عاهل الأردن في مأزق.. غضب شعبي وقواعد أميركية تحت النار

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تبدو العلاقة بين الأردن والولايات المتحدة وكأن لها وجهين متناقضين، إحداهما تعكس مستوى عاليا من التعاون، بينما تكشف الأخرى عن خلافات.

فعلى الرغم من متانة التعاون الأمني بين عمّان وواشنطن، ظل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إطار علاقة يمكن وصفها بـ"الصديق اللدود" مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. 

وربما لا يكون ذلك السيناريو الأسوأ، في ظل رغبة قطاع واسع من الأردنيين في رحيل القوات الأميركية وإغلاق القواعد العسكرية التابعة لها.

جاء ذلك في تقرير نشرته مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية، سلط الضوء على المفارقة بين قوة الشراكة الأمنية وبرودة العلاقة السياسية بين الزعيمين.

وذكرت المجلة أن التعاون الأمني بين البلدين يسير بمستوى ممتاز، إذ ينتشر آلاف الجنود الأميركيين في المملكة، فيما رفض الملك عبد الله مطالب إيرانية بإخراج المنشآت العسكرية الأميركية من الأراضي الأردنية.

وقبيل اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، وخلال الأسابيع الأولى منها، نقلت الولايات المتحدة أعدادا كبيرة من جنودها المتمركزين في دول الخليج إلى مواقع داخل الأردن عُدت أكثر أمانا.

وفي سبتمبر/ أيلول 2026، وخلال تدريب عسكري واسع شارك فيه الجيشان، أشاد قائد القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، الأدميرال براد كوبر، بالعلاقات العسكرية بين البلدين، قائلا: إنها "أقوى من أي وقت مضى".

وفي أواخر الشهر نفسه، وبعد أن سحبت إدارة ترامب قواتها من العراق، نقلت واشنطن مقر التحالف العسكري لمحاربة تنظيم الدولة إلى الأردن المجاور.

ورغم أن ترامب خفّض حزم المساعدات الخارجية في أنحاء العالم ضمن أجندة "أميركا أولا"، رفعت واشنطن حجم مساعداتها للأردن الذي يبلغ عدد سكانه نحو 11.5 مليون نسمة.

وخصص الكونغرس للمملكة أكثر من ملياري دولار خلال عام 2026، ما جعلها ثالث أكبر دولة متلقية للمساعدات الأميركية في العالم.

ومنذ عام 1951، بلغ إجمالي المساعدات الأميركية المقدمة للأردن نحو 35.5 مليار دولار، وهي مساعدات تعد حيوية لعمّان في ظل ارتفاع ديونها وتعثر اقتصادها.

علاقة باردة

وذكر التقرير أن هذه المليارات لم تُترجم إلى علاقة وثيقة بين ترامب والملك عبد الله. فخلال زيارة امتدت قرابة خمسة أسابيع إلى الولايات المتحدة صيف 2026، لم يحظَ العاهل الأردني بلقاء مع الرئيس الأميركي.

وفي يوليو/تموز 2026، قُتل ثلاثة جنود أميركيين في ضربة إيرانية استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، لكن ترامب لم يتصل بالملك. وبدلا من ذلك، بدا أنه ينتقد الجيش الأردني لعدم اعتراضه الصواريخ الإيرانية.

واشتكى ترامب حينها قائلا: "لقد تمكنوا من تمرير بعض الصواريخ عبر الأردن، ولو كان لدينا مسؤولون آخرون يتولون هذه الأمور، لما حدث ذلك".

ونقلت المجلة عن مؤسس إذاعة "البلد" في عمّان، داود كتاب، قوله: إن العلاقة بين الزعيمين تفتقر إلى "الكيمياء".

وأوضح داود كتاب أن ترامب يحترم زعيمي قطر وتركيا لثراء بلديهما وثقل دوريهما الإقليميين. أما الملك عبد الله، حاكم البلد الفقير، فلا يملك ما يبهر به ترامب، كطائرة هدية بقيمة 400 مليون دولار أو صفقة نفطية ضخمة.

في المقابل، قال نائب رئيس جامعة اليرموك السابق، أنيس الخصاونة، للمجلة إن الملك عبد الله حظي بعلاقة أفضل بكثير مع الرئيس السابق جو بايدن.

وبحسب الخصاونة، فرض بايدن، على عكس ترامب، بعض العقوبات على المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، التي يولي الملك عبد الله مصيرها اهتماما بالغا.

فالضفة شاغل أردني رئيس، بحكم الحدود المشتركة معها والحرص على استقرارها. كما يشكل الفلسطينيون، ومنهم نحو مليوني لاجئ، قرابة نصف سكان الأردن. لكن ترامب رفع جميع تلك العقوبات فور عودته إلى البيت الأبيض عام 2025.

وخلال ولايته الأولى، تجاهل ترامب مناشدات الملك عبد الله بعدم نقل السفارة الأميركية لدى دولة الاحتلال إلى مدينة القدس المحتلة. وكان آخر لقاء ثنائي بينهما في تلك الولاية في يوليو/تموز 2018، ولم يلتقيا مجددا قبل مغادرة ترامب منصبه عام 2021.

أما في ولايته الثانية، فضغط ترامب على الملك عبد الله في قضايا بالغة الحساسية، وحثه على استيعاب الغزيين المهجرين.

ورغم التخطيط المكثف بين واشنطن وتلّ أبيب للهجوم على إيران، لا تشير أي تقارير إعلامية إلى أن ترامب أبلغ الملك عبد الله مسبقا. ويأتي ذلك مع أن الحرب جلبت على الأردن وابلا من الصواريخ الإيرانية.

وأكد الوزير الأردني السابق، محمد أبو رمان، للمجلة وجود "شعور متزايد في الأردن بأن واشنطن، خاصة في عهد الرئيس ترامب، تقلل من شأن الدور الإقليمي للأردن، ولم تعد توليه الأهمية السياسية التي أولته إياها في العقود السابقة".

ورفضت المتحدثة باسم السفارة الأميركية في عمّان، جينيفر ساتون، طلبا لإجراء مقابلة مع السفير جيمس هولتسنايدر.

غضب شعبي

وإلى جانب انعدام الثقة بين الزعيمين، أشار التقرير إلى تصاعد انتقادات الرأي العام الأردني للسياسات الأميركية في المنطقة. فقد أظهر استطلاع لـ "الباروميتر العربي" أن 12 بالمئة فقط من الأردنيين ينظرون بإيجابية إلى السياسة الخارجية لترامب.

ورأى المحلل السياسي المقيم في عمّان، سعد حتر، أن الأردنيين يعتقدون أن "الولايات المتحدة كانت دائما سبب البؤس والمعاناة لشعوب المنطقة، خاصة الفلسطينيين".

وأضاف حتر أن دعم إدارة ترامب للتحركات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة أغضب الأردنيين؛ إذ إن نحو نصف سكان البلاد من أصول فلسطينية.

وجاءت حرب ترامب على إيران لتعمق نفور الأردنيين. ففي يوليو/تموز 2026، وقّع مئات منهم، بقيادة الوزير السابق أمجد المجالي، رسالة تطالب بطرد القوات الأميركية من المملكة.

وجاء في الرسالة: "نطالب بإخراج جميع القوات الأجنبية من الأراضي الأردنية، بكون وجودها يعرّض الأردن لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية لا مصلحة له بها، ويزيد من احتمالات تورط بلادنا في صراع إقليمي ليست طرفا فيها".

وقبل عام 2026، لم يكن الوجود العسكري الأميركي في الأردن يشكل أي خطر يُذكر على البلاد. لكن الصورة تغيرت سريعا بعدما أمر ترامب بالهجوم على طهران، وردت الجمهورية الإسلامية بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على القوات الأميركية في الأردن.

لغز المساعدات

وتساءلت المجلة عن سر استمرار المساعدات الأميركية لعمّان بالمليارات، رغم عداء الرأي العام الأردني لواشنطن، وافتقار العلاقة بين ترامب والملك عبد الله إلى الدفء، على أقل تقدير.

وبيّن التقرير أن الملك جعل التواصل مع الكونغرس، بديمقراطييه وجمهورييه، أولوية منذ اعتلائه العرش عام 1999.

وقد ضمن هذا التنسيق، إلى جانب الروابط العميقة مع الجيش الأميركي ووكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه"، بقاء أصوات مؤثرة داخل الحكومة الأميركية تدافع عن الأردن، حتى مع تراجع دعم البيت الأبيض.

ولفتت المجلة إلى أن الحرب على إيران أبرزت أكثر القيمة الإستراتيجية للأردن لدى المؤسسة الأمنية الأميركية. فالمملكة تواصل استضافة قوات أميركية إضافية، رغم مخاطر التعرض لمزيد من الهجمات من طهران والمليشيات المتحالفة معها في العراق.

وختمت المجلة بقول أبو رمان: "المفارقة أن الملك عبد الله لا يزال من أكثر حلفاء واشنطن الإقليميين موثوقية، لكنه قد يشعر بأنه أبعد سياسيا عن الرئيس الأميركي الحالي مما كان عليه مع كثير من أسلافه".