روسيا وإيران.. هل تفشلان خطة أميركا لإنشاء ممر زنغزور في القوقاز؟

منذ ١٣ ساعة

12

طباعة

مشاركة

رأى معهد القدس للإستراتيجية والأمن (JISS) أن اتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا، لا تكمن أهميته فقط في تطبيع العلاقات وإنهاء التوتر في القوقاز، لكن أيضا في تهميش إيران وروسيا.

وأوضح المعهد الإسرائيلي في مقال للنقيب (احتياط) في قسم أبحاث الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، ألكسندر غرينبرغ أن إضعاف موسكو وطهران، يمثل مصلحة حيوية لكلٍ من الغرب وإسرائيل.

وحققت الدبلوماسية الأميركية إنجازا تاريخيا في 8 أغسطس/آب، عندما استضاف الرئيس دونالد ترامب اجتماعا بين نظيره الأذري إلهام علييف، ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، في واشنطن، حيث وقّع الزعيمان اتفاق سلام، يُنهي صراعا دام ثلاثين عاما بين الدولتين القوقازيتين.

تهميش إيران وروسيا

وأعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة ستساعد في إنشاء ممر عبور مركزي كجزء من الاتفاق، في إشارة إلى طريق زنغزور.

سيربط هذا الممر -الذي أُطلق عليه اسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي" (TRIPP)- أذربيجان بإقليم نخجوان المتمتع بالحكم الذاتي، والذي تفصله عن البر الرئيس أراضٍ أرمينية.

وكانت مفاوضات سابقة قد فشلت في هذا؛ إذ طالبت أذربيجان أرمينيا بمنحها ممرا للسكك الحديدية إلى نخجوان، بينما أصرت أرمينيا على الاحتفاظ بالسيطرة، وهدد علييف بالاستيلاء عليها بالقوة. 

لكن الوساطة الأميركية كسرت الجمود، الأمر الذي أرسى موقعها كطرف في الاتفاق.

ويرى غرينبرغ -الحاصل على شهادات في دراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية واللغة العربية وآدابها- أنه لطالما عارضت إيران مشروع ممر زنغزور منذ أن اقترحته أذربيجان عقب انتصارها في حرب إقليم "قره باغ" الثانية عام 2020.

وانتقد معاون الشؤون السياسية في الحرس الثوري الإيراني، يدالله جواني، القادة الأرمن والأذريين لجرهم حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى القوقاز.

وأضاف جواني أن علييف وباشينيان يسيران على درب البؤس نفسه الذي سلكه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وتابع أن الزعيمين يرتكبان خطأً أسوأ من زيلينسكي، لأن الأخير استفز روسيا فقط، بينما هما يستفزان موسكو إلى جانب إيران والهند والصين، وهو تصريح عده "غرينبرغ" تهديدا مبطنا لأرمينيا وأذربيجان.

ولفهم تفاعلات إيران مع أرمينيا، يجب التذكير بأن الأخيرة هي الحليف الوحيد لطهران في المنطقة.

وتطالب طهران يريفان بتنسيق عملية صنع القرار معها، فيما يهدف باشينيان ضمنيا إلى إنهاء التبعية الدبلوماسية لإيران، وفق الكاتب الإسرائيلي.

4 طرق للتأثير

وأوضح أنه بالنسبة لإيران، يُعد مشروع زنغزور أكثر من مجرد طريق تجاري، ذلك أن تقليص اعتماد أرمينيا على طهران، يُهدد بتقويض نفوذ الأخيرة وإضعاف مكانتها الإقليمية بأربعة طرق رئيسة.

الأولى أن إيران كانت تخشى دائما أن يؤدي مشروع الممر إلى قطع وصولها إلى أرمينيا إذا لم يبقَ الطريق تحت السيطرة الحصرية ليريفان.

ذلك أن إيران تحتاج وصولا مباشرا إلى أرمينيا لتتمكن من التأثير الفعال على قراراتها.

أما ممر زنغزور فسيصل جيب نخجوان بأذربيجان عبر مقاطعة سيونيك جنوب أرمينيا، على الأرجح بمحاذاة نهر آراس الذي يشكل الحدود بين أرمينيا وإيران.

الثانية أن إيران تبدي حذرها من إنشاء ممر "تركي يجمع الأتراك" على طول حدودها الشمالية، إذ أنه سيقرب بين تركيا وأذربيجان.

وتُعدّ القومية التركية شعارا رئيسا في الدعاية الإيرانية، التي تبرز تنامي نفوذ أنقرة في القوقاز، وتراه طهران مضرا بمصالحها.

الثالثة أن الدعاية الإيرانية تصوّر خطة ممر زنغزور بصفتها بوابة لدخول إسرائيل وحلف الناتو إلى المنطقة. غير أن غرينبرغ يرى أن لدى المحللين الإيرانيين مبررات وجيهة للخشية من تآكل نفوذ طهران.

إذ يعتقد إحسان موحديان أحد أبرز الخبراء الإيرانيين في شؤون القوقاز، أن قضية زنغزور ترتبط أيضا بتحولات في ميزان القوى الإقليمي.

الرابعة أن بعض مطالب طهران قد لُبيت بالفعل، إذ يضمن الاتفاق سيطرة أرمينيا على الممر والحدود مع إيران، لكن ما يثير استياءها ليس ما تدّعيه من تهديدات محتملة من أذربيجان بل فقدانها السيطرة على هذا الممر.

وباختصار، فإن الوجود الأميركي يعني أن إيران لن تتمكن من إغلاق الممر متى شاءت، وستفقد ورقة الضغط لاستخدام طريق التجارة العالمي في تحقيق أهدافها الجيوسياسية. 

ويُعد فقدان هذه الورقة ضربة أخرى لسياسة الحرب الهجينة التي تنتهجها إيران على جبهات متعددة، وفق غرينبرغ.

وهذا يعني أن اتفاق السلام الجديد يلبي بعض مطالب طهران، لأنه يضمن سيطرة أرمينيا على الطريق والحدود مع إيران، لكنه من ناحية أخرى، يدعو منافسها اللدود -الولايات المتحدة- لترسيخ وجوده في فنائها الخلفي.

الموقف التركي

بدورها، عدّت وسائل الإعلام التركية على نطاق واسع الاتفاق بين أذربيجان وأرمينيا انتصارا للولايات المتحدة وانتكاسة لإيران وروسيا في جنوب القوقاز.

وكان رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران، أول من قدّم رد فعل تركي، مرحبا باتفاق أذربيجان وأرمينيا كخطوة مهمة نحو سلام دائم في المنطقة.

وتبعت وسائل الإعلام الموالية للحكومة النهج الرسمي وعدت الاتفاق تاريخيا، مشيرةً إلى أن ميزان القوى الإقليمي سيتحول لصالح أنقرة وواشنطن.

وأشارت بعض وسائل الإعلام التركية إلى أن إيران ترى نفسها مُستبعدة من العالم التركي.

ونقلت صحيفة يني شفق الموالية للحكومة تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، مجادلةً بأن الاتفاق سيثير قلق إيران.

وقال ولايتي إن الممر سيغير الجيوسياسية الإقليمية والحدود، وادعى أنه مصمم لتفتيت أرمينيا. 

وأضاف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرّح مرارا بأنه سيتخذ إجراءً إذا انضمت أوكرانيا إلى الناتو أو إذا اقترب الحلف من موسكو. 

وبالمثل، يدعي ولايتي أن بوتين لن يسمح للحلف أيضا بالاقتراب من الحدود الشمالية لإيران.

وبحسب الكاتب الإسرائيلي، يكشف الخطاب الإيراني الحالي أن نظام طهران تلقى ضربة دبلوماسية من الولايات المتحدة، دون القدرة على مواجهتها أو موازنتها.

وأردف أن “إيران تفقد نفوذها، ومسؤولوها رفيعو المستوى يدركون ذلك جيدا، كما تتزايد الانتقادات من المتشددين غير الرسميين، مما يزيد من تشويه صورة النظام كحامٍ لمصالح لطهران”.

وفي الوقت نفسه، يوضح تصرف النظام حدود فعالية الدعاية الإيرانية وغيرها من الأدوات التخريبية، بحسب وصف الضابط الإسرائيلي.

في المقابل، يبرز نجاح الدبلوماسية الأميركية مرة أخرى أهمية العمل المستمر والانخراط متعدد الأوجه، ويكمن السر في إدراك مخاوف كل طرف والعمل على معالجتها بالأفعال لا بالكلمات.

وما يهم -وفق غرينبرغ- ليس ما تفترضه التحليلات الأميركية أو الإسرائيلية الشائعة، بل الوزن الذي يعلق عليه الفاعلون الإقليميون المحليون وإيران كل قضية.

وختم بالتأكيد على أن "إيران تخشى بالضبط هذا العزم الأميركي على العمل في اتجاهات متعددة، لأن قدرة النظام على الرد تصبح محدودة بشكل متزايد".