ولد اجاي يدير "سنيم".. لماذا لم يعزله رئيس موريتانيا رغم تهم الفساد؟

12

طباعة

مشاركة

"الوطنية للصناعة والتعدين" (سنيم)، هي أكبر شركة موريتانية على الإطلاق، وثاني أكبر شركات الحديد في القارة الإفريقية، تنقيبا واستخراجا ومعالجة وتصديرا.

تستخرج الشركة خامات الحديد من المناجم التابعة لها في مدينة زويرات بأقصى الشمال الموريتاني، وتنقلها عبر قطار إلى مدينة نواذيبو حيث تصدر خامات الحديد إلى الأسواق العالمية في أوروبا والصين.

المدير العام للشركة هو المختار ولد اجاي الذي تلاحقه تهم فساد منذ حقبة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، أبقى عليه الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني في إدارة الشركة التي تمثل عصب الاقتصاد الموريتاني، ما جعل البعض يتساءل عن سر قوته.

شريان الاقتصاد

مؤخرا أعلن ولد اجاي، المدير العام للشركة المملوكة للدولة الموريتانية بنسبة 78.35 بالمئة، والمتخصصة في استغلال مناجم الحديد، أن "الشركة حققت في عام 2020 مستوى إنتاج مشجع، رغم الآثار السلبية لوباء فيروس كورونا".

وأوضح أن الشركة "باعت 12.5 مليون طن، وتمثل هذه المبيعات زيادة كبيرة عن مبيعات عام 2019"، واعتبر هذا التفاؤل بشرى سارة للبلاد التي تعاني اقتصاديا، خصوصا وأن "سنيم" تشغل 6000 موظف، وتعتبر بذلك المشغل الأول للموريتانيين بعد الوظيفة العامة.

تمثل صادرات الشركة بشكل رئيس إلى الصين واليابان وألمانيا في المتوسط ​​15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، و37 بالمئة من عائدات التصدير، وتوفر 30 بالمئة من إيرادات الدولة.

تبنت الشركة "خطة تطوير إستراتيجية" (2020-2026) تهدف إلى مضاعفة إنتاجها من خام الحديد إلى 24 مليون طن، والتي تم تمويلها بالفعل (90.5 مليون يورو)، من قبل الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي (FADES).

وتدور خطة التطوير هذه أيضا حول تجريف قناة ميناء نواذيبو المعدني (110 مليون دولار)، والتي من شأنها أن تجعل من الممكن استيعاب السفن.

حافة الإفلاس

لا يزال بعض المراقبين يشككون في نجاح هذا المشروع، إذ لم تتمكن "سنيم" من تجاوز 13 مليون طن من الإنتاج، بما في ذلك سنوات الازدهار من 2010 إلى 2014 عندما تضاعف السعر العالمي للخام 4 مرات ليصل إلى 187 دولارًا للطن، ونشرت إدارتها بعد ذلك خطة تهدف إلى إنتاج 40 مليون طن ظلت حبرا على ورق.

عائق آخر، وهو انهيار سعر الحديد عام 2014 إلى 40 دولارا للطن، ما تسبب في خسارة عام 2015 تعادل 50 بالمئة من حجم مبيعات الشركة ووضع شركة "سنيم" على حافة الإفلاس. 

تملك الدولة أكثر من 78 بالمئة من رأس مال الشركة، ويملك البنك الكويتي الصناعي نحو 7 بالمئة من رأسمالها، وتملك الشركة العربية للتعدين (مقرها الأردن) أكثر من 5 بالمئة من رأسمالها، في حين تعود البقية إلى مساهمين آخرين بنسب أقل في رأس المال.

تعمل شركة سنيم في مجال جغرافي يقع في الشمال والشمال الغربي الموريتاني، بين مدينتي زويرات بأقصى الشمال ونواذيبو على شاطئ المحيط الأطلسي، حيث تستخرج وتعالج الخامات في ضواحي مدينة زويرات قبل أن تنقل عبر قطار معدني للسكة الحديدية نحو ميناء نواذيبو.

وتسوق الشركة منذ عام 1963 خامات الحديد المستخرجة من منجم "الكلابة" في تيرس بالشمال الموريتاني، ثم تنقل المنتجات بواسطة قطارات للمعادن نحو ميناء نواذيبو على بعد 700 كيلومتر يمكنه استقبال سفن تصل حمولتها إلى 250 ألف طن، ومن ثم ترسل نحو الزبائن الموجودين أساسا في دول من أوروبا الغربية وفي الصين.

وتعمل الشركة على استغلال فئتين من الخامات: الهيماتيت (أكسيد الحديد الثلاثي) الموجود بمنجمي "كدية الجل" وهو عبارة عن مرتفعات جبلية تمتد على 30 كيلومترا في ضواحي زويرات.

والمنجم الثاني "لمهودات" وهو عبارة عن سلسلة طولها 14 كيلومترا تقع على بعد 60 كيلومترا من زويرات، واكتشف نهاية الثمانينيات، أما الخام الثاني فهو المغناطيس (أكسيد الحديد الأسود).

صفقات مشبوهة

حققت الشركة في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبدالعزيز، أرباحا مهولة في استثمارات بعيدة عن التعدين (الفنادق والتأمين والمستشفيات والمطارات)، لكنها صفقات شابها الكثير من الغموض.

اعتبر النظام القديم "سنيم" كبقرة حلوب، وهو ما أثبتته لجنة التحقيق التي شكلها البرلمان في عهد محمد ولد الغزواني، للتحقيق في المخالفات التي وقعت خلال حكم ولد عبد العزيز (2008-2019).

وفي يوليو/تموز 2020، أصدرت اللجنة تقريرا سلطت فيه الضوء على اعتماد الدولة "الخطير" على "سنيم".

ووفقًا للتقرير، تم إنشاء مؤسسة "سنيم" للأعمال الاجتماعية، في 2007 لتنمية المناطق القريبة من المنجم ولمكافحة الفقر حول الزويرات (الشمال الموريتاني على الحدود مع مناطق الصحراء الغربية) ونواذيبو (ساحل المحيط الأطلسي)، وقد قامت بالفعل ببناء المساجد والمدارس القرآنية، وتوزيع المستلزمات المدرسية والطبية.

لكنها بالمقابل، مولت معهدًا لفيروسات الكبد، واشترت القمح المغشوش لهيئة الأمن الغذائي، ومولت مشروع نظام المراقبة بالفيديو للرئاسة.

ويخلص التقرير إلى أن "هذا الوضع يشكل انتهاكًا صارخًا لنصوص المؤسسة ومعايير الإدارة ويمكن أن يكون سببًا للعديد من الاختلاسات المالية واختلاس أموال عامة".

هناك عاملان يشيران إلى أن "سنيم" قد تسترجع نجاحها، بحسب مجلة "جون أفريك"، الأول هو الزيادة العالمية في سعر الحديد الخام، والتي تجاوزت 160 دولارًا للطن، ومن المنتظر أن توفر للشركة التدفق النقدي اللازم لتنفيذ "خطتها التنموية الإستراتيجية".

والعامل الثاني، وفق المصدر ذاته، هو أنه على عكس سلفه، يريد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي انتخب في 2019، أن تحترم  الشركات العامة قواعد الإدارة التقليدية وألا تكون بمثابة أموال طائلة للسلطة، أو ملاحق لميزانية الدولة، لكن إبقاء المختار ولد اجاي على رأسها يشكك في فرضية المجلة الفرنسية.

ملف الفساد

وفق متابعين، فإن الحرب على الفساد في موريتانيا كانت مجرد أداة في يد الرئيس الجديد "ولد الغزواني" وفريقه ضد صديقه "اللدود"، ورفيق دربه لعقود في المؤسسة العسكرية وفي الحكم، الرئيس السابق "ولد عبد العزيز"، حسبما يقول ولد الندى.

وفي يونيو/حزيران 2020، استمعت لجنة التحقيق البرلمانية لمدير الشركة الموريتانية للصناعة والمناجم (سنيم) المختار ولد اجاي، كما استمعت أيضا لممثل الشركة بنواكشوط حول صفقات "خيرية سنيم".

وأنشئت "خيرية سنيم" سنة 2007 وهي جمعية ذات نفع عام وتشكل الذراع الاجتماعي للشركة، حيث تساعد السكان المحليين في الولوج إلى الخدمات الأساسية.

وفي هذا الإطار قامت بين عامي 2007 و2012 بإصلاح وبناء وتجهيز مراكز صحية ومدارس ومساجد ومراكز تجارية وآبار وسدود وغيرها.

وقالت تقارير إعلامية موريتانية، صدرت يوم 11 يناير/كانون الثاني 2021، إن مديرية الجرائم الاقتصادية والمالية ستستدعي الوزير الأول الأسبق يحي ولد حدمين، من أجل التوقيع على المحاضر التي أسفر عنها "البحث الابتدائي" المستمر منذ عدة أشهر، قبل إحالتها إلى النيابة العامة.

وأفاد موقع "صحراء ميديا" نقلا عن مصادر خاصة، بأن الاستدعاء سيشمل وزير المالية الأسبق الذي يتولى حاليا إدارة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم "سنيم" المختار ولد اجاي، من أجل التوقيع على محاضر "البحث الابتدائي"، والتي تجري في إطار ملفات "تحقيق العشرية" السابقة.

أزعج تعيين المدير العام السابق للضرائب (2010-2015) ووزير المالية الأسبق (2015-2019) في بداية سبتمبر/أيلول 2019 على رأس الشركة الوطنية للصناعة والتعدين الموريتانية (سنيم) العديد من الأصوات في موريتانيا. 

ويرى المعارضون للقرار في المختار ولد اجاي (45 عاما)، رجل الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وأثار اجاي سخط العديدين، عندما بالغ في التفاؤل في 2015-2016، في ذروة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي ولدت من انهيار سعر الحديد.

ويعتقد تحليل نشرته مجلة "جون أفريك" الفرنسية، أنه بتعيين المختار ولد اجاي على رأس سنيم، فإن الرئيس الغزواني، الذي لا يثق به بشكل كامل، يوجه ضربة مزدوجة.

فمن ناحية يطمئن عشيرة سلفه، التي كانت غاضبة لضعف تمثيلها في حكومة الشيخ سيدا، ويتحدى الوزير السابق للالتفاف على شركة تضررت من الالتزام بالاستثمار في قطاعات بعيدة عن اختصاصها وفق ما فرضته الحكومة السابقة.

الكاتب والصحفي محمد ولد الندى، يرى أن إبقاء اجاي مديرا عاما للشركة التي توصف بأنها شريان الاقتصاد، إلى جانب تعيين بعض المشمولين في ملف الفساد، "محاولة لتقسيط ردة الفعل على محاولات طي هذا الملف، أو قصره على أشخاص محدودين، وملفات محدودة، وذلك عبر تعيين المشمولين فيه بشكل تدريجي، واستغلال عامل الزمن في ذلك".

الصحفي الموريتاني دلل على وجهة نظره في تصريح للاستقلال بقوله: "يدعم ذلك اقتصار الاحتجاج والاعتراض على نواب المعارضة دون غيرهم من نواب الموالاة الذين يشكلون أغلبية داخل البرلمان".