المغرب والجزائر في كأس العرب.. هل تنجح الكرة فيما عجزت عنه السياسة؟

سلمان الراشدي | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

مع إطلاق صافرة نهاية مباراة منتخبي الجزائر ومصر في قمة المجموعة الرابعة من بطولة كأس العرب لكرة القدم "قطر 21" في 7 ديسمبر/كانون الثاني 2021، برزت أصوات محسوبة على نظامي المغرب والجزائر لـ"التجييش" للقاء المنتظر.

ويلتقي الجاران المغاربيان في ربع النهائي، المقرر في 11 ديسمبر/كانون الأول 2021، وسط قطيعة دبلوماسية وتصاعد في الأزمات بين نظامي البلدين.

ومع احتلال منتخب الجزائر المركز الثاني في ترتيب مجموعته، ضرب "موعدا حارقا" مع نظيره المغربي في دور الثمانية للمسابقة، لتبرز منشورات وتغريدات على منصات التواصل الاجتماعي داعية لـ"الانتقام".

إلا أن "صوت العقل" من شعبي البلدين كان له رأي معاكس وشدد على أن المباراة بين جارين شقيقين، رافضين جرها إلى "مستنقع السياسة".

وتأتي المباراة في ظرف حساس، إذ أعلنت الجزائر، في 24 أغسطس/آب 2021، قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب؛ بسبب ما أسمتها "حملات عدائية متواصلة" تمارسها الرباط ضدها، ما نفت الأخيرة صحته، معتبرة إياه "مبررات زائفة".

ومنذ عقود، تشهد العلاقات بين البلدين انسدادا على خلفية ملفي الحدود البرية المغلقة منذ عام 1994، وإقليم الصحراء المتنازع عليه بين المغرب وجبهة "البوليساريو"، المدعومة من الجزائر.

لكن شعبي البلدين يصران على التفريق بين خصومات الساسة، ويترفعان عن كل تحريض ويرفضان أي "تجييش" من الأصوات المحسوبة على النظامين التي تحاول أن تجعل من المباراة المرتقبة كـ"حرب موازية" على المستطيل الأخضر.

أمن وسلام

الإعلامي رضوان الرمضاني، المحسوب على السلطة في المغرب، لجأ إلى إفراغ المباراة المنتظرة من هدفها الرياضي بالقول عبر فيسبوك، في 7 ديسمبر/كانون الأول 2021: "حاولت ما أمكن أن أقنع نفسي بأن مباراة السبت مجرد مباراة كرة قدم".

وتابع الرمضاني: "لكن حين تذكرت أنهم حذفوا اسم الرباط من النشرة الجوية وأن (الرئيس عبد المجيد) تبون يسمينا هك (هناك)، تأكدت أن (المدرب حسين) عموتة عنده مهمة دبلوماسية يوم السبت وسفيان رحيمي سيلعب بطائرة الدرون التي اشتريناها".

من جانبه، قال المدرب الجزائري عبدالنور حميسي في برنامج على قناة "دزاير لايف" في 8 ديسمبر/كانون الأول: "المغاربة بحثوا عنا ووجدونا، أقول للاعبينا إن لم تفوزوا على المغرب لا تعودوا إلى الجزائر".

غير أن المهندس إبراهيم سبع الليل رد عبر فيسبوك قائلا: "بعيدا عن حسابات الساسة وتجار الحروب نود التذكير أنها مجرد مباراة بين بلدين شقيقين جارين ما يجمعهما أكثر مما يفرقهما".

وتمنى سبع الليل أن "تبعث المقابلة رسالة واضحة عن أخوة الشعبين الشقيقين ورغبتهما في العيش في أمن وسلام وعلاقات يطبعها حسن الجوار والتعاون على البر والتقوى".

بدوره، قال المغربي علي الليلي: "مجرم من يعتبر مقابلة المغرب والجزائر حياة أو موت، بل مقابلة رياضية، وأكيد سيكون فيها رابح وخاسر، وأتمنى أن يخيب جمهور البلدين في قطر، نوايا (المحرضين) هنا وهناك".

صحيفة "الأحداث المغربية" رأت في مقال نشرته في 9 ديسمبر/كانون الأول 2021، أن "الذين يريدون أن يجعلوا من مباراة بين الرديفين، وليس حتى المنتخبين الأولين، مسألة حياة أو موت، بينهم وبين الفهم السوي للأشياء مسافات بعيدة للغاية".

وأضافت "الذين يعتقدون أننا لمجرد الانتصار على الجزائر، سنؤكد بأن دفاعنا الدائم عن وحدتنا الترابية هو أمر عادل لقوم لا يفهمون كثيرا".

وتابعت: "الذين يتوقعون في الجهة الأخرى أن انتصار فريق الكرة الجزائري على نظيره المغربي السبت سيكون دليلا على أن محور الممانعة قد انتصر، وأن المطبعين قد انهزموا هم أيضا قوم حمقى".

وتستضيف قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم، بين 21 نوفمبر/تشرين الثاني و18 ديسمبر/كانون الأول 2022، بمشاركة 32 منتخبا، حيث تقام للمرة الأولى تحت مظلة الاتحاد الدولي.

الإعلامي الجزائري، حمزة رزوق أكد أن "لقاء ربع النهائي في كأس العرب 2021 بين المغرب والجزائر سيكون ملحمة كروية تستمتع بها الجماهير العربية، على غرار مباراة مصر والجزائر التي تعتبر أفضل مباراة في هذه الكأس حتى الآن".

واستدرك رزوق في حديثه لـ"الاستقلال" قائلا: "لكن ما يجب الحذر منه في الديربي المغاربي، هو أن بعض الأطراف السياسية في البلدين ستحاول الاصطياد في المياه العكرة عبر استغلال الخلافات السياسية بينهما وتوظيفها لشحن الجماهير في منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة".

وشدد على أنه "لا بد من تفويت الفرصة على هؤلاء، أولا في المستطيل الأخضر باللعب النظيف بين اللاعبين واحترام المنافس، وثانيا على مستوى الجماهير في المدرجات؛ والتي يجب أن تعطي صورة مشرفة في تشجيع كلا المنتخبين دون تعصب زائد".

وثالثا، وفق رزوق، على مستوى منصات التواصل الاجتماعي حيث يجب التصدي لحملات الإساءة للآخر في المغرب والجزائر، وفضح الممارسات اللاأخلاقية للذباب الإلكتروني من سب وشتم لإثارة الفتنة.

وأكد الإعلامي الجزائري أنه سيكون "سعيدا بمشاهدة الديربي المغاربي في مباراة واعدة بين الأشقاء والجيران لتشريف الكرة المغاربية، وعلى جميع العقلاء في البلدين تفويت الفرصة على من يريد تعكير الأجواء الرائعة، والفوز للأجدر على المستطيل الأخضر".

خاوة خاوة

حتى قبل الأزمة الدبلوماسية الأخيرة، وفي ظل "الهدوء النسبي" بين البلدين، ظلت أصوات الشعبين تردد في كل محفل رياضي "خاوة خاوة" باللهجة المغاربية (إخوة إخوة).

وفي نهائيات بطولة كأس الأمم الإفريقية عام 2019، التي كانت مقامة في مصر، أطلق جمهور البلدين حملة افتراضية بعنوان "خاوة خاوة" انتقلت إلى أرض الواقع، حيث عمدت الجماهير المغاربة والجزائرية إلى مساندة بعضهما في كل مباراة يلعبها أحد المنتخبين.

وتصدر هاشتاغ "خاوة خاوة" قائمة "الهاشتاغات" في أبرز الصفحات الرياضية بالبلدين، وانتشرت الفكرة على نطاق واسع، كما أثارت أيضا انتباه وسائل الإعلام في البلدان العربية كافة.

وعاود مغردون استخدام وسم "خاوة خاوة" خلال بطولة كأس العرب، مؤكدين على تضامن جمهور المنتخبين في المباريات مع المنتخبات الأخرى، مشددين على أن السياسة "تبقى بعيدة عن الرياضة". 

وخلال مباريات المجموعات، سطّرت الجماهير المغربية والجزائرية ملحمة أخوية خلاقة برفع علم البلدين جنبا إلى جنب، لامست قلوب الراغبين في رؤية الأشقاء بلا خلافات ولا منغصات

اللاعب الدولي الجزائري السابق، لخضر بلومي، أكد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2021 أن "المقابلات بين الجزائر والمغرب تميزت دوما بالندية والتنافس الشديد بالنظر إلى المستوى الكبير للاعبي المنتخبين".

وأضاف بلوممي لموقع "أصوات مغاربية" (مقره واشنطن)، "الأمر ليس وليد الساعة بل يعود لسنوات الستينيات والسبعينيات، حيث لم تكن أي مقابلة تجري بين الطرفين دون أن تثير اهتمام الصحافة المحلية والدولية".

ورفض التعليق على الظروف السياسية التي تحيط بالمقابلة، مؤكدا أن "الأمر يتعلق بمقابلة في كرة القدم وينبغي أن يستمر النقاش والجدل في الجوانب الرياضية".

وأعطى بلومي لخضر مثالا على ذلك بالمقابلة التي جمعت بين المنتخبين، ذهابا وإيابا في سنة 1979.

 وقال في الصدد "آنذاك لعبنا في ظروف مشابهة لكن كل اللاعبين حافظوا على هوياتهم الرياضية بعيدا عن السياسة"، مشيرا إلى أن "الرياضة تصلح في الكثير من الأحيان ما تفسده السياسة".

من جانبه، قال الباحث المغربي زكرياء حمادي: "في موعد مثير ستنعقد فيه المباراة وسط أجواء من الحماس والترقب، كل الأنظار تتوجه إلى ملعب الثمامة بالدوحة بعد أن خيمت ظلال السياسة بين البلدين الجارين وباعدت بينهما عواصفها وتياراتها الحادة لتجمعهما الرياضة في المستطيل الأخضر كما تجتمع فروع شجر الثمامة".

وأوضح لـ"الاستقلال" أن "الثمامة عند العرب شجرة متجمعة الفروع مزدحمة الأغصان، وربما حشي به وسد به خصاص البيوت، فهل ستسد الرياضة بملعب الثمامة ما شقته السياسة وتجمع ما فرقته؟!"

وأكد حمادي أن "الشعبين الشقيقين تجمعهما الجغرافيا والثقافة الواحدة والتنوع المشترك كالشجرة الواحد أصلها ثابت وفروعها في السماء، تؤتي من كريم الأخلاق والضيافة والأخوة ما يعلو فوق كل خلاف".

وأشار إلى أنه "في كل المناسبات تتحول جماهير المغرب إلى المساند الأول للفريق الجزائري، كما خرج الشعب المغربي إلى الشوارع للاحتفال بتتويج منتخب الجزائر بكأس أمم إفريقيا سنة 2019، كما شارك عاهل البلاد محمد السادس احتفالاته وبعث بتهنئة للجزائر".

وختم حمادي حديثه لـ"الاستقلال" بالقول: "كرة القدم كانت ولا تزال تجمع الشعبين متجاوزة خلافات السياسة ومناكفات السياسيين فقرابة الدم والجغرافيا فوق كل الخلافات".