
وحرص نصر الله في إعلانه خلال خطاب تلفزيوني في 6 مارس/ آذار 2023، على تبيان أن فرنجية "ليس مرشح حزب الله وإنما الحزب داعم لترشيحه"، وذلك لتلافي الإحراج أمام الدول الخليجية والعربية التي "لن توافق" على مرشح حزب الله للرئاسة.
وأيضا لتلافي إحراجه أمام الأحزاب المسيحية الكبرى خاصة حليف حزب الله "التيار الوطني الحر"، الذي دعم حزب الله عام 2016 رئيسه آنذاك، ميشال عون، للوصول إلى الرئاسة.
وفي الوقت الحالي، تعاني العلاقة بين الطرفين من مد وجزر قد يصل إلى حد الطلاق، بسبب تأييد نصر الله لفرنجية، وعدم دعمه صهر عون والرئيس الحالي للتيار الوطني الحر، جبران باسيل.
كشف الأوراق
ومن شأن هذا الإعلان أن يسرّع مسار المفاوضات داخل وخارج لبنان بين القوى السياسية المختلفة، حيث بات المشهد وفقا للصورة التالية، مرشح لمحور "المقاومة والممانعة"، سليمان فرنجية، ومرشح للمعارضة القريبة من الدول العربية هو النائب ميشال معوض.
ويأتي كلام نصر الله، بعد أيام قليلة من موقف مشابه لرئيس البرلمان نبيه بري، زعيم "حركة أمل" شريكة حزب الله فيما يعرف بـ"الثنائي الشيعي"، دعم عبره في حديث لصحيفة لبنانية ترشيح فرنجية.
يشار إلى أن البرلمان اللبناني فشل على مدى 11 جلسة في انتخاب رئيس جديد للبلاد، وسط انقسام سياسي حاد حال دون التوافق على اسم تؤيده أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان.
والدستور اللبناني يفرض انتخاب رئيس الجمهورية بأكثرية الثلثين في الدورة الأولى، وأكثرية النصف زائد واحد في الدورات التالية.
وكان الحليف القوي والوثيق لحزب الله، رئيس البرلمان لسبع دورات متتالية، بري، (كتلته 15 نائبا)، كشف قبلها بأيام في 2 مارس 2023 خلال حديث مع صحيفة "الأخبار" اللبنانية أن مرشحه وحزب الله لرئاسة الجمهورية هو الوزير والنائب الأسبق، فرنجية.
فعندما قال له ناصيف بأن الثنائي الشيعي وحلفاءه لا مرشح معلناً لهم بعد، أجاب قائلا: "مرشحنا معروف وهو سليمان فرنجية".
أما عن دوافع التأخير في إعلان فرنجية ترشيحه فيعزوها بري إلى "المحاولات المبذولة لتوفير أوسع تأييد له".
وانتظار الوقت الهدف منه حسب بري "اقتناع تكتل (لبنان القوي) المسيحي (18 نائبا) ورئيسه جبران باسيل بالانضمام إلى تأييد فرنجية".
ويختصر بري الاستحقاق الرئاسي بأنه يدور حول مرشحين اثنين فقط جديين، هما فرنجية، وقائد الجيش، جوزيف عون، "كلاهما مرشحان من فوق الطاولة ومن تحت الطاولة، ولا مرشحون جديون سواهما".
ويذكر بأن انتخاب قائد الجيش يحتاج إلى تعديل دستوري "وهو ما يتعذر في ظل حكومة مستقيلة".
والدستور اللبناني يمنع ترشح موظفي الدولة لرئاسة الجمهورية، إلا بعد مرور سنتين على تقديم استقالتهم، وقائد الجيش، جوزيف عون، لا زال في خدمته الفعلية.
ويقطع بالنفي إمكانية تكرار ما حصل عام 2008 حينما انتخب قائد الجيش حينذاك العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية دون تعديل دستوري، إنما باجتهاد من خبير دستوري وافق عليه بري، استغل مادة دستورية تشير إلى "سقوط المهل" عند حصول فراغ رئاسي.
وفي هذا الصدد، قال بري في حواره مع "الأخبار" إن "ما حدث عام 2008 كان استثناء له دوافعه وظروفه الموجبة".
وسليمان فرنجية، سليل عائلة سياسية معروفة، ينحدر من مدينة زغرتا شمال لبنان، جده الذي يحمل اسمه كان الرئيس الخامس للجمهورية بين 1970 و1976 وفي عهده اندلعت الحرب الأهلية واستمرت 15 عاما.
والده طوني وزير سابق ورئيس ومؤسس مليشيا تحمل اسم "المردة" في الحرب الأهلية، قتل مع زوجته وابنته عام 1978 على يد مليشيات "القوات اللبنانية المسيحية" في مجزرة عرفت بـ"إهدن"، وكان سليمان فرنجية الناجي الوحيد لأنه كان في المدرسة وقتها.
تولى العديد من المناصب الوزارية وانتخب نائبا لأربع دورات انتخابية، وكان قاب قوسين أو أدنى من انتخابه رئيسا للجمهورية عام 2015 بعد إبرامه اتفاقا مع الزعيم السني آنذاك سعد الحريري، رئيس أكبر تكتل برلماني حينها (34 نائبا من 128).
لكنه رضخ لإصرار "حزب الله" على انتخاب ميشال عون وامتنع عن تأمين النصاب الدستوري لانتخابه.
يرتبط سليمان فرنجية وعائلته بعلاقة صداقة وطيدة مع عائلة "الأسد" التي تحكم سوريا منذ عشرات السنين.
وكان جده سليمان صديقا مقربا من الراحل حافظ الأسد، وامتدت هذه الصداقة لتطال الأولاد والأحفاد وتزداد قوة مع مرور الزمن، وتبلورت بأن أطلق سليمان فرنجية الإبن اسم باسل على نجله الأصغر تيمنا بباسل حافظ الأسد الذي قضى في حادث سير في منتصف التسيعينيات.
وجده كان صديقا مقربا لحافظ، وهو كان صديقا لباسل الأسد وأطلق اسمه على نجله الثاني، وأيضا صديق شخصي لرئيس النظام الحالي، بشار.
معركة المعارضة
كل ذلك جعل ترشيح فرنجية يلقى رفضا من قبل بعض قوى المعارضة، والتي تحاول الاتفاق على التغيب عن أي جلسة برلمانية تفضي إلى انتخاب فرنجية.
وهذا ما يقتضي تغيب ثلث أعضاء البرلمان أي 42 نائبا.
وصرح رئيس حزب الكتائب المسيحي اليميني، سامي الجميل، في 7 مارس/ آذار 2023 "نؤكد أننا سنقوم بكل ما في وسعنا لمنع وصول أي رئيس يتبنى نهج الممانعة الذي يدمر ما تبقى من مقومات البلد".
ودعا الجميل (كتلته 4 نواب) فرقاء المعارضة إلى "مزيد من التنسيق لخلق توازن مع من يسعى لترك البلد في الحالة الراهنة".
كذلك، حذّر سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية (مسيحي يميني)، الذي يمتلك التكتل البرلماني الأكبر (19 نائبا)، من دخول لبنان في عزلة.
وفي حوار مع صحيفة "الشرق الأوسط" مطلع مارس 2023، قال جعجع: "إذا استطاعوا (حزب الله وحلفاؤه) أن يجمعوا 65 صوتا لمرشحهم، عندها سندخل في عزلة عربية أعمق، والغرب سيشطب لبنان من قائمة أولوياته، وإدارة البلد في الداخل ستكون كما شهدناها سابقا في السنوات الست الماضية".
وأكد أن ذلك "يدفعنا لعدم السكوت وعدم الذهاب إلى جلسة الانتخاب، وبالتالي سنقاطع الانتخابات".
من جهتها، قالت الصحفية، بولا أسطيح، عبر صحيفة "الشرق الأوسط"، في 8 مارس 2023 أنه "بالإضافة إلى الكتائب والقوات حسم عدد من نواب التغيير والمستقلين أمرهم لجهة مقاطعة أي جلسة يعتقدون أنها ستؤدي لانتخاب فرنجية رئيسا".
واستدركت: "في حين يرفض نواب آخرون من فريق المعارضة، وأبرزهم نواب الحزب التقدمي الاشتراكي (درزي يساري) هذه الخطوة".
فيما شدد النائب التغييري، ميشال الدويهي، في حديث لـ"الشرق الأوسط" في 8 مارس 2023 أن "انتخاب رئيس محسوب على الممانعة سيعني المزيد من الانهيارات، بحكم الجو العربي كما الإقليمي والدولي، لذلك قررت مقاطعة أي جلسة تؤدي لانتخاب أي مرشح للثنائي الشيعي".
بعكس زميله في قوى التغيير، النائب وضاح الصادق، الذي عد أن ترشيح فرنجية من قبل الثنائي الشيعي هو "بداية العمل الجاد لانتخاب رئيس، بعدما أصبح هناك توازن سياسي وترشيحي، ما يجعل الحل أقرب مما نتصور".
وفي الاتجاه عينه، سار عضو تكتل الاعتدال المستقل النائب سجيع عطية الذي أعرب في حديث إذاعي في 7 مارس 2023، عن تفاؤله بأن "المعركة الرئاسية بدأت بشكل جدي، بعدما تم اقتراح اسم بدلا عن الورقة البيضاء".
وشدد عطية على أن "تطيير النصاب (أي التمنع عن حضور الجلسة، أو الانسحاب منها عند بدء عملية الانتخاب) هو خيانة للوكالة التي كلفنا بها الناس".
في حين رأى الكاتب والمحلل السياسي، مهند الحاج علي، أن فرنجية "ليس مرشح حزب الله فقط، إنما مرشح منظومة ما بعد الحرب الأهلية بكل أجزائها، بدءا طبعا من النظام السوري ورأسه صديق طفولته الأسد، مرورا بالقطبين بري ووليد جنبلاط، وانتهاء بالقطاع المصرفي الذي بني على أساسه الاقتصاد اللبناني".
ولفت الحاج علي، في حديث لـ"الاستقلال" إلى "وجود رجال أعمال كبار في الاغتراب والداخل اللبناني ممن امتهنوا الصفقات يرون في فرنجية رئيسا مقبلا، ويشكلون خلية نحل تعمل في عواصم غربية وعربية على التخفيف من الاعتراض على اسمه، وذلك لضمان استمرار اقتصاد المتعهدين ضمن نظام تقاسم الحصص المتعارف عليه لبنانيا".
وتابع: "مثل فرنجية لو وصل إلى بعبدا (مقر الرئاسة) سيأتي مكبلا بشروط ورغبات تتراوح بين تطبيع مؤذٍ ومكلف مع الأسد، وبين قافلة طويلة من رجال الأعمال في حملته الانتخابية ممن ينتظرون عائدات على استثمارهم في هذا الخيار".
وخلص الحاج علي إلى أن عهد فرنجية "سيكون ثقيلا قبل أن يبدأ".
فيتو سعودي
في المقابل، شنت صحيفة "عكاظ" السعودية في 7 مارس 2023، هجوما عنيفا على فرنجية "بعد إعلان حزب الله دعم ترشيحه".
وفيما يشبه التحذير، نقلت الصحيفة في تقريرها عن مصادر لبنانية (لم تسمها) "تخوفها من التعجيل بسيناريو الفوضى والانفجار وتزايد الأزمات بعد هذا الإعلان الذي ترفضه قوى سياسية لبنانية فاعلة، خصوصا مسيحية".
واستذكرت الصحيفة أن "ممثل فرنجية في الحكومة الحالية الإعلامي جورج قرداحي تسبب في مقاطعة خليجية مع لبنان (بعد انتقاده للحرب اليمنية)، ما حدا بالأخير الى الاستقالة، وتساءلت عبر مصادرها إلى أي تدهور سيقود لبنان لو وصل فرنجية إلى سدة الرئاسة؟".
وحذرت المصادر ذاتها بشدة من أن حزب الله "يسعى لإحكام القبضة على لبنان المنهار اقتصاديا بالإعلان عن دعم ترشيح فرنجية".
وتوقفت "عكاظ" عند بعض مواقف فرنجية في السنوات السابقة التي يشدد فيها على عمق علاقته بحزب الله وأمينه العام، وأن هذه العلاقة "أهم من كل المناصب"، وأن نصر الله "أخ وصديق وأب"، وكذلك وصفه للقائد العسكري الإيراني قاسم سليماني بـ"الشهيد" و"الرجل العظيم".
وختمت نقلا عن مراقبين سياسيين أن هذه المواقف تعكس أن "لبنان بات أمام خيارات مرة من شأنها أن تؤدي مجددا إلى إغراقه في الفوضى والانهيار وتزايد الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية والضحية هو المواطن".
كذلك، زار سفير الرياض في بيروت، وليد بخاري، مقر البطريركية المارونية في 8 مارس 2023 والتقى البطريرك بشارة الراعي، ضمن جولة ستشمل عددا من القيادات السياسية والدينية.
ونقلت صحيفة "الأخبار" المقربة من حزب الله عن مصادر مطلعة أن "السفير السعودي عبر أمام البطريرك بشارة الراعي عن رفض بلاده ترشيح فرنجية".
وكان البخاري قد غرد عقب خطاب نصر الله قال فيها: "إذا التقى ساكنان فيتم التخلص من أولهما، إما حذفا إذا كان معتلا، أو بتحريك أحدهما إذا كان الساكن صحيحا".
ظاهرةُ التقاءِ الساكِنَينِ في الِاستِحقَاقَاتِ البُنيَوِيّةِ تَقتَضِي التَّأَمُّلَ لتكرارِهَا نُطقًا وإعرابًا، وخلاصةُ القولِ هُنَا :❞ إذا التَقَى سَاكِنَانِ فيتمُّ التخلّصُ من أَوَّلِهِمَا؛ إمَّا حذفًا إذا كان مُعتلًّا، أو بتحريكِ أحدِهمَا إن كان السَّاكنُ صحيحًا ..! ❝.
— Waleed A. Bukhari (@bukhariwaleeed) March 6, 2023
وهذه التغريدة كان محل اهتمام سياسي وإعلامي واسع.
وحسب الكاتب خالد البواب في موقع "أساس ميديا" اللبناني، أن "الساكن الأول هو فرنجية وهذا بحد ذاته اعتلال سياسي لأنه محسوب على طرف ويشكل استفزازا للآخرين، ولذا لا بد من حذفه".
أما الساكن الثاني "فبقي ملتبسا عن قصد، إذ يمكن أن ينطبق التفسير على قائد الجيش كمرشح توافقي، أو في حال بقي التعثر قائما فيمكن الذهاب إلى البحث عن مرشح آخر".
ولخص البواب الموقف السعودي الذي أبلغته إلى مختلف الأطراف السياسية الداخلية والخارجية بأن "الأزمات تتطلب أن يكون هناك رئيس يقوم بمهمة إنقاذ وليس مهمة تحد. ولا بد من اختيار اسم يستعيد ثقة المجتمع الدولي، وتتوافر فيه مقومات السيادة والإصلاح".
ولفت البواب إلى "ثبات السعودية على موقفها هذا بغض النظر عن الأشخاص والأسماء، أما الهدف من تحركات سفيرها فهو تحريك الاستحقاق بشكل جاد".
وأضاف بواب "في حال كان فرنجية هو الخيار النهائي، فليكن، لكن للسعودية حق اتخاذ القرار الذي تراه مناسبا".
المصادر
- حزب الله يعلن رسميا دعمه فرنجية في انتخابات الرئاسة اللبنانية
- بري: مرشحنا فرنجية وتعديل الدستور متعذر لترشيح قائد الجيش
- الجميل: سنقوم بكل ما في وسعنا لمنع وصول أي رئيس يتبنى نهج الممانعة
- جعجع: سنحرم البرلمان من النصاب لانتخاب رئيس
- المعارضة اللبنانية منقسمة بين تعطيل النصاب ومرشح التسوية
- عطية: المعركة الرئاسية بدأت بشكل جدي
- البخاري للراعي: نرفض فرنجية