"هزائم بوتين".. هكذا تخلق للصين فرصا ذهبية في دول الاتحاد السوفيتي

رجحت صحيفة إيطالية أن تكون "الهزائم العسكرية الروسية في أوكرانيا" حاسمة في تغيير التوازن الجيوسياسي في آسيا الوسطى لصالح الصين.
وقالت صحيفة لينكياستا إن "الرئيس الصيني شي جين بينغ بإمكانه أن يستغل مرحلة ضعف الديكتاتور الروسي (فلاديمير بوتين) للتفاوض بشأن اتفاقيات اقتصادية وعسكرية مع أذربيجان وكازاخستان ودول أخرى كانت تعتمد حتى الآن على موسكو".
أكدت أنه يمكن أن يكون للهجوم الأوكراني المضاد في منطقة خاركيف وما تبعه من تراجع روسي آثار جانبية لا ينبغي التقليل من شأنها، في إشارة إلى إمكانية استفادة بكين من ذلك في زيادة نفوذها في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.
وفي 11 سبتمبر/أيلول 2022 أعلنت هيئة الأركان العامة الأوكرانية استعادة السيطرة على مناطق كوبيانسك وإيزيوم في مقاطعة خاركيف شمال شرقي البلاد.
وأوضحت الهيئة في تقرير نشرته على صفحتها في فيسبوك، أن القوات الروسية "لا تزال تتكبد خسائر" في خاركيف، وفق وكالة "أوكرين فورم" المحلية.
وذكر التقرير أن وحدات من الجيش الروسي "تركت دون إسناد"، مشيرا إلى إصابة أكثر من 75 جنديا روسيا خلال الـ24 ساعة الماضية. وقبلها بيوم أعلنت وزارة الدفاع الروسية سحب قواتها من أماكن رئيسة في خاركيف.
تآكل تدريجي
وأشارت الصحيفة إلى أن النفوذ الكبير لروسيا في المنطقة المهمة إستراتيجيا على مر جميع الفترات التاريخية يعود إلى زمن القياصرة وإلى القرن التاسع عشر ونزاع ما يسمى بـ "اللعبة الكبرى" بين الإمبرطوريتين الروسية والبريطانية.
ورأى أن التآكل التدريجي الواضح لإستراتيجية الغزو الروسي في أوكرانيا يؤدي إلى زعزعة سمعة وقوة الكرملين في الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية السابقة وهو ما يصب في صالح الصين.
ونفذ الرئيس الصيني شي جين بينغ جولة في آسيا الوسطى والتقى بنظيره الروسي في 15 سبتمبر على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون بمدينة سمرقند الأوزبكية بمشاركة ممثلين عن دول آسيوية أخرى.
يأتي اللقاء قبيل المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني المقرر عقده في أكتوبر/تشرين الأول والذي من المنتظر أن يؤكد رئاسة شي جين بينغ وموقع الصين كقوة تطمح لأن تكون مهيمنة بشكل متزايد في العالم، وفق قول الصحيفة.
وكانت جولة الرئيس الصيني الأولى إلى الخارج منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، أي منذ ما قبل تفشي وباء كورونا، كما كان لقاؤه مع بوتين الأول منذ فبراير/شباط عندما وقع الزعيمان قبل أقل من ثلاثة أسابيع على غزو أوكرانيا شراكة "بلا حدود".
وترى لينكياستا أنه من المؤكد أن القمة لم تكن بنفس الأهمية للرئيس الصيني كما كانت بالنسبة لبوتين الذي يبدو في هذه المرحلة بحاجة ملحة لإظهار صورة قوية للعالم وأن الجبهة مع نظيره الصيني موحدة.
وقالت إن الرئيس الروسي يقف ضد"العالم أحادي القطب" الذي يرغب الغرب في إنشائه، معلنا أنه يريد دعم "تشكيل نظام عالمي عادل وديمقراطي ومتعدد الأقطاب، قائم على القانون الدولي والدور المركزي للأمم المتحدة".
وعلقت أن التحالف مع الصين لا يبدو متماسكا جيدا في هذا الاتجاه.
أبلغ بوتين نظيره الصيني خلال اللقاء "إننا نقدر الموقف المتوازن لأصدقائنا الصينيين بشأن الأزمة الأوكرانية"، مضيفا أنه يتفهم "تساؤلاتهم ومخاوفهم بشأنها".
رأت الصحيفة الإيطالية في ذلك إشارة إلى أن بكين ربما لم توافق على الحرب في أوكرانيا على الرغم من الدعم الرسمي.
وعقب اللقاء أعلنت الصين أنها مستعدة "للعمل مع روسيا في تقديم دعم متبادل قوي في المسائل المتعلقة بمصالحهما الرئيسة"، وأنها مستعدة "لضخ الاستقرار في عالم مضطرب".
وبينت الصحيفة أن هذه التصريحات مجرد إعلانات دون الإشارة إلى أوكرانيا أو الناتو (حلف شمال الأطلسي) مما يدل على أن جولة الرئيس الصيني تهدف بشكل أساسي إلى إعادة تأكيد صعود بكين في المشهد الإستراتيجي الذي أطلقت فيه منذ فترة طويلة مشروع مبادرة الحزام والطريق.
قالت تيريزا فالون مديرة مركز دراسات روسيا وأوروبا وآسيا، ومقره بروكسل، إن "موسكو لديها رؤية ومصالح في آسيا الوسطى والصين تلتهمها ببطء وهذا يوفر لها فرصة، لأن روسيا بالفعل في مأزق"، وفق ما نقلت صحيفة واشنطن بوست.
من جانبها بدأت الدول التي تنتمي إلى الكتلة السوفيتية السابقة في فتح نوافذ لإعادة التفاوض مما يقلل من اعتمادها على روسيا بوتين، على حد تعبير الصحيفة الإيطالية.
تغير العلاقات
وأشارت في نفس السياق إلى أن "العملية العسكرية الخاصة" لموسكو في أوكرانيا غيرت علاقات الكرملين مع أوزبكستان والتي كانت تتحسن بشكل مطرد منذ انتخاب الرئيس شوكت ميرزيوييف عام 2016.
وذكرت أن العلاقات الاقتصادية والأمنية بين البلدين متينة للغاية منذ تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991.
في المرحلة الحالية، أشارت الصحيفة إلى أن العقوبات التي فرضها الغرب أثرت بشكل كبير على نقل التكنولوجيا والمعدات لشركتي الطاقة الروسيتين الكبيرتين لوك أويل وغازبروم إلى البلاد.
كما عرقلت الممرات التجارية إلى أوروبا، مما دفع البلاد لبدء مشاريع مع تركيا وأذربيجان.
قبل وصوله إلى سمرقند، زار شي جين بينغ كازاخستان، وهي منطقة ساخنة أخرى على رقعة الشطرنج الآسيوية حيث يبدو أن روسيا فقدت قوتها، تشير الصحيفة.
وقالت إن الحليف التاريخي لموسكو قرر الوقوف على الحياد فيما يتعلق بغزو أوكرانيا، رافضا الاعتراف بالأراضي التي تسيطر عليها روسيا في الشرق، كما أعلن رفضه المساهمة في الالتفاف على العقوبات.
وردا على ذلك، وصف رئيس الوزراء الروسي السابق دميتري ميدفيديف في حسابه على موقع التواصل الاجتماعي الروسي، كازاخستان بأنها "دولة مصطنعة" قبل أن يحذف المنشور.
في المقابل، أعلن الرئيس الصيني بمجرد وصوله إلى البلاد عزمه على مواصلة "دعم كازاخستان بحزم في حماية استقلالها وسيادتها وسلامة أراضيها".
قالت الصحيفة إن صورة الصين على المحك في دولة ذات أهمية إستراتيجية كبيرة وذات أغلبية مسلمة تقع على حدود إقليم شينجيانغ، حيث تتهم بكين بانتهاك حقوق الإنسان لأقلية الإيغور.
كما شاركت الهند وإيران في قمة سمرقند فيما يمكن أن يكون فرصة لبوتين لإثبات أن هناك بعض القوى العالمية الكبرى لا تزال مقربة من بلاده.
أوضحت لينكياستا أن الجهات الفاعلة الإقليمية لا تقف مكتوفة الأيدي؛ إذ حصلت طاجيكستان على سبيل المثال، على اعتراف من موسكو بتصنيف حزب معارض كمنظمة إرهابية، وهي خطوة رفضها الكرملين منذ فترة طويلة.
واندلعت اشتباكات مسلحة في 14 سبتمبر على الحدود مع قيرغيزستان، أدت إلى مقتل أحد أفراد حرس الحدود وإصابة خمسة آخرين.
الواقعة لا ترتبط بشكل مباشر بالحرب في أوكرانيا، ولكن، كما أوردت صحيفة الغارديان البريطانية، يرى المحللون أنها تلعب دورا في إعادة توازن القوة في المنطقة مع تحول النفوذ الروسي خلف الخطوط لصالح الصين والغرب.
في القوقاز، شنت أذربيجان كذلك هجوما على مدن أرمينية مختلفة خلال سبتمبر أسفر عن مقتل أكثر من 100 جندي، عدته الصحيفة الإيطالية "اختبارا على ما يبدو للدعم الروسي التقليدي لأرمينيا".
تستمر النزاعات بين الطرفين منذ عقود، وعلى إثر الحرب الأخيرة في عام 2020 جرى نشر قوات حفظ السلام الروسية في المنطقة لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار.
وعلى إثر تجدد الاشتباكات طلبت أرمينيا من روسيا الدعم، إلا أن الأخيرة ليست على استعداد تام لتقديمه على ضوء تركيز اهتمامها على حربها في أوكرانيا، تؤكد الصحيفة الإيطالية.