لجنة "النموذج التنموي" بالمغرب.. كيف سحبت الصلاحيات من الحكومة؟
.jpg)
في ديسمبر/ كانون الأول 2019، عيّن ملك المغرب محمد السادس، أعضاء لجنة النموذج التنموي الجديد، وأسند رئاستها لوزير الداخلية الأسبق وسفير المغرب في باريس، شكيب بنموسى.
وفي يونيو/ حزيران 2020، وافق الملك على تمديد المهلة المخصصة للجنة النموذج التنموي، لستة أشهر إضافية، بسبب التحديات التي طرحها فيروس كورونا على الاقتصاد المغربي.
فرض الوضع الجديد تعميق النقاش داخل اللجنة ومع الهيئات والشخصيات التي يمكنها أن تساهم في إغناء التصور المنتظر، وأيضا النظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي ستنجم عن الفيروس.
تركز اللجنة على بلورة تصور للحماية الاجتماعية، إذ تعيش أكثر من 5 ملايين أسرة من العمل في القطاع غير المهيكل (عمالة غير منتظمة)، وكذا على وضعية الطبقة المتوسطة المهددة بعض فئاتها بالسقوط في الفقر.
على بعد شهرين من تقديم اللجنة تقريرها للملك، تحدثت تقارير صحفية عن مقترحات محتملة بتعديل دستور 2011، بعد أن توصلت اللجنة إلى أن الدستور المعدل منح صلاحيات سياسية أكبر للحكومة لكن لم ينتج عنها إصلاحات تنموية، فهل تقترح الأخيرة سحب صلاحيات من الحكومة، منحت لها في 2011؟.
الطيف السياسي
سارع المغرب إلى تعديل الدستور في 2011، مباشرة بعد الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها المملكة بالتزامن مع "الربيع العربي"، ومنح الدستور الجديد صلاحيات أوسع لرئيس الحكومة، الذي حل محل الوزير الأول.
الدستور الجديد نص على أن رئيس الحكومة هو المسؤول، بمعية فريقه الحكومي، عن وضع السياسات العمومية وتنفيذها، كما خول له صلاحية "اقتراحهم، وإنهاء مهامهم، وقيادة وتنسيق العمل الحكومي، والإشراف على الإدارة العمومية".
تعزيز مشروع الدستور لصلاحيات الحكومة وتمتعها بسلطات أكبر، توخى استحضار رهان التفعيل الأمثل، وتمكين هذه المؤسسة من ممارسة مهامها في إطار اختصاصات محددة المعالم، وفي الوقت ذاته، جعلها مسؤولة أمام مجلس النواب (البرلمان)، وبالتالي أمام الشعب.
رسم الملك للجنة هدفا يتمثل في بلورة نموذج يعطي دفعة جديدة للاقتصاد، ويساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وحدد للجنة النموذج التنموي التي تضم 35 عضوا مهمة ثلاثية: تقويمية واستباقية واستشرافية، مشددا على ضرورة الخروج بتوصيات للنموذج التنموي الجديد، واقتراح آليات التفعيل والتنفيذ والتتبع، وتحديد المقاربات الكفيلة بجعل المغاربة يمتلكون النموذج.
عيّن الملك مسؤولين كبارا في الدولة وخبراء أكاديميين وكفاءات وخبرات من خارج الطيف السياسي والحزبي، منهم مقيمون داخل البلاد وآخرون يعيشون خارجها.
خطوة الملك جاءت بعد أن أجمعت تقارير محلية ودولية على أن النمو الاقتصادي في المغرب "هش" ورهن التقلبات الموسمية، في ظل عدم كفاية مساهمة الصناعة، وهو ما لا يساهم في توفير ما يكفي من فرص العمل وتقليص الفوارق الاجتماعية.
أشارت التقارير إلى أن المغرب ينجز استثمارات عمومية في حدود 30% من ناتجه الإجمالي المحلي، غير أن مردوديتها تبقى دون الانتظارات، وهو ما يتجلى على مستوى النمو الاقتصادي الذي يبقى دون 3.5%.
ويعتقد خبراء أن تلك الاستثمارات كان يفترض أن تساعد المملكة على تحقيق معدل نمو في حدود 5%.
ودأبت المندوبية السامية للتخطيط (حكومية)، في الأعوام الأخيرة، على التأكيد في ظل ضعف النمو واتساع دائرة بطالة الشباب، خاصة الخريجين منهم، على ضرورة تملك المغرب لمصيره الاقتصادي.
الدراسات التي تنتجها المندوبية السامية للتخطيط حول القطاعات الإنتاجية المحلية الواعدة التي يتوفر فيها المغرب على امتياز تنافسي، تشدد على ضرورة عدم التركيز على الاستثمارات المنجزة من قبل شركات أجنبية دون قيمة مضافة كبيرة.

اختلافات إيديولوجية
عقدت اللجنة، إلى حدود يوليو/ تموز 2020، 180 جلسة إنصات وورشة عمل، بمشاركة 1200 شخص من مختلف مؤسسات المجتمع تم الإنصات لهم.
كما تم إعمال آليات التشاور الموسع عبر مشاورات مكتوبة التي تلقتها اللجنة من خلال المنصة الرقمية أو لقاءات المواطنين ومساهمات التلاميذ ومشاريع الطلبة والندوات المعتمدة، ووصلت اللجنة وفق تصريحات رئيسها في ندوة صحفية، إلى نحو 6200 مساهمة.
خلصت النتائج الأولية للقاءات اللجنة إلى أن "المجتمع المغربي له انتظارات كبيرة في العدالة الاجتماعية والوطنية وإعادة الاعتبار لها في التنمية في علاقتها بالخدمات العمومية التي تدهورت خلال السنوات الأخيرة من شغل وتعليم وتغطية صحية ونقل عمومي" في ظل شعور قوي بـ"اللامساواة" والتهميش ورفض منطق الإعانة ذات العلاقة بكرامة المواطن.
شكيب بنموسى -الذي اتهم بإبلاغ سفيرة فرنسا في المغرب بما توصلت إليه اللجنة قبل عرض التقرير على الملك- سجل أن عددا من الأطراف رصدت أن "هناك فرقا بين المقتضيات الدستورية وطريقة تنزيلها في الواقع من حريات، مع عودة موضوع الحكامة في علاقته بتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والريع والرشوة وتضارب المصالح".

ورأى بنموسى أن "تعزيز الحريات العامة وحرية الثقافة والإبداع والتعددية وتقوية المشاركة في الشؤون العامة والمحاسبة وتعزيز الحريات العامة يحظى بأولوية".
محمد الطوزي دكتور العلوم السياسية والمستشار في عدد من المنظمات الدولية، عضو لجنة النموذج التنموي، وذهب إلى القول: "إننا نفكر في إعادة إصلاح الدولة، وإن بداية المشوار هي المحلي لا المركزي، وهو ما يتطلب تطويرا قانونيا ومؤسساتيا ومراجعة العقليات لتحقيق التوزان بين المركزي والمحلي".
في الندوة الصحفية نفسها، شدد الطوزي وهو متخصص بارز في شؤون الحركة الإسلامية المغربية، على أن "عمل اللجنة ليس تقنيا بل هو سياسي، وأن أعضاء اللجنة توصلوا إلى قناعات مشتركة حول تصور للمغرب وماذا يريد لبناء الثقة".
في ديسمبر/ كانون الأول 2019، وبعد يومين من تعيين عاهل البلاد للجنة انتقد رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، تشكيل لجنة للنموذج التنموي من "تيار واحد".
جاء ذلك في كلمة لبنكيران خلال المؤتمر السابع لـ"نقابة الاتحاد الوطني للشغل"، وأضاف تعليقا على تشكيل اللجنة: "يجب عدم الاستسلام أو الجلوس في البيوت، يجب البقاء في الساحة، وإن اقتضى الأمر العودة إلى المعارضة والتخلي عن الحكومة"، في إشارة لحزب العدالة والتنمية (قائد الائتلاف الحكومي)، الذي ينتمي له وكان رئيسه السابق.
بنكيران اعتبر أن اللجنة "تضم تيارا واحدا، وأشخاصا يشككون في الدين، ولا تحترم التوازن المطلوب"، على حد تعبيره.

تحصيل حاصل
باحث في العلوم السياسية عبد المنعم لزعر، لفت إلى أن اللجنة الخاصة بإعداد النموذج التنموي هي لجنة مطوقة برهانات وحدود وقيود رسمية، خرجت للوجود بناء على ترتيبات وسياقات وأسئلة استدعت الاستثمار في نوعية معينة من الكفاءات والنخب.
وأضاف متحدثا لصحيفة "الاستقلال": "إذا ما استحضرنا المقولات التي تقول إن تحديد ما ستفعله اللجنة يتوقف على معرفة حيثيات وبنية تشكيلها، يمكننا القول إن مجالات تدخل اللجنة هي مجالات الاختصاص النوعي لأعضائها".
وأضاف لزعر: "بمعنى أن كل بروفايل يؤثث تشكيلة اللجنة يترجم بشكل ضمني مساحات التحرك المسموح لها، وفي جميع الحالات فإن اللجنة ستصدر تقريرها، إذا ما استحضرنا مفردات بيير بورديو (عالم اجتماع فرنسي) بصيغة تراعي الأصول أي بصيغة تحترم القواعد والرهانات والقيود الرسمية".
وقال خبير العلوم السياسية: "عندما نتحدث عن الدستور وإصلاح الدستور فإننا نتحدث عن عرض قد يكون مندمجا ضمن ترتيبات رسمية وقد يكون مندمجا ضمن سياقات مجتمعية".
وزاد موضحا: "كل عرض يتم تقييم جدواه باحتساب العائد والتكلفة من وراء تقديمه، خاصة وأن العوامل المحددة في تسعير هذا العرض لا تحددها القواعد الرسمية فقط، بل هي عملية منفتحة على الدينامية المجتمعية، بمعنى أن تقديم هذا العرض من عدمه يرتبط بسؤال هل هناك حاجة مجتمعية لتقديم عرض دستوري جديد من قبل لجنة توصف بأنها رسمية؟".
في ضوء هذه الملاحظات يمكن القول: إن اللجنة عند تقديمها للتقرير ستنصاع للقواعد التي أنشأتها، بحسب دكتور العلوم السياسية، ومهما اجتهد أعضاؤها وأبدعوا في الانفتاح على المقترحات من خارجها فإنها لن تخرج عن الإطار المرسوم لها وفق الأصول.
وأوضح لزعر أنه "عندما أتحدث عن الأصول فأنا لا أعني أن الدستور الحالي هو جزء من الأصول، هو فقط جزء من القواعد التي يتعين على اللجنة أن تضع بعدها المعياري صوب أعين أعضائها".
قبل أن يستطرد قائلا: "لكن إذا كان من مهام اللجنة إعادة النظر في الجانب المعياري من الأصول، فإن الدستور سيتحول من قواعد ملزمة لأعضاء اللجنة إلى قواعد متجاوزة في نظر اللجنة، وفي هذه الحالة سيكون كل شيء ممكنا".
وتابع: "هنا أتحدث عن دستور 1996، والجواب هو أن ما يسمح به الحقل السياسي وتسمح به السياقات يتجسد كروح في الممارسة أولا ثم كمعايير في النص ثانيا، باعتبار أن المعايير الدستورية هي امتداد لمعايير اجتماعية".
وختم الباحث بالقول: "هنا أرى أن دستور 2011 مازال لم يتجسد كروح في الممارسة السياسية والاجتماعية رغم تجسده كمعايير في النص والوثيقة الدستورية، وبالتالي فإن أي تغيير هو مجرد تحصيل حاصل".
المصادر
- المغرب: لجنة النموذج التنموي تقرر الاستماع من جديد إلى عدد من الهيئات السياسية
- بنكيران ينتقد "لجنة النموذج التنموي" ويدعو إلى "عدم الاستسلام"
- تعزيز صلاحيات الحكومة وتمتيعها بسلطات أكبر من أهم مستجدات مشروع الدستور الجديد
- هل توصي لجنة "النموذج التنموي الجديد" بتعديل الدستور المغربي؟
- عاهل المغرب يمدد مهلة وضع النموذج التنموي الجديد ستة أشهر بسبب كورونا















