بوادر انفجار اجتماعي يلوح بالأفق.. هل يعيش المغرب "عام البون" من جديد؟
.png)
"فترة عصيبة" يمر بها المغرب منذ نهاية 2021، عنوانها الأبرز "الجفاف" الذي أعاد للأذهان شبح عام الجوع إبان الحرب العالمية الثانية بين عامي 1944- 1945، إذ سادت الأوبئة والمجاعات نتيجة غياب الأمطار والإجراءات التي فرضها الاستعمار الفرنسي على توزيع المواد الغذائية.
ولا حديث في منصات التواصل الاجتماعي واللقاءات الواقعية في المغرب حاليا إلا عن "المرحلة الخطيرة" التي يعيشها المواطنون جراء ارتفاع الأسعار في ظل جائحة كورونا، بالتزامن مع موجة جفاف مؤلمة.
ومع هجوم مواطنين في 20 فبراير/ شباط 2022 على سوق لبيع الخضراوات في مدينة مغربية بسبب المضاربة، حذر مراقبون من انفجار مجتمعي قد يقع في المغرب قريبا.
حالة بؤس
بحسب المعطيات الأولية التي كشفت عنها السلطات المحلية بعد الحادث مباشرة، شهد السوق الأسبوعي بمدينة القنيطرة (غرب) مشادات بعد "تسجيل تصرفات انتهازية ومضاربات غير عادية في أسعار بعض المنتجات الاستهلاكية من قبل عدد من الوسطاء، ما نتج عنه أحداث رشق بالحجارة".
وعلق الناشط المدني صابر عماري، على الحادثة عبر تدوينة على فيسبوك بالقول: "فوضى وسطو جماعي على تجار سوق الأحد بالقنيطرة.. من نتائج التجهيل والتجويع، هل هي بداية عام البون!!".
و"عام البون" هو العام الممتد بين عامي 1944 - 1945 والذي عانى فيه سكان المغرب وأيضا الجارة الشرقية الجزائر، من المجاعة والأوبئة نتيجة الجفاف وإجراءات فرضها الاحتلال الفرنسي على توزيع وشراء المواد الغذائية الأساسية.
فيما أشار موقع "إملشيل 24" المحلي إلى أن "الجفاف والحديث عن اندلاع الحرب العالمية الثالثة، أعاد ذكرى عام البون إلى أذهان المغاربة بعد التوتر بين روسيا والغرب بشأن أزمة أوكرانيا والجفاف الذي يعيشه المغرب في عام 2021 وبداية 2022".
وأوضح في تقرير نشره في 20 فبراير 2022 أن "أزمة عام البون خلفت أوضاعا مزرية عاشتها جل المناطق المغربية، ومازال المغاربة حتى اليوم يتذكرون تسمية عام البون في كل عام تنقص فيه تساقطات المطر ويقولون هذا يشبه عام البون".
وقال المدون محمد الزهاري إن "حادث سوق الأحد بالقنيطرة يؤكد أن تصنيفات المغرب حسب مؤشرات التنمية البشرية صحيح، سرقة المواطنات والمواطنين للخضر والفواكه والسلع بالسوق، هي مواجهة محتاجين لتجار فقراء وهو أمر مؤسف طبعا".
وأضاف في تدوينة على فيسبوك إن "مالكي الثروة وحماة الفساد ينعمون بحياة سعيدة، ولا يهمهم لهيب الأسعار والقدرة الشرائية، ولا يخجلون من الوقوف أمام الميكروفون لتبرير الزيادات بالسياقات الدولية والاستنجاد بالخارج.. حزين عليك يا وطني".
فيما ذكر موقع "هسبريس" الإلكتروني في تقرير له أن "هناك من ربط الواقعة بالمخلفات النفسية لعام البون، الذي أصبح مقترنا لدى المغاربة بالجوع والجفاف؛ الأمر الذي يفسر بعض السلوكيات الاجتماعية التي تقع ببعض المناسبات الموسمية، إذ سبق أن أقدمت مجموعات على سرقة الأضاحي بمدينة الدار البيضاء سنة 2020".
من جهته، قال رئيس المنتدى المغربي للمستهلك، طارق البختي، للموقع في 21 فبراير 2022 إن “ما وقع بالقنيطرة مجرد رد فعل على الوضعية الاستهلاكية الحالية”.
وزاد: “الأجور ثابتة منذ سنوات، بينما الأسعار ترتفع بشكل مهول، ما جعل القدرة الشرائية للمواطنين منعدمة بتاتا، إذ أصبح المستهلك يفكر في السعر أكثر من الجودة”.
لكن أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، رشيد جرموني، قال لـ"الاستقلال"، "لا أعتقد بأن هذا الحادث يمكن أن يقرأ بأنه يشكل احتقانا أو ما شابه، بل هو حادث معزول، ولا يمكن أن نتحدث عن مرحلة خطيرة إلا إذا كانت هناك حوادث أخرى تقع في نفس اللحظة".
وأضاف أن "المؤكد حسب متابعتي للأوضاع، أن هناك تأثير الجائحة كباقي الدول وانضاف له هذه السنة تأثير الجفاف، لكننا ونحن في بداية هذه النهاية لم نعش آثار الجفاف بشكل كبير، ويمكن أن نتحدث عن ذلك السنة المقبلة أو التي تليها".
وأكد جرموني أن "فيديو سوق مدينة القنيطرة معزول ويمكن أن يقع في أي مكان بالعالم، لكن لا يؤشر على انفلات أو شيء من هذا القبيل في اللحظة الراهنة".
أوضاع مزرية
وشهد المغرب والجزائر في عام البون، جفافا كبيرا نتج عن غياب الأمطار لسنوات، ما أدى إلى قلة المواد الغذائية الأساسية كالقمح والدقيق والزيت والبيض والسكر والشاي والخضر.
ومازالت الذاكرة الجماعية المغاربية تحتفظ بتفاصيل "عام البون" وهو عنوان المجاعة التي شهدها المغرب والجزائر.
وعاش المغاربة ظروفا صعبة شكلت واحدة من أحلك الفترات التي مر بها البلدان، بعد أن اجتمعت قسوة الطبيعة ومأساة الاستعمار في اندلاع أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة عرفت بتسميات مختلفة من أبرزها "عام البون" و"عام الجوع" و"عام الشر" و"عام بوهيوف".
ويعود أصل التسمية إلى الكلمة الفرنسية "Bon" وتعني "وصل"، وأخذها المغاربة والجزائريون آنذاك ووظفوها في لغتهم العامية فتم نطقها بـ"البون"، وهو الإيصال الذي كان يوزع على المواطنين كإجراء لمواجهة الجوع من قبل الاستعمار.
ويمنح بموجبه لحامله كمية من المواد الغذائية وعلى رأسها الطحين والزيت والأرز والقهوة والشاي وبعض الألبسة.
ويأتي العمل بـ"البون" في إطار نظام التموين الذي فرضه الفرنسيون على كل من المغاربة والجزائريين فيما يخص توزيع المواد الاستهلاكية الأساسية، إذ أصبحت المواد تقتنى بأوراق "البون"، وتولت البلديات عملية التوزيع فوضعت دفاتر خاصة أو بطاقات التموين ذات ألوان وأرقام.
وكانت فرنسا تستغل ثروات وخيرات البلدين بشكل كبير مما أدى إلى استنزافها، وذلك من أجل تغطية فرنسا لنفقاتها المتراكمة من جراء خوضها للحرب العالمية الثانية.
ورافق هذا الاستنزاف موجات جفاف ضربت البلدين المغاربيين، إثر غياب التساقطات المطرية وقلة المواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى اجتياح الجراد لجل المناطق في المغرب والجزائر ما فاقم حدة المجاعة.
وخلف"عام البون" أوضاعا مزرية عاشتها جل المناطق في المغرب، إذ انتشرت الأمراض والأوبئة بشكل مخيف، ومنها الحصبة والسل، ما أودى بحياة الآلاف، إثر سوء التغذية وقلة النظافة.
وخلال هذه الفترة، عم الجوع في البلدين وكان أشد فتكا في المناطق القروية، ما اضطر الناس إلى البحث عن الأعشاب وجذور النباتات البرية ليقتاتوا منها، فأبدعوا وجبات من النباتات والحشائش، كما اضطروا لأكل واصطياد الجراد وبيع أراضيهم بأثمان بخسة مقابل استبدالها بكميات من القمح أو الغذاء.
قنبلة موقوتة
وعبر وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات محمد صديقي، عن قلقه البالغ بشأن الجفاف الذي تشهده البلاد، إذ توقع أسوأ إنتاج زراعي في المملكة منذ عقود، وذلك في تصريح له لوكالة “بلومبرغ” الأميركية في 9 فبراير 2022.
وتعليقا على ذلك، نقل موقع ”الأيام24″ المحلي عن متخصص زراعي (لم يسمه) قوله، إن “وزير الفلاحة غير مطالب بالتحذير أو التعبير عن القلق، بل المفروض إيجاد حلول بديلة خصوصا وأن هذه السنة شهدت غياب التساقطات المطرية، ما أثر على المحصول الزراعي كالحبوب، إضافة إلى انخفاض في السدود، وبالتالي فالأراضي المسقية وزراعتها ستتأثر”.
فيما دقّ أستاذ علم الاجتماع جرموني ناقوس الخطر بالقول: "عمليا إذا استمر الجفاف مع السنة المقبلة سيصبح عندنا 8 ملايين فقير، ويمكن أن يشكل وقودا لاحتجاجات وأشكال تنديدية".
واستطرد: "لكن اليوم لا يمكن أن أجازف ونتحدث عن الأسوأ، نعم هناك هشاشة وارتفاع الوقود، وهناك تذمر وقلق لدى المواطنين، والمجتمع المغربي كله يتحدث عن هذا الغلاء لكنه لا يمكن أن نجازف ونقول إنه في اللحظة الآنية يشكل وقودا لقنبلة موقوتة".
وتابع: "وفق المعطيات الموضوعية والإحصائية والاقتصادية، هناك مشاكل اجتماعية وغلاء معيشي وحالة من البؤس واليأس تزداد حدة في بعض المناطق دون أخرى، ونعتقد إذا استمر لسنوات مقبلة ولم تتخذ الحكومة إجراءات معينة، يمكن أن يشكل في المستقبل قنبلة موقوتة".
ولفت إلى أنه "كلما توفرت هذه الشروط التي نتحدث عنها من جفاف وآثار للأزمة الاقتصادية وفيروس كورونا إلا وسيحدث الأسوأ، وبلغة الأرقام 40 بالمئة من ناتج الدخل القومي يعود للفلاحة وهي مرتبطة بالأمطار ".
وعن حدوث "نسخة حديثة" من عام البون قال جرموني: "أستبعد ذلك، لأن آنذاك كانت هناك سنوات من الجفاف لمدة 3 أو 4 سنوات متتالية والأمطار لا تتساقط، لكن الآن هناك استيراد للقمح والأساسيات الغذائية، مع دعم الدولة لهذه القطاعات الحساسة".
وأردف: "وبالتالي الأمر مستبعد في اللحظة الحالية، خاصة على المستوى القريب، ولا يمكن مقارنة حالة كان فيها المغرب ضعيفا جدا وكان هناك استعمار وظروف جيوستراتيجية، فيما الآن المغرب بلد مستقر والدولة والحكومة توفر الضروريات وتطمئن المواطنين بأن هناك ما يكفي من مؤونة لـ6 أشهر".