بعد 8 سنوات من الإعفاء التعسفي.. هل ينصف القضاء كوادر العدل والإحسان؟

“الحملة لا يمكن إلا تصنيفها ضمن مؤشرات الردة الحقوقية”
بعد مرور 8 سنوات على قرار عدد من الوزارات المغربية إعفاء نحو 180 موظفا من مناصبهم، أغلبهم من جماعة “العدل والإحسان”، بحجة الانتماء السياسي، مازال ضحايا الملف ينتظرون الإنصاف.
وشملت الإعفاءات التي وصفتها الجماعة بـ"التعسفية" مختلف القطاعات الحكومية، خصوصا قطاع التعليم الذي شهد 75 بالمئة من المعفين.
صم الآذان
وقال عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للعدل والإحسان، أبو الشتاء مساعف: إن "قضية المتضررين من الإعفاءات التعسفية بعد مرور 8 سنوات على ارتكابها تُضاف إلى لائحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، الذي يرأس للأسف مجلس حقوق الإنسان الدولي في هذه الدورة".
وتأسّف مساعف عبر حسابه على “فيسبوك” في 10 فبراير 2025 "لتجاهل الدولة لملف أصحاب الإعفاءات التعسفية ونهج سياسة صم الآذان تجاه القضية، وذلك رغم الإدانة الواسعة من قبل هيئات حقوقية ونقابية ومهنية وشخصيات وطنية وفعاليات مدنية لهذه القرارات التعسفية".
وشدد على أن “هذا المؤشر يدل على أن الدولة ماضية في خرق دستورها من جهة، ومُصرة على خرق مقتضيات القانون الأساسي للوظيفة العمومية”.
وأشار إلى أن الدستور ينص في فصله السادس على أن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة.. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية؛ متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له”.
كما جاء فيه أن السلطات العمومية تعمل على "توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية”.
وتابع مساعف موضحا أن القانون الأساسي للوظيفة العمومية بث في فصله الأول على أنه “لكل مغربي الحق في الوصول إلى الوظائف العمومية على وجه المساواة”.
وفي الفصل العشرين من نفس النظام قال: “يهيأ ملف خاص بكل موظف تسجل فيه وترقم وترتب بدون انقطاع جميع الأوراق التي تهم حالته المدنية وحالته العائلية وحالته الإدارية، ولا يجوز أن تدرج في هذا الملف أية إشارة لنزعات صاحبه السياسية والفلسفية والدينية”.
وفي 12 فبراير 2025، شهدت المديرية الإقليمية للتعليم بمدينة تارودانت (وسط)، وقفة احتجاجية لكوادر الإدارة التربوية المعفين “تعسفا من مهام الإدارة منذ ثماني سنوات”، وفق موقع جماعة "العدل والإحسان".
وذكر الموقع أن “الأطر المعفية في هذه الوقفة آزرها مجموعة من النقابات التعليمية خصوصا الفيدرالية الديمقراطية للشغل من خلال كلمة ألقاها كاتبها الإقليمي، ونقابة المتصرفين التربويين، وبعض مديري المؤسسات التعليمية”.
وفي كلمة ألقاها الإطار المُعفى، مصطفى العبسي مدير مؤسسة تعليمية سابقا، قال: إن “الذين نالهم هذا التعسف هم من خيرة أبناء هذا الوطن وشهد لهم الجميع بكفاءتهم التربوية العالية”.
وشدد على أن “الأثر السلبي لهذه القرارات الظالمة تجاوز هذه الأطر والكفاءات إلى الوطن والمواطنين، لافتا إلى أنه ”قد تم حرمان الوطن من هذه الكفاءات التي كان همها الوحيد والأوحد وما يزال هو النهوض بالمنظومة التربوية التعليمية، والنهوض بالبلد لكي يكون في مصاف الدول المتقدمة".
ودعا العبسي من أصدروا هذه القرارات إلى التراجع عنها، موضحا أنها “تحمل خرقا لمبادئ الدستور بصفته أسمى القوانين الوطنية، كما أنها تخرق قانون الوظيفة العمومية في فصوله التي تجعل المواطنين سواسية في ولوج الوظيفة العمومية، فضلا عن مخالفتها للقوانين والمواثيق الدولية”.
وأكد أن “الأطر التي تعرضت لهذا الظلم ستبقى محبة لهذا الوطن وفية له مهما حدث وأينما كانت وأينما ارتحلت”، مشيرا إلى أنها “ستبقى متمسكة بحقوقها وقد سلكت وتسلك كل السبل القانونية من أجل ذلك”.
ردة حقوقية
وقال الحقوقي والكاتب العام لـ"الفضاء المغربي لحقوق الإنسان"، الحسن السني، إن "الأساتذة المتضررين من قرارات الإعفاء، وعددهم حوالي 180 إطارا تربويا، تقدموا بدعاوى قضائية أمام المحاكم الإدارية المختصة، مطالبين بإلغاء قرارات الإعفاء من المهام الصادرة في حقهم، والمتسمة بالشطط في استعمال السلطة".
واستدرك السني موضحا لـ"الاستقلال" أن "المحاكم الإدارية قضت برفض طلباتهم، بعلة عدم ثبوت أي شطط في استعمال السلطة من جهة الإدارة".
وأشار إلى أن "الأساتذة عابوا على القرارات الإدارية، في دعاواهم أمام المحاكم، انعدام السبب، وخرق القانون والانحراف في استعمال السلطة".
وأوضح أنه في "بداية عام 2017 شنت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني حملة تصفية لما يربو على 180 إطارا من أسرة التربية والتعليم، القاسم المشترك بينهم هو انتماؤهم لجمعية (الجماعة الخيرية) المعروفة باسم جماعة العدل والإحسان، كما تؤكد ذلك مجموعة من البيانات الصادرة عن المركزيات النقابية والمنظمات الحقوقية".
واستطرد: "البيان الصادر عن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في 16 فبراير 2017، شدد على أن حملة الإعفاءات الممنهجة التي تخوضها أجهزة الدولة بحق المسؤولين في قطاعات حكومية مختلفة بسبب انتمائهم للعدل والإحسان، لا يمكن تصنيفها إلا ضمن مؤشرات النكوص والردة الحقوقية التي دشنتها الدولة المغربية قبل سنوات".
وشدد السني على أن "مخالفة الإدارة لهدف تحقيق المصلحة العامة يجعل قرارها معيبا بإساءة استعمال السلطة كما يعد تنكرا فاضحا للمقتضيات الدستورية المنصوص عليها في الفقرة الثانية من الفصل 154 التي تنص على وجوب خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور".
وأكد أنه "ثبت مما ذُكر أن القرار المطعون فيه لم تُمْله ضرورة تحقيق المصلحة العامة والحرص على حسن سير المرفق العام، وإنما اتخذ في مواجهة الأساتذة بسبب انتمائهم لجماعة العدل والإحسان".
من جانبه، قال عبد القادر أدواب: “8 سنوات مرت على الإعفاءات الجائرة في حق خيرة من رجالات وكفاءات الوطن”.
وشدد في تدوينة عبر فيسبوك في 12 فبراير، على أن “الحقوق لا تسقط بالتقادم لا بد من إنصاف ولا بد من تمكين ذوي الحقوق من حقوقهم”.
موجة الإعفاءات
وفي فبراير/ شباط 2017، أقدمت ثلاث وزارات (التعليم والفلاحة والمالية) على إعفاء عشرات الأطر من المنتمين إلى جماعة العدل والإحسان من المسؤوليات التي تقلدوها عبر سنوات من الترقي الوظيفي في مناصبهم.
ورأت الجماعة أنه “لم يكن هناك من مبرر قانوني لنزع المسؤوليات الإدارية من هؤلاء الناشطين سوى مبرر سياسي يحمل عنوان: الانتماء إلى جماعة الشيخ عبد السلام ياسين (مؤسس الجماعة). وكالعادة، الحكومة كانت آخر من يعلم”.
ولم يصدر أي بلاغ رسمي عن الجهات التي اتخذت القرار يشرح أسباب هذه الموجة من الإعفاءات لأطر مغربية، ومبررات هذه القرارات ودواعيها، والأهم، شرح الأساس القانوني الذي ارتكزت عليه… كل ما هنالك هو تعليمات شفوية، وقرارات بالهاتف، وتهرب من تحمل المسؤولية.
جماعة العدل والإحسان، أصدرت آنذاك بيانا منددا بهذه الحملة ضد كوادرها بسبب انتمائهم إلى جماعة قانونية تتوفر على الوثائق التي تثبت تأسيسها وفق قانون الحريات العامة، الذي استشهدت به عشرات الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم من أجل تبرئة مناضلي الجماعة من تهمة "الانتماء إلى جماعة محظورة".
وتأسست الجماعة نهاية سبعينيات القرن الماضي، على يد الشيخ عبد السلام ياسين (1928- 2012)، وتعدها السلطات "جماعة محظورة"، فيما تقول "العدل والإحسان" إنها حصلت على ترخيص رسمي في الثمانينيات.
وفي مقال رأي نشره موقع "اليوم 24" المغربي قال: إنه “من الناحية الحقوقية، فإن التضييق على أي مواطن في الإدارة لدواعٍ سياسية أمر مرفوض ومحرم في شرعة حقوق الإنسان، والإدارة التي تحترم نفسها وتتوفر على قدر ولو ضئيل، من حس المسؤولية، ومن الخوف على هيبة الدولة، لا تتعامل مع موظفيها على أساس انتمائهم الحزبي أو السياسي أو النقابي”.
وشدد المقال على أن "قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على البطش، وعلى إبعاد الخصوم، وعلى تصفية الحسابات مع المواطنين.. قوة الدولة تكمن في قدرتها على الاحتواء والإدماج وتليين الرؤوس الصلبة، والانفتاح على كل التيارات السياسية..".
وأضاف أن "أسوأ شيء تقوم به الدولة، أن تعزف لحنين متناقضين في الوقت نفسه؛ من جهة تبشر بدولة الحقوق والحريات، وتتجه لجعل سيرتها الحسنة في هذا المجال رأسمالا سياسيا ودبلوماسيا في الخارج، ومن جهة أخرى، تطلق يد الإدارة في انتهاك حقوق الإنسان، والتضييق على الخصوم بأساليب الماضي".
ورأى أن "هذا النوع من العزف لا يصنع سيمفونية، بل ضجيجا يؤذي السامعين…".