"العفو الملكي" بالمغرب.. كيف يوظفه النظام لتوسيع قاعدته الشعبية؟

الرباط - الاستقلال | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

755 محكوما هو عدد السجناء الذين حصلوا على "العفو الملكي" بالمغرب من العقوبة أو ما تبقى منها، وشمل "العفو" في عيد الفطر الماضي، 107 من المعتقلين في قضايا حراكي الريف وجرادة (مناطق مغربية).

يبدو من خلال تدوينة نشرها وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان مصطفى الرميد، عبر حسابه على فيسبوك عقب القرار أن العفو سيشمل باقي المعتقلين في الحراك، والذين طالتهم أحكام تصل إلى 20 سنة نافذة.

الأحكام الثقيلة أججت الشارع المغربي، وجعلت صور المعتقلين والمطالبات بالإفراج عنهم تتردد في كل المسيرات أيا كان موضوعها أو سبب خروجها. فهل تستخدم أعلى سلطة في البلاد بطاقة "العفو الملكي" المقتصرة على الملك لامتصاص أصوات الشارع؟ وزيادة شعبيتها وجماهريتها بين المواطنين؟

حصري للملك

لا يوجد أي قانون تنظيمي يؤطر حيثيات العفو ويضبط حالات استعماله، فهو يُمارس في سرية تامة، من طرف المؤسسة الملكية، يتم تقنينه بالظهير الشريف (مرسوم يصدر من الملك) رقم 387-57-1، الذي صدر في 21 فبراير/ شباط 1958. وهو الظهير الذي عُدّل في بعض المحطات، بسبب الضجة التي أثيرت حول العفو الملكي.

"العفو الملكي" ممارسة متداولة في التاريخ السياسي بالمغرب، وتم تكريسها من خلال دستور 1962، الذي منح للملك وحده الصلاحية في إصدار العفو، وقسم الدستور العفو إلى نوعين.

الأول شامل وعام، ويكون بنص تشريعي يمحي الصفة الإجرامية فيصبح في حكم المباح، ويمحو الدعوى العمومية ويمكن أن يصدر قبل أو أثناء إقامة الدعوى العمومية أو بعد صدور الحكم فيها. 

وغالبا ما يتعلق العفو العام بوقائع إجرامية معينة وقعت في زمان ومكان معين، ويُستفاد منه بطلب من السجين أو من أقاربه أو أصدقائه، أو من النيابة العامة أو من المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

أما النوع الثاني، وهو العفو الخاص، فهو بمثابة منحة أو قرار صادر عن ملك البلاد لفائدة المحكوم عليه، ويكون شخصا بعينه، ويصدر في مناسبات دينية أو وطنية، وتدرس ملتمسات العفو لجنة خاصة يترأسها وزير العدل.

إلى جانب الديوان الملكي، توجد لجنة "الشؤون الجنائية والعفو" وهي المسؤول الأول عن تحديد لوائح من لهم الأحقية في الاستفادة من العفو، وتتكون اللجنة من وزير العدل، بصفته رئيسا لهذه اللجنة، إلى جانب مدير الديوان الملكي، والرئيس الأول لمحكمة النقض، والوكيل العام لدى هذه المحكمة.

كما تضم اللجنة في عضويتها مديري الشؤون الجنائية والعفو وإدارة السجون، بالإضافة إلى ممثل عن هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية يعينه وزير الدفاع، إذا كان الأمر يتعلق بعقوبات أصدرتها المحكمة للقوات المسلحة، ويمكن أن ينوب عن كل هؤلاء ممثل عن كل واحد منهم.

"العفو عن مغتصب الأطفال الإسباني دانييل كالفان"، من الأخبار التي أثرت ضجة كبيرة في المغرب سنة 2013، عندما اكتشف نشطاء مغاربة أن لائحة العفو الملكي شملت مدانا باغتصاب الأطفال لم يقض سوى فترة وجيزة من عقوبته السجنية.

احتجاجات المغاربة في الشارع والحملة التي خاضتها وسائل الإعلام المستقلة ضد القصر، جعلت ملك المغرب يتراجع عن قراره ويستقبل أسر الضحايا في قصره ليعتذر عن خطئه، قبل أن يتراجع عن قرار العفو ويصدر مذكرة بحث دولية (الإنتربول) عن المجرم الذي كان قد غادر المغرب آنذاك، قبل أن يسجن من جديد. 

القضية كشفت عن الارتجالية التي تصاغ بها قوائم العفو الذي من المفترض أن له شروطا تنظمه، ما جعل الناشطين والحقوقيين في المغرب يطالبون بإلغاء العفو.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي أثير فيها اللغط حول العفو، إذ يتم تداول أخبار عن عمليات نصب أبطالها مسؤولون في الجهاز الأمني أو القضائي، وضحاياها معتقلون يقدمون مبالغ مالية كبيرة للحصول على العفو. 

تلميع الصورة

بدأ العهد الجديد من الملكية في المغرب سنة 1999، عندما توفي الملك السابق الحسن الثاني وتولى العرش ولي عهده محمد السادس. حاول الأخير القطع مع الماضي في انتهاكاته في مجال حقوق الإنسان.

شيد الحسن الثاني سجونا سرية كان يعتقل فيها معارضين ويعذبهم، في فترة سميت فيما بعد بـ"سنوات الرصاص"، إذ شهدت اعتقالات لأسباب سياسية واختطافات وتعذيب المعارضين. وأشرفت هيئة الإنصاف والمصالحة (الحكومية) في عهد النظام الجديد على بحث ملفات الاعتقال السياسي منذ استقلال المغرب عام 1956 وحتى عام 1999.

عقد الملك الجديد مصالحة مع ماضٍ دوّنه والده على صفحات التاريخ بدماء المعارضين السياسيين. وأبرزهم أبرهام السرفاتي، الذي قضى أزيد من 25 سنة في معتقل سري، بسبب مواقفه الصريحة تجاه الملك والعديد من القضايا بالمغرب. قبل أن يُفرج عنه ويُرحّل خارج المغرب بداعي أنه يحمل جنسية برازيلية، لكنه عاد في عهد الملك الحالي.

المهدي بن بركة، هو أشهر المعارضين المغاربة إذ جمعته علاقته الندية مع الحسن الثاني، منذ اختفائه سنة 1965، لا زالت أسرته لا تعلم مكانه، وتحدثت روايات عديدة عن تذويب  جثته وإحضار رأسه للملك الراحل الذي طالب به.

وفي حين كان الملك الراحل مهتما كبيرا بالسياسة ومجابها لمعارضيه، ينصرف الملك الحالي إلى المجال الاقتصادي، وقدّرت مجلة "فوربس" الأمريكية قيمة أملاكه الخاصة بملياري دولار سنة 2007، وصنفته من أغنى ملوك العالم. 

في كتابه "الملك المستحوذ" قارن الصحفي الفرنسي المخضرم إريك لوران، الذي كان صديقا للحسن الثاني بين عهدي الملك محمد السادس وعهد والده.

لوران قال إن الحسن الثاني كان منتبها جدا لعدم تداخل السلطة والمال، وأنه كان يشعر بالقلق من انخراط أفراد من العائلة الملكية في مجال المال والأعمال. في حين يرى المؤلف أن الملك الحالي يبدو منصرفا أكثر لتنمية ثروته الشخصية.

طلب محمد السادس منذ توليه العرش أن يحمل لقب "ملك الفقراء"، إذ يركز الملك على التسويق لصورة الملك القريب من شعبه والمهتم بمشاكلهم الاجتماعية، ويظهر ذلك من خلال خطبه وحضوره على شبكات التواصل الاجتماعي، ويدخل العفو الملكي ضمن هذا النهج. 

متنفس سياسي

رسمت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها السنوي الصادر في يناير/ كانون الثاني الماضي، صورة قاتمة حول الوضعية الحقوقية بالمغرب، إذ وقفت على أبرز المحطات الحقوقية التي شهدتها المملكة طيلة سنة 2018.

يحرص النظام في المغرب على إخماد شرارة الاحتجاجات في بدايتها، كما حصل في فبراير/ شباط 2011، عندما خرج عدد من المغاربة تفاعلا مع موجة الربيع العربي في البلدان المجاورة، وطالبوا بملكية برلمانية.

أسرع النظام بالإعلان عن انتخابات سابقة لأوانها تولى بعدها الإسلاميون الحكم، بعد أن اختارتهم الصناديق، وتم تعديل الدستور بمنح رئيس الحكومة صلاحيات أوسع، لكن سرعان ما تغير الوضع بعد انتهاء الولاية الأولى. 

يتعامل النظام في المغرب، بنفس المنطق، إذ يسارع إلى إقرار قرارات اجتماعية أو سياسية تُسكت أصوات الشارع قبل أن تعلو. من بين هذه القرارات العفو الملكي الذي يصنفه البعض متنفسا سياسيا لامتصاص غضب شعبي، ويرونه المنفذ والحل الوحيد للأزمة، في حال أرادت الدولة إظهار حسن النية للتعامل بمقاربات أخرى غير المقاربة الأمنية.

أستاذ القانون الدستوري عبد الرحيم العلام اعتبر في تصريح صحفي أن "محاولة بناء واقع سياسي جديد، كما وقع حين تم العفو عن مجموعة من المبعدين (معارضو الحسن الثاني) فهو عفو خاص لم يمارسه الملك والمغرب يمر من أزمة، وإنما كان الهدف منه، حسب العهد الجديد التأسيس لمرحلة سياسية جديدة، لأن الملك كان بحاجة إلى كل الأصوات الداعمة، ولم يكن راغبا في استمرار القلاقل السياسية".

أما في حالات أخرى، فقد يكون العفو رغبة في استقطاب بعض النخب السياسية، والعمل على دمجها في مؤسسات الدولة وفقا لأجندة خاصة، وفي ظرف سياسي معين.