بعد اشتباكات اعتزال الصدر.. ما الحل للخروج من المأزق السياسي بالعراق؟

لمدة 18 ساعة نهاية أغسطس/آب 2022، شهدت بغداد احتجاجات واشتباكات وفوضى أمنية منذ أن أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر اعتزاله العمل السياسي نهائيا.
الصدر وجه أنصاره خلال كلمة تلفزيونية في 30 أغسطس 2022، للانسحاب من المنطقة الخضراء وسط بغداد وإنهاء الصدامات المسلحة.
الزعيم الصدري، أكد استمراره باعتزال السياسة نهائيا، وهو قرار اتخذه قبل يوم من الاشتباكات، وكان الشرارة في إشعال الاقتتال.
ومع تحول الصراع السياسي إلى اقتتال مسلح في العراق، قبل أن يتوقف بتدخل الصدر، برزت تساؤلات عن مدى انعكاس ذلك على مستقبل العملية السياسية التي تشهد انسدادا منذ انتهاء الانتخابات قبل عشرة أشهر وعجز الأحزاب عن تشكيل الحكومة.
"ورقة الفوضى"
قرار زعيم التيار الصدري ترك السياسة، جاء على إثر بيان المرجع الشيعي العراقي المقيم في إيران كاظم الحائري، أعلن فيه اعتزال "العمل المرجعي" بسبب مرضه وتقدمه في السن، وأوصى "مقلديه" من الصدريين باتباع مرجعية المرشد الإيراني علي خامنئي.
الصدامات المسلحة في بغداد خلّفت نحو 38 قتيلا وأكثر من 300 جريح، وذلك بعد نحو شهر على اعتصام أنصار الصدر في مبنى البرلمان بالمنطقة الخضراء، دون استجابة الإطار التنسيقي (شيعي) لمطالب الصدر، بحل البرلمان وإعادة إجراء انتخابات برلمانية مبكرة.
وأعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية، في 30 أغسطس، انسحاب جميع المتظاهرين من المنطقة الخضراء ومحيطها وسط العاصمة بغداد وبدء عودة الحياة إلى طبيعتها.
وبخصوص انعكاسات التطورات الأخيرة على الواقع السياسي في العراق، قال الباحث لطيف المهداوي، لـ"الاستقلال" إن "الصدر يبدو أنه اختار الفوضى الجزئية لإيصال رسالة قوة للطرف الآخر المتمثل بالإطار التنسيقي ومن خلفه إيران التي تدعمه".
وأوضح الباحث في الشأن السياسي العراقي أن "الصدر لم ينته نفوذه وتأثيره في المشهد السياسي فقد أبقى بيده زمام المبادرة، وإنما رسالته للإطار بأنه كما استطاع إيصال الدولة العراقية إلى أدنى مستوى بمحاصرة المنطقة الخضراء وإرباك الأوضاع في عموم البلاد، فإنه خلال ساعة واحدة أعاد كل شيء إلى مكانه".
وتابع: "لذلك إذا لم يقدم الإطار التنسيقي تنازلات ويقبل بمطالبه التي طرحها وأهمها استبدال مرشحهم لرئاسة الحكومة محمد شياع السوداني، وحل البرلمان والذهاب إلى انتخابات برلمانية جديدة، فإن عودة احتجاجات الصدريين أمر وارد، وثقلهم العسكري والشعبي كان واضحا".
وأكد المهداوي أن "اعتزال الصدر العمل السياسي لا يعني غيابه عن المشهد أبدا، وإنما سيبقى المحرك لتياره، وسيظل عامل قلق للعملية السياسية".
من جهته، قال المحلل السياسي العراقي، غيث التميمي على "تويتر" في 30 أغسطس، إن "الأغبياء وحدهم من يعتقدون أن الصدر انسحب وتياره تراجع"، لافتا إلى أنه "يعمل بالمبدأ السيستاني (المرجع الشيعي في النجف) المتمثل بقوة الصمت وبهذه الطريقة حسم التغيير لصالحه وفرض على الجميع خيار السلمية".
ورأى التميمي أن "الإطار التنسيقي عجز عن جمع القوى الشيعية وكسب ثقة المرجعية العليا (السيستاني) بل وعموم الشيعة. الخطوة الأولى لقطع طريق الفتنة والتأسيس لحلول فعلية هي حل الإطار نفسه وإعلان بعض مكوناته استقلال قرارها عن الإطار عسى أن تتشكل توازنات الحلول السلمية".
الاغبياء وحدهم من يعقدون بأن #الصدر انسحب وتياره تراجع.
— غيث التميمي GHAITH ALTAMIMI (@Ghaith19919) August 30, 2022
عمل الصدر بالمبدأ السيستاني #قوة_الصمت وبهذه الطريقة حسم التغيير لصالحه وفرض على الجميع خيار السلمية.
حسب فهمي سيتورط #الطرف_الثالث بمواجهة الحكومة قريبا.#المواطنة_الصالحة
غياب الحلول
من جهته، رأى مدير البرامج في "مركز تمكين السلام" في العراق، عمر النداوي، أن "الوضع حاليا معقد للغاية بعد الأحداث الدموية الأخيرة وانسحاب أنصار الزعيم السياسي، مقتدى الصدر، من الشوارع".
وأوضح النداوي خلال حديث لقناة "الحرة" الأميركية في 30 أغسطس أن ما يزيد التعقيد أن الأطراف المتصارعة وأولها مقتدى الصدر ليس لديهم أي حلول للخروج من الأزمة الحالية، منذ سحب نوابه من البرلمان، ودخول البلاد في "مساحات غير مستكشفة".
ولفت الباحث العراقي إلى أنه منذ تلك الخطوة وحتى الآن يحاول الصدر إصلاح الموقف وتدارك الخطأ، دون وجود إستراتيجية واضحة، وكان "هناك تخبط وتناقض في القرارات".
وأعرب النداوي عن اعتقاده بأن الصدر "فشل في تحقيق أهدافه"، مشيرا إلى أنه كان سعيدا بنتائج الانتخابات وحاول انتهاز الفرصة لإقصاء منافسيه السياسيين لتكريس مكاسبه الاقتصادية والسياسية في الحكومة، وعلى رأسهم نوري المالكي، لكن قرارات المحكمة الاتحادية وخطوات الإطار التنسيقي أحبطت تشكيل الحكومة".
ولفت إلى أن "الطرفين لا يرجى منهما الكثير، لكن كان هناك أمل في تشكيل حكومة قد تدفع بإصلاحات، خاصة أن نتائج الانتخابات لم تكن سيئة بشكل مطلق، فقد صعدت بشخصيات تنتمي إلى مظاهرات تشرين ومستقلين، وكان بإمكانها تنفيذ إصلاحات وإحداث تغيير ما في الحياة السياسية العراقية قد تكون أساسا لتغييرات أكبر بعد أربع سنوات".
ورأى النداوي أن الخيار الأقل سوءا الآن، هو "عودة الأطراف السياسية إلى "المربع الأول" منعا لاستمرار سفك الدماء واستمرار صراع يطول أمده وينذر بحدوث حرب أهلية تدمر العراق.
و"المربع الأول" هو النقطة الأولى في مفاوضات ما بعد انتخابات 2021 وتشكيل حكومة ولو كانت مؤقتة أو الاتفاق على انتخابات جديدة، وفق قوله.
وأردف: "مع أن كل هذه الأمور لا يجب التعويل عليها كثيرا، فلا فائدة ترجى جديدة من انتخابات مبكرة أخرى لأن احتمالية المشاركة ستكون ضعيفة، كما أن هناك تراجعا في الثقة في العملية الانتخابية التي ستتطلب أشهرا لتنفيذها وقد تتدخل خلالها الأطراف المسلحة والأطراف الخارجية".
وكان مقتدى الصدر، قد أمهل أنصار التيار 60 دقيقة للانسحاب من الشوارع وساحات الاعتصام قرب البرلمان العراقي وسط المنطقة الخضراء.
وقال الصدر في مؤتمر صحفي من النجف في 30 أغسطس "أحزنني وأتعبني كثيرا ما يحدث في العراق، وبغض النظر عمن بدأ الفتنة أمس (...) فأنا أعتذر للشعب العراقي المتضرر مما يحصل، والقاتل والمقتول في النار بغض النظر عن البادئ".
وتابع: "كنت آمل أن تكون هناك احتجاجات سلمية دون استخدام أسلحة (...) وهذه الثورة التي شابها العنف والقتل هي ليست بثورة أصلا".
إصرار إطاري
رغم توقع الكثيرين أن سحب الصدر لأنصاره من المنطقة الخضراء وإنهاء القتال، قد يدفع قوى الإطار التنسيقي لاتخاذ خطوة مرنة تجاه مطالب زعيم التيار الصدري، ولا سيما حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة، لكن ما حصل كان عكس ذلك تماما، ودعا إلى المضي في تشكيل الحكومة وإعادة عمل البرلمان، حسب بيان صدر عنه في 30 أغسطس.
وقال الإطار التنسيقي إنه "في الوقتِ الذي نعربُ فيهِ عن أسفنا وحزننا الشديد لما وقع من فتنة عمياء تسببت بسقوطِ ضحايا من أبناء شعبنا بسبب مواقف غير مدروسة أدت إلى ما حدث فإننا نتقدمُ بالشكر الجزيل لكل موقف وكلمة وفعل ساهم في إيقاف هذه الفتنة ووضع حدا لنزيف دماء الاخوة من أبناء الوطن الواحد".
وأشار إلى أنه "لمنع تكرار ما وقع من فتنة وإنهاء الظروف التي تساعد عليها نرى ضرورة العمل بهمة راسخة والإسراعِ بتشكيلِ حكومة خدمة وطنية تتولى المهام الإصلاحية ومحاربة الفسادِ ونبذ المحاصصة وإعادة هيبة الدولة لينعم الجميع بالأمن والاستقرار والإسراع إلى تحقيقِ ما يصبو إليه أبناء شعبنا الكريم، وبمشاركة واسعة من جميع القوى السياسية".
ودعا الإطار التنسيقي "البرلمان وباقي المؤسسات الدستورية للعودة إلى ممارسة مهامها الدستورية وأداء واجبها تجاهَ المواطنين"، في إشارة منه إلى الاستمرار بمساعيه لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف مرشحهم محمد شياع السوداني بتشكيل الحكومة.
وعلى العكس من ذلك، شدد الرئيس العراقي برهم صالح خلال خطاب تلفزيوني في 30 أغسطس على أن إجراء انتخابات تشريعية مبكرة "يمثل مخرجا للأزمة" السياسية في بلاده، خاصة عقب التطورات الخطيرة التي أدت إلى مقتل عشرات الأشخاص.
وبين أن المخرج من الأزمة السياسية التي يتخبط فيها العراق منذ مدة، والتي زادت حدتها مع مقتل عشرات الأشخاص في اشتباكات عقب إعلان الصدر اعتزاله العمل السياسي، هو إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، ما "يمثل مخرجا للأزمة الخانقة في البلاد عوضا عن السجال السياسي أو التصادم والتناحر".
وأشار إلى أن الانتخابات "تضمن الاستقرار السياسي والاجتماعي وتستجيب لتطلعات العراقيين"، دون أن يحدد موعدها.
من جهته، أعلن الكاظمي عن تشكيل لجنة تحقيق لتحديد المسؤولين عن وضع السلاح بيد من فتحوا النار على المتظاهرين، وفيما أشار إلى ضرورة وضع السلاح تحت سلطة الدولة فعلا وليس شعارا وادعاء، أكد أنه لن يتخلى عن مسؤوليته أمام الشعب وكل قطرة دم سببها الفشل السياسي.
وأضاف خلال كلمة له للشعب العراقي في 30 أغسطس: "كنت وما زلت مع مبدأ التداول السلمي للسلطة، وأحذر من هنا إذا أرادوا الاستـمرار في إثارة الفوضى والصراع والخلاف والتناحر وعدم الاستماع لصوت العقل".
وأردف: "سأقوم بخطوتي الأخلاقية والوطنية بإعلان خلو المنصب في الوقت المناسب، حسب المادة 81 من الدستور، وتحميلهم المسؤولية أمام العراقيين، وأمام التاريخ".
وكانت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، قررت في 30 أغسطس تأجيل عقد الجلسة المقررة للنظر في الدعوى القضائية لحلّ البرلمان تقدم بها التيار الصدري بسبب تجاوز المدد الدستورية في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة.
وذكر بيان مجلس القضاء الأعلى أن "جميع المحاكم ومنها المحكمة الاتحادية لم تنظر بالدعاوى المعروضة عليها"، لافتا إلى أن "ذلك جاء بسبب حظر التجوال العام وتعطيل عمل مؤسسات الدولة كافة" عقب الأحداث والاشتباكات التي تشهدها العاصمة بغداد منذ أمس 29 أغسطس/آب 2022.
وفي 17 أغسطس 2022، أعلنت المحكمة الاتحادية العليا تأجيل موعد البت بدعوى حل مجلس النواب التي رفعها التيار الصدري في الثلاثين من الشهر ذاته، وذلك رغم تأكيد مجلس القضاء الأعلى عدم امتلاكه صلاحية حل البرلمان، ردا على طلب الصدر، من أجل التوجه لانتخابات مبكرة.
المصادر
- الصدر يمهل أنصاره 60 دقيقة للانسحاب التام
- بعد انسحاب أنصار الصدر.. ماذا ينتظر العراق؟
- الإطار التنسيقي يصدر بياناً بعد انتهاء أزمة الخضراء
- رئيس العراق يدعو لانتخابات مبكرة والكاظمي يلمح لإخلاء منصبه
- العراق.. القضاء يؤجل البت بدعوى حل البرلمان
- العراق: برهم صالح يشدد على إجراء انتخابات مبكرة للخروج من الأزمة والكاظمي يلوح بالاستقالة















