عودة الحجاج الشيعة إلى سوريا.. فرصة لإنعاش الاقتصاد أم بوابة لعودة توترات الحرب؟

قبل سقوط الأسد، كان آلاف الزوار ينشطون اقتصادا محليا يشمل الفنادق والمطاعم والمتاجر وخدمات النقل.
تبحث سوريا والعراق استئناف الزيارات الشيعية المنظمة إلى مرقد السيدة زينب قرب دمشق، في خطوة تبعث الأمل لدى التجار الذين ارتبطت أرزاقهم بالسياحة الدينية، لكنها تعيد في الوقت نفسه فتح أسئلة مؤلمة بشأن دور الجماعات المسلحة المدعومة من إيران خلال سنوات الحرب السورية.
جاء ذلك في تقرير نشره موقع "ذا ميديا لاين" الأميركي، أشار إلى أن المباحثات جرت خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى دمشق في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع.
واقترح الزعيمان تشكيل لجنة لتنظيم الزيارات وضمان سلامة الزوار، من دون الإعلان عن جدول زمني أو اتفاق نهائي.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، يغلق التاجر، علي الحسن متجره المقابل للمرقد، لكنه يرى في احتمال استئناف السياحة الدينية أملا في استعادة مصدر رزقه.
وقال الحسن للموقع: "كنت أبيع العطور والأقمشة التي يأخذها الزوار هدايا لعائلاتهم. كانوا يأتون من العراق وإيران ولبنان ودول أخرى عدة، وكانوا جميعا من الشيعة".
ويُعتقد تقليديا أن المرقد يضم قبر السيدة زينب، حفيدة النبي محمد ﷺ، ويُعد من أبرز وجهات الزيارة لدى المسلمين الشيعة.
وقبل سقوط الأسد، كان آلاف الزوار ينشطون اقتصادا محليا يشمل الفنادق والمطاعم والمتاجر وخدمات النقل.
وعلى الرغم من استمرار زيارات مجموعات صغيرة منذ تغير الحكم، تراجعت الزيارات الدينية المنظمة بشدة، وأُغلقت متاجر كثيرة، فيما باتت معظم الفنادق شبه خالية.
وأشار التقرير إلى أن احتمال استئناف النشاط أعاد إثارة مخاوف سوريين لا تزال ذاكرتهم مثقلة بانخراط الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في الحرب.
انفتاح دبلوماسي
كانت زيارة الزيدي الأولى لرئيس وزراء عراقي إلى سوريا منذ سقوط الأسد. وشملت مرقد السيدة زينب والجامع الأموي في دمشق، برفقة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
وأعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي تبرعه بـ 10 ملايين دولار من أمواله الخاصة، بواقع 5 ملايين دولار لكل من الموقعين.
وحملت الخطوة دلالات دينية ودبلوماسية؛ إذ يحظى مرقد السيدة زينب بمكانة مقدسة لدى المسلمين الشيعة، فيما يُعد الجامع الأموي من أبرز المواقع التاريخية في التراث الإسلامي السني.
وكان الشرع قد أكد لقناة "دجلة" العراقية أن المواقع الدينية الشيعية لا تزال مفتوحة، وأن سوريا تستعد لاستقبال الوفود العراقية، عازيا التأخير إلى مشكلات أمنية أعقبت انهيار النظام السابق.
ولا تزال حماية الزوار مصدر قلق. ففي يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت السلطات السورية إحباط مخطط لتنظيم الدولة لتفجير مرقد السيدة زينب، واعتقال أربعة مشتبه بهم.

ذاكرة الحرب
وخلال سنوات الحرب، قاتلت جماعات مسلحة عراقية ولبنانية مدعومة من إيران إلى جانب قوات الأسد، مبررة تدخلها في كثير من الأحيان بالدفاع عن المراقد الشيعية.
لكن أنشطة هذه الجماعات تجاوزت حماية المواقع الدينية إلى المشاركة في حملات عسكرية ضد المناطق الخاضعة للمعارضة. وتواجه القوات التي دعمت النظام السابق اتهامات موثقة بالقتل والتهجير والحصار وانتهاكات أخرى.
وفي محافظة إدلب، قال الناشط السياسي، بلال الخلف، للموقع: إن الفصائل العراقية المسلحة أسهمت في معاناة المدنيين وتدمير الأحياء السكنية.
ورأى أن المسؤولين عن جرائم الحرب ينبغي أن يخضعوا للتحقيق والملاحقة القضائية، لكنه شدد على ضرورة عدم تحميل الزوار الشيعة العاديين مسؤولية أفعال الجماعات المسلحة.
وأضاف الخلف: "لا ينبغي تحميل الزوار مسؤولية أفعال الجماعات المسلحة، كما لا ينبغي مطالبة الضحايا بنسيان ذكرياتهم أو التخلي عن حقهم في العدالة".
ولا تقتصر المخاوف من عودة الزوار على تداعيات النزاع المسلح؛ فقد استعاد نوفل الأحمد، المقيم في منطقة السيدة زينب منذ 40 عاما، ذكرياته عن المواكب الدينية الكبيرة التي كانت تغلق الشوارع، وتعرقل حركة السير والحياة اليومية للسكان.
وأبدى الأحمد انزعاجا خاصا من ممارسة "التطبير" علنا، وهي شعيرة عزاء يمارسها بعض المسلمين الشيعة، وتتضمن ضرب الرأس بأدوات حادة حتى يسيل الدم.
وترتبط هذه الشعيرة بإحياء ذكرى معاناة الإمام الحسين بن علي الذي قُتل في معركة كربلاء عام 680 للميلاد. ولا تزال موضع خلاف داخل المذهب الشيعي؛ إذ يعارضها بعض كبار المراجع الدينية لما تسببه من أذى جسدي.
وقال الأحمد للموقع: "كانت هذه الممارسات مزعجة، واختفت بعد سقوط الأسد. أما الآن، ومع احتمال السماح بعودة الوفود، فنأمل أن يؤدوا شعائرهم بشكل منظم ودون مشاهد دموية".
وأكد أنه لا يعارض الزيارات في حد ذاتها، وإنما يريد إقامة المراسم دون تعطيل الحياة اليومية في الحي.
وامتدت الاعتراضات إلى الأوساط الدينية السورية. ففي بيان صدر يوم الجمعة، عقب زيارة الزيدي، حذر "ملتقى دعاة الشام" من السماح لفصائل مسلحة متورطة في انتهاكات خلال الحرب باستعادة مواقع نفوذها تحت غطاء السياحة الدينية.
ودعا الملتقى إلى منع المتورطين في العنف أو التحريض الطائفي من استغلال التجمعات الدينية لاستعادة نفوذهم، مطالبا باحترام المقدسات الدينية والحد من الخطاب الذي قد يؤجج العداء الطائفي.

ضمانات رسمية
وأوضح أحمد أنور العلبي، المسؤول عن الأوقاف الدينية في وزارة الأوقاف السورية، أن الحكومة تعد زيارة المراقد الدينية حقا مشروعا تكفله حرية العبادة.
وأشار إلى أن السلطات تدرس تنظيم الزيارات عبر مجموعات محددة وفترات زمنية معلومة، بالتنسيق الأمني مع وزارة الداخلية والجهات المعنية الأخرى.
وقال العلبي: "الهدف ليس فرض قيود على الممارسات الدينية، وإنما ضمان أن تجري الزيارات بشكل منظم يحترم قدسية المكان والقوانين السورية".
واستبعد العلبي استغلال التجمعات الدينية لأغراض عسكرية أو سياسية، مؤكدا أن "زيارة مرقد السيدة زينب دينية بحتة، وليست مدخلا لنشاط عسكري أو استعراض للقوة المسلحة أو تعبئة سياسية".
وأضاف أن الترتيبات المرتقبة ينبغي أن تحظر حمل السلاح، والشعارات الداعمة للتنظيمات المسلحة، والأنشطة التي قد تؤجج الانقسامات الطائفية.
وشدد على أن الانتماء الديني أو الجنسية لا ينبغي أن يكونا أساسا للاشتباه، مؤكدا ضرورة إثبات المسؤولية عن جرائم الحرب بصورة فردية، استنادا إلى الأدلة والإجراءات القانونية.
ووضع التقرير مبادرة استئناف الزيارات ضمن جهود أوسع تبذلها دمشق وبغداد لإعادة بناء العلاقات بينهما بعد سقوط الأسد.
فخلال زيارة الزيدي، بحث الجانبان أيضا التجارة والاستثمار وأمن الحدود، إلى جانب إعادة تأهيل خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس الذي قد يتيح للعراق مسارا إضافيا لتصدير النفط عبر سوريا إلى البحر المتوسط.
ومن شأن استئناف السياحة الدينية أن يسهم في إنعاش اقتصاد منطقة السيدة زينب؛ حيث تعتمد مئات العائلات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الأنشطة التجارية والخدمية المرتبطة بالزوار.
وخلص التقرير إلى أن عودة أعداد أكبر من الزوار تتطلب اتفاق الحكومتين على ترتيبات تضمن سلامة الزوار والسكان، وتعالج المخاوف من استغلال الفصائل المسلحة إعادة فتح المرقد لاستعادة نفوذها.
وفي ختام التقرير، قال الحسن إنه يفكر في إعادة فتح متجره الذي اعتمد عليه في كسب رزقه لأكثر من عقدين، لكن أبوابه لا تزال مغلقة حتى الآن.


















